العوامل المؤثرة في تدوين السنة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

أدرك الصحابة أهمية السنة إدراكاً جيداً، فالقرآن كان يتنزل عليه وكان يقوم بتبليغه إليهم وشرحه وتفسيره وعيشه، أي توفرت لديه كل عوامل الفهم والإدراك.

1- حث القرآن للاهتمام بالسنة

يقول القرآن الكريم: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} (الحشر: 7). فاسم الموصول "ما" الموجود في الآية الكريمة تشمل الوحي المتلوّ أي القرآن والوحي غير المتلوّ أي الأحاديث القدسية والأحاديث الشريفة، وحرف "ف" هنا يوجب الاتباع والإطاعة. وكذلك نرى وجوب الانتهاء والابتعاد عن كل ما نهى عنه الرسول صلى الله عليه و سلم، وتستمر الآية فتقول {واتقو الله} أي أن هذه الطاعة مسألة من مسائل التقوى يجب تنفيذها بكل دقة وحساسية.

وقد فهم الصحابة هذا الأمر جيداً، وعلموا أنهم لن يحصلوا على تقوى الله إلا باتباع كل حديث وكل تقرير وكل فعل للرسول صلى الله عليه و سلم. ولما كانت الآية الكريمة تنتهي بـ{إن الله شديد العقاب} فما كان أي واحد منهم ليجرؤ على أخذ هذا التهديد إلا بمأخذ الجد، لأنهم كانوا أفضل كادر وجماعة سعت إلى رضوان الله تعالى وإلى التقرب إليه.

ويقول القرآن كذلك: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً} (الأحزاب: 21)، فيعلن بذلك أن التمسك بالسنة النبوية هو الطريقة الوحيدة للوصول إلى ساحل السلامة والأمن، وهو السبيل القويم الوحيد من بين السبل العديدة والطرق الكثيرة المتعرجة. وقد أدرك الصحابة الكرام هذا وأن سبيل النجاة هو في الالتحاق بقافلته صلى الله عليه و سلم وركوب سفينته وأنهم إن فعلوا هذا استحقوا شفاعته يوم القيامة حيث يسجد وهو يقول: «أمتي!.. أمتي!..» فيقال له: "يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطه، واشفعْ تُشفَّع."[1]

وهم يعرفون أن الويل هو للشخص الذي لن يعرفه الرسول صلى الله عليه و سلم في البرزخ وفي المحشر وعلى الصراط يوم القيامة. لذا، كانوا يتتبعون كل حركة من حركاته وكل سكنة من سكناته ويلاحظونها بدقة، حتى تعابير وجهه ونظرات عينيه أو تبسم شفتيه.. يلاحظونها ويفهمونها ثم ينقلونها، لأنهم سمعوا من فمه المبارك هذا والحديث: «نضَّر الله امرأ سمع منا حديثاً فحفظه حتى يُبَلّغه غيره.» وفي رواية أخرى: «نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثم بلغها عني.»[2]

2- حث الرسول صلى الله عليه و سلم للاهتمام بالسنة

وكما جاء في الحديث السابق فقد حث الرسول صلى الله عليه و سلم المسلمين على فهم مقالته وأحاديثه وعلى وعيها وتبليغها ويدعو الله أن ينضر وجه من يفعل ذلك، ذلك لأن دوام مهمته وبقاء الدين الذي جاء يبلغ به وإنقاذ البشرية مرتبط ومتعلق بهذا.

وفد وفد من قبيلة عبد القيس بعد فتح مكة إلى الرسول صلى الله عليه و سلم وقالوا: "يا رسول الله! إنا لا نستطيع أن نأتيك إلا في الشهر الحرام، وبيننا وبينك هذا الحي من كفار مُضَر، فمرنا بأمرٍ فصْلٍ نُخبر به مَنْ وراءنا وندخل به الجنة"، فأمرهم الرسول صلى الله عليه و سلم ببعض الأمور ونهاهم عن بعضها ثم قال لهم: «احفظوه وأخبروا به من وراءكم»[3] أي أمرهم بحفظ حديثه.

وخطبهم خطبة الوداع في حجة الوداع، فلما انتهى قال: «لِيبلِّغِ الشاهدُ الغائبَ، فإن الشاهد عسى أن يُبلّغ من هو أوعى منه.»[4] ونراه في حديث آخر يحذر من كتم العلم: «من سئل عن علم ثم كتمه أُلجِم يوم القيامة بلِجام من نار.»[5]

فكما أدرك الصحابة الكرام قيمة السنة وضرورتها أدركوا وجوب وضرورة نقلها وتبليغها، فكما كانوا ينتشون ويسعدون من حث الرسول صلى الله عليه و سلم لهم كانوا يرتجفون عندما يسمعون وعيده وتخويفه، كما كانوا في الوقت نفسه يسمعون تهديد القرآن الكريم لمن يكتم العلم: {إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمناً قليلاً أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار} (البقرة: 174). فمثل هذه الآيات كانت تخوفهم وترعبهم، لذا أقبلوا على الكتاب وعلى السنة يفهمونهما ويقومون بتبليغهما إلى الآخرين.

وكما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يعلم الصحابة القرآن الكريم كان يعلمهم السنة كذلك. فقد روي عن ابن مسعود رضى الله عنه أنه قال: "علمني رسول الله صلى الله عليه و سلم التشهد كفِّي بين كفيه كما يعلمني السورة من القرآن."[6] وعن جابر بن عبد الله رضى الله عنه قال: "كان رسول الله يعلمنا الاستخارة في الأمور كما يعلمنا السورة من القرآن."[7]

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحدث ببطء لكي يفهم السامعون كلامه جيداً، وكان يكرر بعض كلامه ثلاثاً. عن عائشة رضى الله عنها أن النبي صلى الله عليه و سلم كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه.[8] وفي رواية أخرى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن يَسْرُدُ الحديث كسردكم.[9]

ولم يكتف بهذا بل شجع أصحابه على الاجتماع وتدارس كتاب الله وشؤون الدين، ففي حديث له يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة وحفّتهم الملائكة وذكَرهم الله فيمن عنده.»[10] وهكذا كان الرسول صلى الله عليه و سلم يحث أصحابه على تدارس كتاب الله ومعرفة معانيه وتدارس السنة التي هي تفسير كتاب الله.

3- شوق الصحابة الكرام

كان شوق الصحابة الكرام لمعرفة معاني القرآن الكريم والسنة النبوية ونقل ما علموه إلى الآخرين كبيراً، فقد علموا أنهم كانوا على شفا حفرة من النار، وأن الله تعالى أنقذهم منها بإرساله هذا الرسول الكريم إليهم، لذا صرفوا جل اهتمامهم لمعرفة أحاديثه السنية وأفعاله وما أقره وما نهى عنه، ويتذاكرون هذا فيما بينهم.

يقول أنس بن مالك رضى الله عنه: "كنا نكون عند النبي صلى الله عليه و سلم فنسمع منه الحديث فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه."[11] وكان أصحاب الصُّفّة بالأخص يقومون بإحياء الليل بالصلاة وقراءة القرآن وتدارسه، حتى أن عدد المتحلقين حول معلم واحد هناك كان يبلغ أحياناً سبعين شخصاً، وكان الدرس يمتد أحياناً حتى الصباح.

كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه و سلم حثاً على هذا التدارس، فمثلاً يسمعونه وهو يقول: «من جاء مسجدي هذا، لم يأته إلا لخير يتعلمه أو يعلّمه، فهو بمنزلة المجاهد في سبيل الله.»[12] لذا، فما أن يتعلم أحد الصحابة عنه شيئاً حتى يقوم بتبليغ ذلك إلى غيره في شوق وفي سعادة لكي يستفيد الآخرون من علمه. ولم يكن هذا مقتصراً على الرجال فقط، فالنساء كن يشاركن الرجال في هذا الأمر ولا يتأخرن عنهم.

كان النساء يصلين في المسجد خلف صفوف الرجال والصغار، فكن لا يسمعن جيداً ما يقوله الرسول صلى الله عليه و سلم، وأحيانا كان الرجال يملأون المسجد فلا يبقى لهن موضع فيه، فاشتكين إليه وقلن له: "غَلَبَنا عليك الرجال فاجعل لنا يوماً من نفسك."[13] فوعدهن الرسول صلى الله عليه و سلم خيراً واستجاب لطلبهن ورتب لهن اجتماعاً معه ووعظهن وأجاب عن أسئلتهن.

كانت زوجات الرسول صلى الله عليه و سلم معلمات للنساء، فكن ينقلن ما يفهمن من القرآن والسنة إلى الأخريات بحكم عيشهن معه صلى الله عليه و سلم. وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يهتم بتعليم زوجاته لكي ينقلن عنه إلى النساء الأخريات وإلى الأجيال القادمة أيضاً. فكان ما يقوله لهن وما يشاهدنه ينتقل بواسطة أمّنا صفية رضى الله عنها إلى أهالي خيبر، وبواسطة أمّنا ميمونة رضى الله عنها إلى بني عامر بن صعصعة، وبواسطة أمنا أم سلمة رضى الله عنها إلى بني مخزوم، وعن طريق أمنا أم حبيبة رضى الله عنها إلى بني أمية، وعن طريق أمنا جويرية رضى الله عنها إلى بني المصطلق. فهؤلاء الزوجات الطاهرات لم يكن يقصرن في وظيفة الإرشاد والتبليغ عن رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى قبائلهن وأقاربهن، وكانت هذه القبائل تفتخر بمصاهرتها مع الرسول صلى الله عليه و سلم.

4- كلمات خلفت بصماتها وحوادث خلدت نفسها

كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يتحدث أحياناً في مناسبات حيوية وهامة بكلام لايمكن إلا استقراره في الأذهان حيث لا يمكن نسيانه أبداً، لأن الحوادث التي قيل فيها مثل هذا الكلام كانت حوادث مهمة لاسبيل إلى نسيانها، وكلما خطرت هذه الحوادث على الأذهان خطر معها ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم فيها. لنعط بعض الأمثلة:

أ- عندما مات الصحابي الجليل عثمان بن مظعون رضى الله عنه حزن رسول الله صلى الله عليه و سلم عليه وبكى، ولم يكن يبكي عادة خلف ميت، ولكنه بكى خلف حمزة وعثمان بن مظعون رضى الله عنه. روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه و سلم دخل على عثمان بن مظعون حين مات فقالت زوجته أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب، فشهادتي عليك لقد أكرمك الله. فقال لها النبي صلى الله عليه و سلم: «وما يدريكِ أن الله أكرمه؟» فقالت: لا أدري، بأبي أنت وأمي يا رسول الله! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «أما عثمان، فقد جاءه واللهِ اليقين، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يُفعل به!» قالت: فوالله لا أزكّي أحداً بعده أبداً وأحزنني ذلك. فنامت فأُريتْ لعثمان عيناً تجري، فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته، فقال: «ذلك عمله»[14] فهذه الحادثة ما كان بإمكان من شاهدها نسيانها أو نسيان ما قيل فيها.

ب- ومثلاً قاتل قُزْمان في معركة أُحد قتالاً شديداً وأبدى شجاعة فائقة، وعندما مات من جراحه في المعركة ظنوا أنه مات شهيداً وغبطه الكثيرون، ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم أخبرهم أنه من أهل النار، فتعجبوا حتى جاء الخبر بأنه لم يمت في المعركة بل جرح جرحاً شديداً فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح فقتل نفسه، كما أن بعضهم سمعه وهو يقول بأنه لم يقاتل في سبيل الله بل قاتل حمية. فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم بلالاً قائلاً: «يا بلال! قم فأذِّن؛ لا يدخل الجنة إلا مؤمن. وإن الله لَيؤيِّد هذا الدينَ بالرجل الفاجر.»[15] فكلما تذكر معركة أُحد هل يمكن نسيان هذا الحديث الذي قيل في هذه المناسبة؟

ج- يروي عمر بن الخطاب رضى الله عنه الحادثة التالية: لما كان يوم خيبر أقبل نفر من صحابة النبي صلى الله عليه و سلم فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد. حتى مرّوا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «كلا، إني رأيته في النار، في بُرْدة غَلَّها[16] أو عباءة.» ثم قال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «يا ابن الخطاب! اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنةَ إلا المؤمنون.»[17]

إذن، فكلما جاء ذكر معركة خيبر وجاء ذكر الشهداء وجاء ذكر الغنائم وجاء ذكر أوصاف من يدخلون الجنة تذكر الصحابة ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم في تلك المعركة في هذا الخصوص، إذ لا يمكن نسيان هذه الحادثة ولا نسيان ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم فيها.

أجل، لقد كانت الحقائق القدسية التي تذكرها السنة النبوية السنية تلتحم في الأذهان والقلوب مع الحوادث الجارية بشكل لا يمكن للأيام والسنين محْوها، إذن، فلم ينس الصحابة هذه الأحاديث، بل نقشوها في أذهانهم وحفظوها في قلوبهم وأرواحهم، وعاشوها في حياتهم ثم قاموا بنقلها تامة ومحفوظة إلى الأجيال القادمة.

د- كان الصحابة الكرام يوقرون النبي صلى الله عليه و سلم توقيراً كبيراً ويتصرفون أمامه بأدب واحترام كبيريْن، وكلما زادت معرفتهم ومرتبتهم زاد احترامهم وتوقيرهم وأدبهم تجاهه، حتى أنهم كانوا يستحون أحياناً من سؤاله فينتظرون من يتجرأ على السؤال. وفي أحد الأيام جاء رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ثم قال بغلظة وجفاء: أيكم محمد؟ -والنبي صلى الله عليه و سلم متكئ بين ظهرانيهم- فقال الصحابة: هذا الرجل الأبيض المتكئ. فقال له الرجل: ابنَ عبد المطلب! فقال له النبي صلى الله عليه و سلم: «قد أجبتُك.» فقال الرجل للنبي صلى الله عليه و سلم: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجدْ عليّ في نفسك. فقال: «سل عما بدا لك» فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: «اللهم نعم.» قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: «اللهم نعم» قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: «اللهم نعم.» قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «اللهم نعم.» فقال الرجل: آمنت بما جئتَ به، وأنا رسولُ مَنْ ورائي من قومي، وأنا ضِمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.[18]

والآن هل يستطيع ضِمام بن ثعلبة أو قومه أو جميع الصحابة الكرام الذين شهدوا عدم احترامه في بدء الأمر ثم صدق إيمانه في الأخير؟ هل يمكن لأحد أن ينسى هذه الحادثة، أو ما قاله الرسول صلى الله عليه و سلم آنذاك؟ كلا.. أبدا، إذ لا يمكن نسيان هذه الحادثة التي حفرت نفسها في العقول والأفهام.

هـ- استدعى الرسول صلى الله عليه و سلم مرة أُبيّ بن كعب وقال له: «إن الله أمرني أن أقرأ عليك {لم يكن الذين كفروا} (البينة: 1)» قال: وسمّاني؟ قال: «نعم.» فبكى.[19] بعد هذه الحادثة كان بإمكان ابن أبي أن يقول مفتخراً: "أنا ابن من قرأ الرسول عليه سورة البينة بأمر من الله تعالى." فهذه حادثة حفرت في ذاكرة أُبيّ بن كعب وأولاده وأحفاده.

5- دقة الصحابة وجديتهم

كان الصحابة الكرام كأنهم خططوا وبُرمجوا على حفظ القرآن والسنة وعدم إضاعة حرف واحد منهما، وما كانوا يحتملون مثل هذا الضياع. والرسول صلى الله عليه و سلم نفسه كان يبدي الاهتمام نفسه، فعند نزول الوحي كان يستعجل في قراءة الآيات واستعادتها مخافة النسيان حتى طمأنه الله تعالى ذاكراً له ألا يقلق لأنه سيحفظ هذا القرآن وقال له: {لا تحرِّك به لسانك لِتَعجَل به إن علينا جمعَه وقرآنَه} (القيامة: 17).

أجل، فكما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يبدي غاية الحرص والاهتمام والدقة في الحفاظ على الوحي الإلهي الملقى عليه، كان الصحابة الكرام أيضاً يبدون غاية الحرص والاهتمام لكل كلمة أو حرف يخرج من بين شفتي الرسول صلى الله عليه و سلم، إذ كانوا يعرفون أنهم أمام فرصة لا تتكرر مرة أخرى.. فرسول الله صلى الله عليه و سلم كان يشرح لهم ويعلمهم دينهم ويفسر لهم القرآن ويبين لهم أسس السعادة في حياتهم الأبدية، لذا ما كانوا يرغبون بقاء أي شيء غامض أو مبهم لديهم.

في السنوات الأولى للخلافة الأموية كان المجاهدون المسلمون يقاتلون على أبواب إسطنبول، وعن إحدى المعارك التي جرت هناك ننقل هذه الرواية عن أسلم أبي عمران التُّجـيـبـيّ قال: كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عُقبة بن عامر، وعلى الجماعة فضالة بن عُبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، فصاح الناس وقالوا: سبحان الله يلقي بيديه إلى التهلكة. فقام أبو أيوب فقال: "يا أيها الناس إنكم تتأولون هذه الآية هذا التأويل، وإنما أنزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لماّ أعزّ الله الإسلام وكثر ناصروه، فقال بعضنا لبعض سراً دون رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أموالنا قد ضاعت وإن الله قد أعز الإسلام وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله على نبيه صلى الله عليه و سلم يردّ علينا ما قلنا {وأَنفِقوا في سبيل الله ولا تُلقُوا بأيديكم إلى التهلكة} (البقرة: 195)، فكانت التهلكة الإقامة على الأموال وإصلاحها وترْكِنا الغزو." فما زال أبو أيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دُفن بأرض الروم.[20]

وهكذا نرى الصحابة يتعلمون دينهم عن الرسول صلى الله عليه و سلم على الوجه الصحيح ويحفظون ما تعلموه، ثم يعلمونه للآخرين.

6- الجو الجديد الذي أنشأه القرآن والسنة

كان كل ما جاء به القرآن آنذاك لذلك المجتمع البدائي أمراً جديداً وأصيلاً، وكان يبدو كل ما يجيء به القرآن والسنة شيئاً جذاباً لإنسان ذلك العهد. وبدأ عهد من التغيير والتبديل الذي يذهل العقل، فهؤلاء القوم الذين كانوا بدواً يسكنون الخيام بدأوا يتهيأون ليكونوا معلمي العالم وقادته.. ففي كل يوم كانت تتنزل عليهم مائدة سماوية جديدة، وفي كل يوم كانت تلك الجماعة تستقبل أشياء جديدة وتُخاطَب حول أمور جديدة.. كانوا أذكياء بالفطرة وأصحاب ذاكر ة قوية، فإن سمعوا شيئاً مرة واحدة انطبع في أذهانهم فلا ينسونه. ونحن نجد حتى في هذه الأيام -التي ضعفت فيها الذاكرة لاعتماد الجميع على الكومبيوتر وآلات التسجيل الأخرى- أشخاصاً لهم قوة ذاكرة مدهشة بحيث يستطيعون حفظ القرآن الكريم في شهرين أو ثلاثة أشهر، بينما كان كل بدوي آنذاك له ذاكرة قوية جداً يحفظون أي شيء يسمعونه.

بعد صلح الحُديبية بدأ الرسول صلى الله عليه و سلم بإرسال الرسل إلى رؤساء القبائل وإلى رؤساء الدول، وبجانب هؤلاء الرسل أرسل المعلمين لكي يعلموا الناس أينما ذهبوا ما تعلموه من القرآن والسنة، وقد استفاد هؤلاء من جو الصلح واستغلوه استغلالاً جيداً وانتشروا بين القبائل حتى أصبحت في كل ناحية من نواحي الجزيرة العربية مدرسة يدرس فيها القرآن والسنة، إلى درجة أنه عند فتح مكة كان عدد من استمع إلى الرسول صلى الله عليه و سلم من العرب يزيد على عشرة آلاف شخص. في هذه الحملة التعليمية كانت للنساء أيضاً نصيبهن منها بجانب الرجال، ولاسيما نصيب أمهات المؤمنين الطاهرات. وقد بلغ من انتشار هذه الحملة وسرعة تأثيرها أن الرسول صلى الله عليه و سلم عندما حج حجة الوداع بعد سنتين استمع إليه ما يقارب مائة ألف من المسلمين إلى خطبة الوداع.

في هذا الحج نرى التبليغ المكثف للسنة، وإعطاء العديد من الفتاوى، فقد تحدث الرسول صلى الله عليه و سلم إلى الناس عن الميراث وعن رفعه لثارات الدم، وتحدث عن حقوق النساء، وعن حرمة الربا وألقى العديد من النصائح التي تفيد أمته في مستقبل حياتها. وطلب من الشاهدين أن يبلغوا كلامه للغائبين.. لقد تم إكمال الدين واستكمال النعمة ورضي الله الإسلام ديناً للمؤمنين. كل هذه الأمور كانت جيدة سوى أمر واحد كان يحز في قلوب الصحابة، وهو علمهم أن الرسالة كملت وأن الرسول صلى الله عليه و سلم سيفارقهم بعد إتمام مهمته وأداء رسالته، لذا فبينما كانت أعينهم تفيض دمعاً كانت آذانهم صاغية لما يقوله.[21] ثم ما لبث أن نزلت آخر آية في القرآن: {واتقوا يوماً تُرجَعون فيه إلى الله ثم تُوَفَّى كلُّ نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون} (البقرة: 281). آية تذكر مدى أهمية الاعتصام بالدين، وتذكّر الصحابة وللمرة الأخيرة بمدى أهمية الوفاء للدين والوفاء للنبي صلى الله عليه و سلم الذي صرف ثلاثا وعشرين سنة من حياته في تبليغ هذا الدين. كان الصحابة يدركون هذا.. سمعوا وفهموا ونفذوا ما فهموه وعاشوا حياتهم حسبه ثم نقلوا ما عرفوه وما سمعوه. وهكذا انتقلت السنة إلينا -مثلما انتقل القرآن- ضمن هذه القنوات الطاهرة النقية، وستنتقل إلى الأجيال القادمة حتى يوم القيامة.



[1] البخاري، تفسير سورة (2) 1؛ مسلم، الإيمان، 322
[2] الترمذي، العلم، 7؛ أبو داود، العلم، 10؛ ابن ماجة، المقدمة، 18
[3] البخاري، الإيمان، 40؛ مسلم، الإيمان، 24
[4] البخاري، العلم، 9؛ مسلم، القسامة، 29؛ «المسند» للإمام أحمد 5/41
[5] الترمذي، العلم، 3؛ أبو داود، العلم، 9؛ ابن ماجة، المقدمة، 24
[6] مسلم، الصلاة، 61؛ أبو داود، الصلاة، 178
[7] البخاري، التهجد، 25؛ أبو داود، الوتر، 31؛ الترمذي، الوتر، 18
[8] البخاري، المناقب، 23؛ مسلم، فضائل الصحابة، 160
[9] البخاري، المناقب، 23؛ مسلم، فضائل الصحابة، 160
[10] مسلم، الذكر، 38؛ الترمذي، القراءات، 10؛ ابن ماجة، المقدمة، 17؛ «المسند» للإمام أحمد 3/32
[11] «مجمع الزوائد» للهيثمي 1/161؛ «الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع» للخطيب البغدادي 1/363-364
[12] ابن ماجة، المقدمة، 17؛ «المسند» للإمام أحمد 2/350، 418
[13] البخاري، العلم، 36، الجنائز، 6؛ مسلم، البر والصلة، 152؛ «المسند» للإمام أحمد 3/34
[14] البخاري، الشهادات، 30 ؛ «المسند» للإمام أحمد 1/237، 335
[15] البخاري، القدر، 5؛ مسلم، الإيمان، 178
[16] الغُلول: هو الخيانة في الشيء وفي الغنيمة خاصةً.
[17] مسلم، الإيمان، 182؛ الترمذي، السير، 21؛ الدارمي، السير، 48؛ «المسند» للإمام أحمد 1/30
[18] البخاري، العلم، 6؛ أبو داود، الصلاة، 23؛ ابن ماجة، الإقامة، 194؛ «المسند» للإمام أحمد 1/264
[19] البخاري، تفسير سورة (98) 1-3؛ مسلم، فضائل الصحابة، 122
[20] الترمذي، تفسير السورة (2) 19؛ أبو داود، الجهاد، 22
[21] مسلم، الحج، 147؛ أبو داود، المناسك، 56؛ ابن ماجة، المناسك، 84؛ «المسند» لأحمد، 5/73
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri