صورة قلمية لروح المبلغ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

سنوضح في هذا الفصل، مع فارق بسيط عن الفصل الثاني، أموراً مقرونة بالأمثلة تحت عنوان "صورة قلمية للمبلّغ" كي تتنور طريق رجال الإرشاد من زاوية أخرى. ويمكن أن يعدّ هذا الفصل الذي نقدمه تحت عناوين مميزة خطاباً إلى النفس الإنسانية لعلاقته بشكل الروح للمبلّغ.

1- الشفقة

 

إن المبلغ هو بطل الشفقة والرحمة قبل كل شيء. لا يتوسل لدفع الآخرين إلى قبول الحق الذي يدعو إليه بالوسائل الخاطئة كاستعمال القوة والخشونة والإكراه. لأن استقرار الإيمان بالله في القلوب ليس بهذه الوسائل قطعاً. بل الشفقة في الإرشاد تليّن القلوب وترقق الوجدان، وتجعلهما تستأنسان وتتهيآن لقبول الإيمان بالله وبرسوله صلى الله عليه و سلم.

المبلّغ يدفع مخاطبه إلى التصديق بالإقناع، فيحيطه بعلمه ويجذبه إليه بفضائله. فكل مَن يتعرّف ويشاهد المبلّغ، يشاهده أنموذج شخصية مجهزة بالفضائل. فلا شك أن تسليمه له ورضاه عنه، له أبلغ الأثر في قبول كلامه، بينما الجموع التي قُذف في قلوبهم الرعب، يتوجسون خيفة من شخص المبلّغ الذي يعرض المسائل في جو من الإكراه والاستبداد، فيتهيبون حتى عن الحقائق التي يعرضها. والحقائق التي يراد تبليغها مهما كانت حيوية وودّية، فالفتور لدى المبلّغين سيترك طابعه على السامعين. فمثل هذه الأطوار لا تأتي بخير قطعاً. علماً أنه لا يحق لأحد كائنا من كان أن يدفع الناس إلى الفتور عن الإسلام والخوف منه نتيجة أخطائه.

لقد اعتلت الشفقة الذروة في أخلاق الرسول صلى الله عليه و سلم كما هي في جميع خصاله الأخرى. فلقد أسس صلى الله عليه و سلم دعوته العظيمة على ركائز جليلة كالشفقة، وبلّغها في جو دافئ من الحنان والعطف. حيث يقول: (إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ مِثْلُ الْوَالِدِ)[1] وكيف لا، وهو الوالد الرؤوف الرحيم الذي قال حين ولادته: أمتى...أمتى.. وبقوله لأمته "أولادي" كأنه يضم إلى صدره الحنون فلذات كبده، فلئن كان ليعقوب وحيده يوسف عليهما السلام ، فكل فرد من أفراد أمته يوسفٌ له. نعم، إنه يفتح صدره ليضم كل فرد من أفراد أمته، فرداً فرداً كما يضم الأب الرحيم ابنه الوحيد إلى صدره، وبالمقابل كل فرد من أفراد أمته يحبه أكثر من حبه لوالديه بل حتى من نفسه. بمعنى أن الصفة التي تلازم المبلّغ هي: المحبة النابعة من الشفقة والحنان، والسلوك الذي يقابل بالاحترام. هذه الصفة لها امتياز خاص، لأنه لا محل للمحبة والاحترام فيما يخلو من الشفقة والرأفة.. نعم ربما يُدفع الناس بالقوة إلى إطاعة أمور معينة، إلا أنكم لن تدفعوا أحداً إلى محبة الحقائق التي تريدون تبليغها. وفي الحقيقة ليس أمام الشفقة والرحمة باب مسدود لا يمكن فتحه. فجبال الثلج التي لا تذوّب بالشفقة والرحمة لا يذوّبها شيء قطعاً. لذا إن كنتم تريدون ربط الناس بعضهم ببعض بمحبة دافئة عليكم أن تطووهم تحت جناح الرحمة والشفقة أولاً. وما لم تعفوا عن تقصيرات الناس وأخطائهم، وما لم تظهروا لهم الحقيقة ملفعة بالشفقة والحنان، لن تحلّوا حلاً جذرياً أية مسألة من مسائل الناس الفردية والجماعية. يعلّمنا الرسول صلى الله عليه و سلم كيفية سلوكنا أمام أخطاء الأمة وتقصيراتهم بهذه الصورة التمثيلية:

(إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُ أُمَّتِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَجَعَلَتِ الدَّوَابُّ وَالْفَرَاشُ يَقَعْنَ فِيهِ فَأَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ وَأَنْتُمْ تَقَحَّمُونَ فِيهِ).[2]

يفتح الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم بهذا المثال طريقاً واسعاً جداً للإرشاد، ويوضح أن من سار في هذا الطريق يوصل التبليغ إلى جموع عظيمة في المجتمع، بينما النظرات المخالفة والأفكار المباينة لهذا الطريق تؤدى إلى التردي والاضمحلال، وأدهاها دفع الناس إلى الهلاك، وهذه حقيقة.

وإذا ما شملتم قلب إنساننا اليوم بالعطف والحنان، تسمعون صدىً حزيناً منه، لأنه لن يسعد إنسان يغوص في الآثام ويخوض في الرذائل. ولا جرم لا يبقى إنسان برضاه ورغبته في هذه الحياة الآسنة، سوى الذين أظلمت قلوبهم واسودّت وجداناتهم نهائياً وتفسخ عالمهم المعنوي، إلاّ أنه قد زلّ ووقع فيما هو فيه الآن فلا يجد مخرجاً له. فأنتم بأياديكم الشفيقة الحنونة تدلونهم على طريق الخروج الذي يبحثون عنه. فمن يتقرب إلى هؤلاء بالإشفاق عليهم ويبين لهم المسائل ضمن رحمة ورأفة موزونة، سينظرون إليكم وإلى ما تقدمونه لهم من مسائل بعين اللطف، وإن لم تطلبوها، هذه حقيقة مشاهدة، حيث إنه قد انشرح بالإيمان قلوب ما لا نتوقعه من أناس وفيما لا ننتظره من زمان ، ولهذا مئات الألوف من الأمثلة. ولأنكم أصبحتم سبباً لهدايتهم فسيظلون طوال عمرهم في شكران لجميلكم، فضلاً عن أنه يسجّل في دفتر حسناتكم مثل ما يقومون به من أعمال صالحة.

ولنوضح المسألة بمثال:

تفكر في نشوب حريق في دار فيها عائلة كاملة بأفرادها وأولادها، ولكنك تكرههم، أو تصوّر باخرة غرقت وأفرادها - ممن لا تعرفهم - منتشرون على سطح الماء يستنجدون بمن ينقذهم من الموت المحقق. فأمام هذا المنظر، لا شك أنك تهرع لإنقاذ أفراد تلك العائلة الذين تكرههم من النار وإنقاذ أولئك الذين لا تعرفهم من الغرق. بل قد تخاطر حتى بحياتك في سبيل إنقاذهم، ولو أراد أحدهم صرفك عن عزمك هذا فلا تعير له بالاً ولا سمعاً قط. لأن صوت وجدانك أقوى تأثيراً من أي صوت آخر. والحال أن مَن تريد إنقاذهم إنما تنقذ حياتهم التي لا تتجاوز الخمسين أو الستين سنة، فكيف يجب إذن أن يكون موقفنا تجاه أناس نريد إنقاذ حياتهم الأبدية الخالدة. فالقضية تكمن في إدراك هذا السر. بل أرى أنه من واجب كل ذي وجدان ألاّ يغضب ويسخط على أولئك الأشخاص بل حتى لا يعاتبهم على ما يعملون.

وهكذا على مبلّغي اليوم ومرشديه أن ينظروا من هذه الزاوية إلى الإنسانية الملطخة بالمهالك المادية والمعنوية، الدنيوية والأخروية، وفي ضوئها ينظرون لما يقع من الآخرين من أمور حياتية ، فلا تليق بالمرشد الحدّة والضرب والشدة والفظاظة. أما الكذب والمنافع السياسية فبعيدة عنه بفراسخ عديدة. فالمرشد ليس إلاّ مثال الحب والشفقة والرحمة وفدائي المحبة. وما تنتظره القلوب الظمآى إلى الإرشاد هو هذا المرشد. وقدوتنا في هذا سيدنا الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم. انظروا إليه:

إنه لأجل أن يقول الناس "لا إله إلاّ الله" مرة واحدة، تعرّض إلى مهالك كثيرة وعانى معاناة شديدة، والحال أن الذين رشقوه وأدموه، وضيقوا عليه الخناق ووضعوا الجزور على رأسه وهو في الصلاة، والأشواك على طريقه، ما كان يريد لهم إلاّ هدايتهم ورجاء دخولهم الجنة، يريدها حتى لأعدائه. فما كان ينتظر منهم شيئاً لنفسه قط. فلقد رُشق بالطائف وأدميت قدمه الشريفة ووجهه المبارك حتى احتمى إلى بستان، كان معه زيد رضى الله عنه. وسعى المَلَك لإمداده قائلاً: (إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأخْشَبَيْنِ)، ولكن هذا الرؤوف الرحيم رفع يديه قائلاً: (أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا)[3] ولم يرد أن تصيبهم أية مصيبة.

وكذا في ساحة الحرب عندما انكسرت سنّه الشريفة ودخل جزء من مغفره في وجهه المبارك فوقعت قطرات من دمه الطاهر إلى الأرض، رفع يديه إلى السماء كأنه يريد أن يصّد غضب الله بالدعاء فقال:

(اللهمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ)[4] فصّد بذلك البلاء الذي قد ينـزل على الكفار. وواضح جداً تفجّر الرحمة والشفقة من كل كلمة من هذا الدعاء.

أريد أن أشرح ما له علاقة بالموضوع وقد ذكرته في مناسبات عدة، وهو:

شاب اهتدى حديثا، وعندما وجد نفسه في هالة من نور، تردد كثيرا إلى مجالس الذين يغمرهم ذلك النور. وفي إحدى المرات عندما ذكرت تعديات قاسية لا تخطر على بال من الجبهة المخالفة. قام أحد الشباب المتحمسين وقال: "يجب أن يُذبح جميع هؤلاء". وما أن سمع ذلك المهتدي الجديد هذا الكلام حتى اصفر واكفهر وجهه. وقال للمتحمس: لا تقل هذا يا صديقي، فلو كنتَ قد نفّذت هذا القرار قبل أيام لما كنتُ الآن بينكم وكنتُ من أهل النار. والحال تروني الآن واحداً منكم. وإنسان تلك الجهة المخالفة لنا محتاج أيضاً إلى ما شاهدتُه من طيب المعاملة وحسن المعشر. وإلاّ ما نكون إلاّ هدّامين لآخرتهم فحسب. وهذا لا يكسبنا ولا يكسبهم شيئاً.

هذا الكلام الذي أوردته باختصار، كأنه كلام صادر من جميع الشباب الذين يتلوون من آلام الإلحاد والكفر. وأنا اصرخ مثل ذلك الشباب أيضاً وبكل ما آتاني الله من قوة وأقول: إن الشباب الذي يضطرب بآلام الكفر محتاج إلى إسباغ رحمتكم ورأفتكم عليه، فلن تحصدوا شيئاً بالقوة والإكراه. نحن مضطرون إلى العمل بعقولنا ومنطقنا وليس بعواطفنا. والأصل في القضية أن الذين نجدهم مواجهين لنا وفي الصف المخالف، علينا إقناعهم وتوجيههم إلى عالم القلب والمعنى. وأعتقد أنه إلزام المقابل أيضاً ليس أسلوباً يلتمس به المرشد طالما لا ضرورة في الأمر.

نعم إن جيلاً كاملاً قد فُني ومُحي. ووضعت على الطرق المؤدية إلى المساجد حواجز وعقبات من الشهوات والأهواء. وجُعلت الأمور الجسدية محراب الجيل. فلم يعلّموه شيئاً عن الدين والإيمان والقرآن. والآن هذا الجيل يضطرب في هذه الدوامة. وهذه نتيجة طبيعية جداً ومنتظرة. فليس هذا الجيل النكد وهذا الشباب البائس يُغضب عليه ويُحنق عليه، بل الذين يستحقون لعنة المؤمنين هم الذين دفعوا هؤلاء إلى هذا المجرى القذر. فإن كان هناك تقصير في شيء فيعود إلى هؤلاء. ولا أقول أن الجيل الناشئ أو الشباب مبرأ عن الذنوب والآثام إلاّ أن مواجهته بذنوبه مباشرة بحدّة وخشونة لا يعنى شيئاً لإنقاذه، وأملنا أن يُنقذ هذا الجيل من هذا المستنقع في أقرب وقت. وهذه غاية وجودنا و مبتغانا.

2- التضحية

هذا الموضوع يستحق أن يخصص له فصلاً كاملاً ويُحلّل تحليلاً دقيقاً، إلاّ أنني هنا أريد أن ألفت نظركم إلى بعض أبعاده فحسب للتأمل والتفكر:

إن التضحية أيضاً من أهم خصائص المبلّغ، فالذين لا يضعون التضحية نصب أعينهم منذ البداية - أو يعجزون عن ذلك - لن يكونوا من رجال الدعوة. ولا داعي للكلام عن إخفاق من لم يكن رجل دعوة بهذه الصورة.

بينما المستعدون للتضحية بالمال - إن طُلب - أو بالنفس - إذا تطلب - بل حتى بالأولاد والأهل والمقام والمنصب والشهرة إلى آخره من الأمور التي يتغنى بها الآخرون ويجعلونها مبتغى حياتهم، هؤلاء المستعدون للتضحية بهذه الأمور سينصب عرش دعوتهم في الذرى، وهذا أمر محقق ومقدّر.

فعندما أرسى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم دعوته في مكة، أفهم روح التضحية وغرزها فعلاً في النفوس، بدءاً بنفسه ثم الأقربين له ممن نصروه. فمثلاً: سيدتنا خديجة الكبرى رضي الله عنها زوجة سيد المرسلين، سلطان الدنيا والآخرة، قد بذلت كل ما عندها في سبيل هذه الدعوة المقدسة دون أن تُحرج الآخرين في الطلب ، فتحملت جميع مصاريف الضيافة والولائم التي كانت تقام لدعوة مشركي مكة. وعندما توفيت هذه السيدة الكريمة العزيزة الموسرة لم تُبق لنفسها حتى ثمن كفنها!.

نعم إن كل داع إلى الله يبذل من تضحية فائقة لما يملك من إمكانات مادية، وعلاوة على ذلك ولكي يحيا بدينه وفكره وحريته وإنسانيته بأفضل ما يمكن وليعيش بها، يترك بيئته التي نشأ فيها، أي يهاجر. وهذا بعدٌ آخر للتضحية. فقد هاجر سيدنا أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم، وهاجر كل غني وفقير وشاب وشيخ وامرأة ورجل من المسلمين. هاجروا جميعاً وتركوا موطن آبائهم وأموالهم لظلمة مكة وجباريها، ولم يأخذوا شيئاً معهم إلاّ ما يسدّ الرمق في الطريق. فالمهاجرون عندما تجشموا كل هذه التضحية في سبيل تبليغ دعوتهم التي آمنوا بها والتمثل بها، استقبلهم أهل المدينة، الأنصار، بالترحاب وضمّوهم إلى صدورهم. وهذا نوع آخر من التضحية ذلك لأنهم آثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة.[5] فرجال التبليغ والإرشاد أيضاً في الوقت الحاضر، عليهم أن ينفّذوا هذا المفهوم للتضحية والتي تمثلت في عهد الصحابة الكرام الذين هم في الذروة في كل مجالات الحياة، ويظهروا الحالة نفسها، وذلك لأن بخلافها لا يحالفهم التوفيق، كما ذكرنا في المقدمة.

3- الدعـاء

الدعاء لدى المبلّغ وصف ملازم له لا يقل أهمية عن أوصافه الأخرى. فهو لا ينتظر تأثير كلامه في المخاطب ونفوذه إلى قلبه إلاّ من الله تعالى، إذ هو المالك لكل شيء، وقلوب عباده بين إصبعين من أصابعه سبحانه وتعالى يقلبها كيف يشاء. أما الأمر الإلهي (قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا) [الفرقان:77]، فيستقر في قلب المبلّغ كالبوصلة الحساسة تدلّه دائماً على محراب الدعاء والتضرع والإنابة.

نعم، لقد اهتدى أناس كثيرون بالدعاء والتضرع القلبي الخالص بينما لم يؤثر فيهم الكلام البليغ الساحر. لذا فكما أن الدعاء سلاح المؤمن فهو الحصن الحصين الأول والأخير للمبلّغ الذي يتوسل قبل كل شيء بالدعاء ومن ثم يباشر بالكلام عما يريد. ولا يعني هذا أن المبلّغ يترك طوره المنطقي المتسم بالعقل، بل يعني أن المبلّغ يعرف بدقة متناهية مواضع كل من العقل والمنطق والدعاء. ولنذكر أمثلة كيف أن الدعاء بحد ذاته إكسير عظيم في التأثير:

جرّب الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم كل وسيلة مشروعة لهداية الناس، وكان ملازما للدعاء، ما ورد عنه أنه ترك الدعاء قط. فقد دعا الله أن يهدي عمر بن الخطاب، وإذا بعمر يتشرف بالهداية في يوم ليس بالحسبان. وما هذا إلاّ من بركة دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم.[6]

وذات يوم سأل أبو هريرة رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه و سلم أن يهدي الله سبحانه أمه.. ففي رواية عنه: (كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً فأسمعتني في رسول الله صلى الله عليه و سلم ما أكره. فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه و سلم وأنا أبكي. قلت: يا رسول الله! إني كنت أدعو أمي إلى الإسلام فتأبي عليّ، فدعوتها اليوم فأسمعتني فيك ما أكره، فادع الله أن يهدي أم أبي هريرة. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: (اللهم أهدِ أم أبي هريرة). فخرجتُ مستبشراً بدعوة نبي الله صلى الله عليه و سلم. فلما جئتُ فَصِرْتُ إلى الباب فإذا هو مجافٌ -أي مغلق- فسمعتْ أمي خَشْفَ -أي صوت- قدمّي فقالت: مكانَك! يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء. قال: فاغتسلتْ ولبست درعها وعَجِلَتْ عن خمارها ففتحتِ البابَ. ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبدهُ ورسولهُ. قال: فرجعْتُ إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فأتيته وأنا أبكي من الفرح).[7]

4- المنطق والواقعية

المبلّغ - في الوقت نفسه - إنسان منطقي، سواء في تقييمه الأحداث أو في تفهيمه مخاطبيه فهو دائماً ينـزل منازلهم ومستوى مداركهم، ومن ثم يقنعهم بما يريد. حيث إن كلامه يكون مقبولاً لا يلام عليه بنسبة مطابقة أقواله وأحواله للمنطق والواقعية، ولا يظنن أننا نحث المبلغ ليكون فيه جفاف المناطقة، وإنما نريد منه أن تكون أطواره وتصرفاته منطقية وضمن حدود المعقول والواقع، علاوة على ما ذكرناه سابقاً. ودونكم مثال ملفت للأنظار من رسول الله صلى الله عليه و سلم:

كان جُليبيب رضي الله عنه ضعيف الإرادة تجاه النساء، وكان الصحابة الكرام ينـزعجون من أطواره هذه ويعجزون عن ردعه. وذات يوم أعلموا الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الوضع فدعاه، وجرت هذه المحاورة بينهما.

قال: أتحبه لأمك؟
قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم.
قال: أفتحبه لابنتك؟
قال: لا والله يا رسول الله جعلني الله فداك.
قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم.
قال: أفتحبه لأختك؟
قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم.
قال: أفتحبه لعمتك؟
قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم.
قال: أفتحبه لخالتك؟
قال: لا والله جعلني الله فداءك.
قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم.

فوضع يده عليه وقال: اللهم اغفرْ ذنبه وطَهِّرْ قلبَه وحَصَّنْ فَرْجَه)[8]. فأصبح جُليبيب من أعف الشباب في المدينة.

وبعد مدة وجيزة خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في غزوة له. فلما أفاء الله عليه قال لأصحابه: (هل تفقدون من أحد؟) قالوا: نفقد فلانا ونفقد فلانا. قال: (انظروا هل تفقدون من أحد؟) قالوا: لا. قال: (لكني أفقد جُليبيباً) قال: (فاطلبوه في القتلى). فطلبوه فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فقالوا: يا رسول الله هاهو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم ثم قتلوه. فأتاه النبي صلى الله عليه و سلم فقام عليه فقال: (قتل سبعة، ثم قتلوه. هذا مني وأنا منه، هذا مني وأنا منه) مرتين أو ثلاثا ثم وضعه رسول الله على ساعديه وحفر له، ما له سرير إلا ساعدا رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم وضعه في قبره.[9] وهكذا أصبح جليبيب بجناحي المنطق والدعاء طائرا من طيور العالم الآخر.

5- التسامح

المبلّغ سمح في أطواره، وفي الحقيقة أن التسامح هو سعة الصدر وسعة أفق في النظر، وليس فيه معنى التنازل عن الدعوة ولا المداهنة قط. ولنوضح ذلك بمثال:

الكلام الذي نطق به الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم لكفار مكة الذين أخرجوه منها ومن آمن معه، بعد أن أذاقوهم صنوف العذاب، هذا الكلام رمز ساطع للتسامح، فقد سأل صلى الله عليه و سلم: (ما ترون أني فاعل بكم؟) فأجابوه: (خيراً أخٌ كريم وابن أخ كريم) فقال لهم ما قاله يوسف عليه السلام لإخوته: (لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ الْيَوْمَ يَغْفِرُ الله لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [يوسف: 92]. ولقد أظهر سيدنا يوسف التسامح على إخوته بينما الرسول صلى الله عليه و سلم أظهره حتى لأعدائه، ففاق كرمه كرم سيدنا يوسف عليه السلام.

6- رهافة الحس

المبلّغ رهيف وشديد الحساسية تجاه ضلال الناس عن الحق، يؤلمه إعراضهم عن أوامر الله تعالى واعتراضهم عليه ألماً شديداً في الصميم. ويظل طاوياً لهذا الألم حينما يرى ردّة في الدين ونفسُه عاجزة عن القيام بشيء تجاههم، فليس له إلاّ الاضطراب والقلق والحسرات عليهم. والقران الكريم يرسم الحالة النفسية الناشئة من شدة الحساسية والاضطراب الذي كان يعانيه الرسول صلى الله عليه و سلم في سبيل التبليغ والدعوة بالآية الكريمة: (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلاّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) [الشعراء: 3]. ولا شك أن هذه الحالة النفسية ينطوي عليها كل مبلّغ، بل ينبغي له.

والردة تعنى الارتداد عن الدين الحق، والمرتد هو الذي ينكر جميع المقدسات التي آمن بها من قبلُ، وهو من جهة يحقّر المسلمين ويستهين بهم وبعقيدتهم، فمن يهن المسلمين مرة واحدة يمكنه أن يهينهم كل وقت، لذا يرى البعض أن المرتد لا حق له في الحياة. بيد أن علماء الفقه وضعوا أسساً لكل حكم، فقالوا: إن المرتد يفهّم أولاً المسألة التي أرتدّ بسببها ويُسعى إلى إقناعه بجميع تفرعات تلك المسألة. وإذا انتفت جميع الوسائل لإقناعه ولم يرجع إلى الصواب تبين أن هذا الإنسان غدا ورماً خبيثاً في جسم المجتمع الإسلامي. فيعامل وفق ذلك.[10] ذلك لأن المؤمن لا يمكنه أن يقف مكتوف الأيدي أمام ارتداد شخص ما. لأن مفهوم الردّة في الإسلام لا يسمح بذلك. بل إن كل مؤمن يتألم ألماً شديداً إذا ما سمع بالحادثة وذلك حسب مستوى مشاعره وشدة حساسيته في الأمر، أما ألم واضطراب المبلّغ فيفوق كل ألم واضطراب، لأنه يعلم جيداً أن هداية الناس هي غاية وجوده.

استعجل سيدنا خالد بن الوليد في حادثة، لدى تقييمه قواعد الدين في مسألة الردّة، وعندما بلغ الخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم تألم ألماً شديداً ودعا الله قائلاً (اللّهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد).[11]

وقد انعكست هذه الحساسية الشديدة لدى الرسول صلى الله عليه و سلم إلى أصحابه الكرام، فمثلاً: قدم على عمر بن الخطاب رجلٌ من اليمامة، فسأله عما حدث من أمر جاد. فأخبره: ليس إلاّ أن رجلاً كفر بعد إسلامه. قال: فما فعلتم به؟ قال: ضربنا عنقه. فتحسّر عمر حسرة عميقة كما فعل رسول الله صلى الله عليه و سلم، ثم قال: (أَفَلاَ حَبَسْتُمُوهُ -ثلاثاً-، وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفاً، وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُراجِع أَمْرَ اللهِ ؟ ثُمَّ قَالَ عُمَر: اَللَّهُمَّ إِنِّي لمَ ْأحضر، وَلَمْ آمر، وَلَمْ أَرضَ إِذْ بَلَغَني).[12]

7- عمق العالم الروحي

المبلّغ صاحب عالم روحي عميق أيضاً، ذلك لأن قوله ينعكس على الآخرين بنسبة عمق عالمه الروحي، فكلما اقترب إلى المولى العزيز قرّبه المولى إليه حتى يكون بصره التي يبصر بها وأذنه التي يسمع بها ويده التي يبطش بها، فيكون الله سبحانه وتعالى أساس كل حركة ونأمة له. بمعنى أن حركاته كلها تجري في ظل تأييد الله سبحانه. فكلما عمل بما عَلِم علّمه الله ما لم يعلم وسدد خطاه. حتى يغدو حلاّلاً لأصعب المعضلات المستعصية على الآخرين وبكل سهولة ويسر. فيتميز في المجتمع لاستمراره عليها. ويصبح ممثلاً عن الصراط المستقيم. ومن كان شأنه هذا، ترده فيوضات مقدسة من الله سبحانه، فيديم إرشاده بجاذبة قوية للمجال المغناطيسي المتولد من تلك الفيوضات، حتى يصبح محيطه كأنه ظل إلهي يتفيأ إليه الألوف بل مئات الألوف من الناس، وهكذا فالجاذبية القوية لدى المرشدين العظام نابعة من هذا العمق الداخلي، إذ قد حصل المرشد الذي بلغ هذه الحالة على اليقين التام وامتلك زمام القوة الساحرة لليقين. وما بلوغ اليقين إلاّ بلوغ الكمال في الإيمان، حيث يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: (اليقين كله إيمان).[13]

واليقين يعني تجهيزعقل المؤمن بالبراهين، وإعمار ذهنه بالتفكر، وإشعاع الأفكار بالإلهام، وذوبان النفس بالعبادة والطاعة، وتحول القلب إلى مرآة مجلوة ناظرة إلى الحق تعالى بدوام المراقبة والمشاهدة.

اليقين وصول إلى التوحيد، مَن بلغه فلا يخاف أحداً، ولا يرجو من شيء، إلاّ الله سبحانه وتعالى، إذ كل شيء عنده من الله تعالى، لأنه آمن بأن الخير والشر كله من الله تعالى.

فالذي بلغ اليقين من هذا الجانب، لا يفتر، لا يخاف، يستقبل الموت متبسماً، يعيش في الآخرة ولماّ يغادر الدنيا، إذ يؤمن أن براق الموت سيوصله إلى مشاهدة من يشتاق إليه، لذا فهو في بهجة وسرور دائمين، وفي الحديث الشريف: (خِيَارُ أُمَّتِي فِيمَا أَنْبَأَنِي الْمَلأُ اْلأَعْلَى قَومٌ يَضْحَكُونَ جَهْراً في سَعَةِ رَحْمَةِ رَبِّهِم وَيَبْكُونَ سِرّاً "ليلاً" مِنْ خَوفِ عَذَابِ رَبِّهِم... قُلُوبُهم في الدُّنيَا وَأَروَاحُهُم في الآخِرَة..).[14]

نعم، لقد غدا غاية المنى لكل مرشد أن يبلغ أهل اليقين الذين يشاهدون الدنيا والآخرة معاً فيستشعرون الوحدة. وهذا هو ما ننتظره من أنموذج المرشد ونترقبه، والذي لا يملك أدني ميل إلى الدنيا من حيث إنها دنيا، ولا يفكر بالبقاء فيها لولا وظيفة الإرشاد، فأمثال هؤلاء هم المرشدون المتخلقون بالأخلاق المحمدية. وعلى كل مرشد أن يكون على هذا النمط.

يذكر السيد طاهر المولوي الذي شرح المثنوي لجلال الدين الرومي، يقول: كنت مع الشيخ عاطف في الزنـزانة، والشيخ من أرباب الأقلام واستيعاب لثقافة عصره. وقد أعدّ دفاعا قويا للجلسة الأخيرة لمحاكمته التي ستعقد صباح غد. ولكن الشـيخ عاطف بعد أدائه لصلاة الفجر مزق دفاعه الذي كتبه أمس ورماه في سلة المهملات. سألته ما الذي حدث ؟ لِمَ مزقت الدفاع ؟ أجابني بالآتي:

لقد سعدتُ هذه الليلة برؤية سيد الكونين صلى الله عليه و سلم. كنت جالساً ومنهمكاً بكتابة الدفاع. خاطبني قائلاً: يا عاطف ما هذا التهالك؟ ألا تريد المجيء إلينا؟ قلت وكيف لا أريد يا رسول الله؟ وهذا يعني أن وقت لقائه قد حان. فهل من داع للدفاع؟

وهكذا حكمت عليه المحكمة بالإعدام، فاستقبل قرار الحكم متبسماً وباطمئنان بالغ عميق. لأن هذا الحكم سيحقق اللقاء مع رسول الله صلى الله عليه و سلم. وكيف لا يفرح من يركب مثل هذا البراق؟! وكيف لا يغرق في الاطمئنان والسكينة من سار في هذا الطريق باستقامة، وراقب رضى الله في كل منـزل من منازله، وآمن بتوفيقه إلى توجّه الله ورسوله إليه في كل خطوة يخطوها. نعم يُقتل مثل هذا الرجل ويُعدم ولكن لا يُغلب قط.

نعم إن الذي يوصل المبلّغ إلى التوفيق في النتيجة هو حفاظه على صفاء الروح ورقتها على الدوام. لأن الذي نذر نفسه لله وسعى لكسب رضاه وحده سبحانه سيبلغ مراده ومطلبه قطعاً إن لم يكن اليوم فغداً في الآخرة. فماذا فقَدَ من وجَدَ الله وماذا كسب مَن لم يجده، حتى لو كانت الدنيا كلها ملكه.

أليس الأمر كله لقاء الله بقلب سليم حي؟ ولِمَ نهتم بما بعده من أعمال فارغة وقضايا نحن في غنى عنها؟ نسأل الله تعالى القدير أن يحفظ قلوبنا برقتها وصفائها إلى يوم لقائه جل وعلا، فهو ربنا... آمنا بأن رحمته وسعت كل شيء وسبقت غضبه. فلا نسأل غير رضاه ورحمته.

8- الشوق والاشتياق

المبلّغ يؤدي وظيفته في جو مفعم بالعشق والشوق، ويكون التبليغ شوقه وعشقه، لا يبتغي عنهما عوضاً. ويلزم أن ينبّه هذا الشعور فيه. غير أن إيقاظ هذا الشعور ليس من السهولة بمكان، بل عسير جداً، وكذا تحققه يطول كثيراً. فلولا أن بنى الرسول صلى الله عليه و سلم هذا الشعور في أصحابه في بدء الدعوة، ولو لم يجعلهم عشاقاً للحق والحقيقة، لما كانت الرسالة ضمن دائرة الأسباب تتحقق بأبعادها الواسعة.

فهذا سيدنا خالد بن الوليد يقابل قائد الروم فيعرض الإسلام عليه أولاً [15]. فالتبليغ إذن أولاً ثم تتكلم السيوف. تُرى بمَ يوضح هذا إن لم يكن شوق التبليغ يفوق كل شيء.

فلقد استحوذ تأثير هذا الشوق والعشق العظيم للتبليغ على الصحابة الكرام رضوان الله عليهم فهجروا أوطانهم منتشرين في أرجاء الأرض لأجل التبليغ.

ولنذكر واحدة منها:

اُسر خُبَيب واُخذ إلى مكة، وبعد أن قضى مدة طويلة في السجن اُخذ أمام مشهد عظيم للإعدام، فكان حزيناً مكدّراً لأنه لم يجد الفرصة سانحة لتبليغ ما أودعهم الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم من وظيفة الإرشاد، والآن يساق إلى الإعدام مكبّل اليدين ومعقد اللسان. فكان يجول ببصره إلى من حوله دون توقف باحثاً عمن يبلّغه شيئاً من الدين، ولكن دون جدوى حيث لا يجد أحداً، رغم أن فيهم من سيكون من الصحابة في المستقبل. ولكن بالنسبة لذلك اليوم لم تُفتح بعدُ بصيرتهم.. وقال لهم: إن رأيتم أن تدعوني حتى أركع ركعتين فافعلوا. قالوا: دونك فاركع. فركع ركعتين أتمّهما وأحسَنهما. ثم أقبل على القوم فقال: (أمَا والله لولا أن تظنوا أني إنما طولتُ جزعا من القتل لاستكثرت من الصلاة).[16] ثم رفعوه على خشبة الإعدام.. والآن آن الأوان للوداع الأخير فصوبت نحوه الحربة، بيد أن خُبَيباً يجول ببصره أيضاً إلى مَن حوله علّه يجد من يبلّغه، فما كان يبحث عمن ينقذه من الموت، بل كان يريد أن يجد أحداً لينقذ حياته الأبدية ولو في هذه اللحظات الأخيرة.. فيا لله ما أخيب الموت في نظر أولئك العشاق لتبليغ دعوة الله عندما يغلبون على أمرهم فلا يستطيعون ذلك.. وفي هذه اللحظة سنحت فرصته بغير حسبان، إذ سأله أحد كبار مشركي قريش، وظاهر السؤال ليس مهماً بقدر ما سيكون جوابه مثقل بالحكمة، وبقدر ما يكون فرصة لأداء وظيفة الإرشاد، وربّ شرارة من فكر تكون سبباً لإضرام نار الإيمان في قلوب الكثيرين في المستقبل. والسؤال هو: "أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وانك في أهلك؟"

لا شك أن هذا السؤال لا يُسأل به مسلم، فكيف يُسأل "خبيب" ذلك الصحابي الجليل. بيد أنه كان يترقب اغتنام فرصة للتبليغ عقب السؤال. فلقد طفح جيشان وجدانه بين السرور الغامر والكدر الممض فلا يسعه شيء، لذا سعى ليقول شيئاً ولو قصيرا كصلاته التي صلاّها، بل كان عليه أن يُقحم الحياة كلها في جملة واحدة، يظل التاريخ صامتاً صاغياً إليها وتبقى أذن الزمان ترن بها.. وهكذا كان..

قال: (والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني جالس في أهلي)[17] فيا له من وفاء، فاسمُ به أيها الروح الطاهر.

وبعد أن قال هذا الكلام ذهب عن خُبَيب ما كان يشعر به من ضيق لعدم إيفائه بواجب التبليغ. فغدا يشعر بالخفة كالريش. ولم يبق له إلاّ سلام الوداع للرسول صلى الله عليه و سلم ثم السير إلى الجنة.. ولم يفكر قط أيمكن أن يبلغ السلام من مكة إلى المدينة أم لا؟ لأنه يعلم أنه يبعث بسلامه إلى نبي عظيم.

كان آخر ما نطق به على خشبة الإعدام (السلام عليك يا رسول الله). وكان الرسول جالساً مع أصحابه في المدينة. وإذا به قام وقال: (وعليكم السلام يا خُبَيب).[18]

نعم كل صاحب دعوة عليه أن يبلغ ما بلغه خُبَيب في عشق التبليغ والشوق إليه. كي يمكنه أن يقول لسير التاريخ المخالف: قف! كي يمكنه أن يتجاوز تيارات الزمن المخالفة أو المضادة ويعيد الزمن إلى مجراه الصحيح، ليكون مؤدياً حقيقة وظيفة خليفة الله في الأرض.

9- صفاء القلب ورقة الروح

على الداعية في أثناء تبليغ دعوته أن يكون في منتهى صفاء القلب ورقة الروح، أي عليه أن يحمل قلباً صافياً صفاء دعوته وسطوعها، إذ بخلافه تكون علاقته مع الحق سبحانه كَدِرةً بنسبة كدورة عالمه الروحي. فيزول تأثير كلامه. ويمكننا أن نعبّر عن هذا بالآتي:

لا يرجو المبلغ شيئاً لدى تبليغه غير رضوان الله سبحانه وتعالى. وطالما هذا طوره فسيجد الله معه، ويستشعر بروحانية الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم وهمّة العظماء ظهيراً له. وهذا ما لا يشك فيه أحد، إذ لئن كانت تُنتظر من البذرة التي تلقى في التراب أن تتحول إلى ألف بذرة فلابد ألاّ يركن إلاّ إلى قوة الله جل وعلا. إذ الرجاء من أبواب أخرى ليس إلاّ الخسران المبين. وفي الحقيقة أن فهمنا للتوحيد يقتضي هذا، إذ كما لا شريك له سبحانه في ذاته فلا شريك له في أفعاله أيضاً. فلا يخلق الهداية والضلالة إلاّ هو، فهو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينـزع الملك ممن يشاء ويعزّ من يشاء ويذل من يشاء.

نعم، إن السير في مجاهدة الإنسان نفسه لبلوغ هذه الذروة من صفاء القلب ورقة الروح شاق وعسير، ولكن بلوغ الهدف في الذروة أيضاً حظ عظيم وسعادة كبرى.

انظروا إلى أبى حنيفة النعمان، إنه يرفض وظيفة القضاء حفاظاً على صفاء قلبه ورقة روحه، ويُعذّب أيما تعذيب تحت سياط الظلمة، ولكن لا يقبل ما عدّه فخاً وشِباكاً لروحه.[19]

وكذا الإمام الشافعي قد بذل قصارى جهده لئلا يكلّف بمثل هذا الأمر.[20] بل رضي بأن يعيش عيش الكفاف كسائر الناس، رافضاً كل ما كلّف به من مقام ومنصب تحت ضغوط قوية من قبل الدولة، ففضّل ذلك العيش على أن يقبل وظيفة للدولة، وآثر ألاّ يعرف موضعه وحاول ألاّ يتعرض إلى ما تعرض إليه أبو حنيفة النعمان.

وجهاد الإمام أحمد بن حنبل في سبيل القرآن لم ولن يُمسح من ذهن التاريخ. إذ قال "القران غير مخلوق" وأصرّ على كلامه هذا طوال عمره.[21] وكان يمكنه بسهولة أن يتجاوز ذلك بالتعريض ولكن يأباه قطعاً.

يذكر لنا أحد خواطره كالآتي:

(روى البهيقي عن الربيع قال بعثني الشافعي بكتاب من مصر إلى أحمد بن حنبل فأتيته وقد انفتل من صلاة الفجر فدفعت إليه الكتاب. فقال: أقرأته؟ فقلت: لا. فأخذه فقرأه فدمعت عيناه. فقلت: يا أبا عبد الله وما فيه؟ فقال: يذكر أنه رأى رسول الله صلى الله عليه و سلم في المنام فقال اكتب إلى عبد الله أحمد بن حنبل واقرأ عليه السلام مني وقل له إنك ستُمتحن وتُدعى إلى القول بخلق القرآن فلا تجبهم ويرفع الله لك علما إلى يوم القيامة. قال الربيع: فقلت حلاوة البشارة فخلع قميصه الذي يلي جلده فأعطانيه. فلما رجعت إلى الشافعي أخبرته. فقال: إني لست أفجعك فيه ولكن بلّه بالماء وأعطينيه حتى أتبرك به).[22]



[1] أبو داود، الطهارة، 4؛ النسائي، الطهارة، 35.
[2] مسلم، الفضائل 17-19؛ البخاري، الرقاق، 26
[3] البخارى، بدء الخلق، 7؛ مسلم،الجهاد،111؛ إبن كثير، البداية ، 3/166-168
[4] البخاري، الأنبياء، 54؛ مسلم، الجهاد، 105؛ القاضي عياض، الشفاء 1/105.
[5] انظر البخاري، مناقب الأنصار، 3 البيوع، 1؛ الكاندهلوي، حياة الصحابة، 1/381.
[6] انظر ابن كثير، البداية، 3/31؛ ابن الأثير، أسد الغابة 4/148؛ ابن سعد، الطبقات،3/ 286
[7] انظر ابن سعد، الطبقات، 4/328؛ ابن حجر، الإصابة 4/241
[8] المسند، لإمام أحمد 5/256-257
[9] المسند، 4 /420-421؛ الهيثمي، مجمع الزوائد،9/ 368
[10] انظر البخاري، الديات، 6؛ مسلم، القسامة، 25؛ السرخسي، المبسوط، 10/98؛ الكاساني، بدائع الصنائع 7/134
[11] البخاري، المغازي، 58؛ إبن هشام، السيرة،4/72
[12] الموطأ، الأقضية، 58.
[13] البخاري، الإيمان،1
[14] المستدرك 3/17؛ البيهقي، شعب الإيمان، 1/478
[15] انظر ابن كثير، البداية، 7/13
[16] انظر ابن كثير ، البداية ،4/65
[17] ابن كثير ، البداية ،4/65
[18] ابن كثير البداية 4/66، 69.
[19] انظر الذهبي، تذكرة الحفاظ 1/168 ؛ ابن خلكان، وفيات الاعيان 5/407 ؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد 13/326 ، 328
[20] انظر ابن حجر، طوالع التأسيس 77/84؛ عبد الغني الدقر، الإمام الشافعي 380، 381،
[21] انظر الذهبي، سير أعلام النبلاء 11/239، 240؛ ابو نعيم، الحلية 9/206.
[22] ابن عساكر، تاريخ دمشق 3/250؛ وانظر ابن كثير، البداية 10/331.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri