التبليغ أثمن هدية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

إن أردنا أن نعقد تشبيهاً بين وظيفة التبليغ وتبادل الهدايا بين الناس يمكننا أن نسرد الآتي:

إنكم تتهادون فيما بينكم في المناسبات والأعراس، ولاشك أنكم قبل تقديم الهدية تفكرون ملياً لدى اختياركم لها ومدى ملاءمتها للشخص المُهدى إليه. وهذا أمر معتاد ومفيد في الوقت نفسه. لأنكم بها تدفعون حاجة وتضمنون محبة. وكذلك الأمر لدى زياراتكم لمن يشاركونكم في الحياة الاجتماعية ورفقائكم في الدرب نفسه، فعليكم أن تكونوا دقيقين في اختيار ما ستقدمونه إليهم بمثل اهتمامكم ودقتكم في تقديم الهدايا.

وعلينا ألاّ ننسى أن أحوج ما يحتاجه إنسان اليوم: قليل من الكلام الطيب والنصح له. وكذا فإن أثمن هدية في الوقت الحاضر هي : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وأن أول ما علينا لأجل تحقيق هذه الوظيفة على الوجه الأكمل، معرفة الشخص المخاطَب أو الأشخاص المخاطبين وتشخيص ما يحتاجونه تشخيصاً جيداً. إذ بخلافه سيكون الأمر كأنك تريد إلباس ثوب لشخص يضجر منه ولا يُعجبه ولا يليق به وإن كان من أفخر الأقمشة وأجودها. فعلى الرغم من أن هذا الأمر معروف إلاّ أنه يفعل فعل المنكر. فلا يعني شيئا لمن ابتلي بأفكار شـتى ومذاهب ضالة أن تعرج به في أرجاء السماوات العلى قبل أن تُصفّي مفاهيمه. إذ كيف تتلألأ نجوم السماء في مرآة وجدان من انكسف قلبُه وأظلمت روحُه؟ ومن هنا فإن تشخيص حاجة أي إنسان كان من أهم الأمور؛ كي يؤثر الكلام فيه وتجدي المحاورة معه، وربما تهزّه هزاً ولعلها تكون سبباً لاسترشاده. ولربما حسراتكم المليئة بالأنّات المؤلمة هذه تكون سبباً في ملء خوائه المعنوي ودفع حاجته المعنوية. ولا هدية أغلى ولا أثمن من تلك الأنّات والاستغاثات المليئة بالأحزان مع القول اللين الذي يعيد إليه الصواب. بل ربما تكون تلك الاستغاثة سبباً في إيقاف جميع تصرفاته الخاطئة في المستقبل وتسوقه مع القول اللين إلى سبيل الاستقامة والصواب. فالهدية التي تكون سببا لتوجّه المرء من السيئات إلى الحسنات هي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالذات. وأحسب أنها أجلّ الهدايا.

لقد دامت أيام محاصرة خيبر طويلا دون ان تسفر عن شيء حيث كان يهود خيبر يقاومون الحصار بكل طاقتهم وذات يوم قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه و سلم: (لأعْطِيَنَّ الرَّايَةَ - أَوْ قَال -َ لَيَأْخُذَنَّ غَدًا رَجُلٌ يُحِبُّهُ الله وَرَسُولُهُ - أَوْ قَالَ - يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ يَفْتَحُ الله عَلَيْهِ).[1] فهذه أعظم بشارة للصحابة الكرام، إذ كان كل منهم يتمنى هذه المنـزلة. علماً أن كلاً منهم كان يفضّل أخاه المؤمن على نفسه في الشؤون كلها. حتى أن بعضهم عندما قدم إليه قدح من ماء يشربه نظر إلى مَن حوله فقال للذي جاء به: ويحك كيف أشرب أنا وهؤلاء يلتفون حولي؟ أعطه مَن شئتَ منهم. فإن كان يصح في وقت إيثار ففي مثل هذا الوقت، ومات عطشا.[2] وهكذا كان يؤثر أخاه المؤمن على نفسه حتى يقدر أن يملّكه ما يمتلك حباً وكرامة. إلا أن الكلام الذي نطق به الرسول الكريم في هذا اليوم هو بشارة ضمان محبة الله ورسوله، لا يفوّته أحد ولا يؤثِر فيه على نفسه أحد أحداً.

والخلاصة أن كل واحد كان يريد أن يحظى بهذه المرتبة. حتى أن سيدنا عمر ذا الفطرة النادرة قال: (... فَمَا أَحْبَبْتُ الإمَارَةَ قَبْلَ يَوْمَئِذٍ فَتَطَاوَلْتُ لَهَا وَاسْتَشْرَفْتُ رَجَاءَ أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيَّ).[3] ذلك لأن فيها ضمان محبة الله ورسوله صلى الله عليه و سلم. لذا لم يغمض للصحب الكرام جفن حتى الصباح انتظاراً لهذه البشارة العظمى، فالجميع يترقبون لمن تُعطى الراية؟ وفي الصباح الباكر انتظروا بلهفة البشارة فأخذوا موضعهم في الصف الأول من صلاة الفجر حيث ستُسلّم الراية عقبها. وفعلا بعد أن أنهى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم الصلاة تركزت العيون إليه في انتظار: ماذا سيخرج من بين الشفتين المباركتين؟. نعم، وقد نطق ذلك الفم الذي يفوح بطيب الجنة اسم مَن هو أسعد إنسان في الدنيا وأكثرهم حظاً. فقد آن أوان النطق بهذه البشارة العظمى حيث قد بلغ الاهتياج ذروته. فقال صلى الله عليه و سلم بصوته الرقيق الشفيق : "أين علي؟" وعندها عُرف الأمر أن الإنسان المحظوظ هو سيدنا علي رضي الله عنه. ولكن مازال هناك أمل يستشرف له الصحابة الكرام وهو غياب سيدنا علي بسبب عينه الرمداء فأجابوا الرسول صلى الله عليه و سلم مساقين بهذا الأمل: إنه هاهنا مريض يرقد. فدعاه الرسول ومسح عينه بإصبعه المباركة بعد أن وضعها في فمه المبارك فطابت تلك العين حتى لم يذق سيدنا علي طوال حياته ألماً في عينه.

وهكذا وجدت الراية صاحبها المحظوظ، فتسلمها سيدنا علي وتوجّه نحو خيبر. ولكن توقف فجأة مستفسراً من الرسول صلى الله عليه و سلم على أي شيء نحاربهم؟ وعلى ماذا ندعوهم؟ فأجابه سيد الكونين صلى الله عليه و سلم:

(انْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتَّى تَنـزلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإسْلامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ الله فِيهِ فَوَالله لَأَنْ يَهْدِيَ الله بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ).[4]

ومنذ ذلك الوقت لم يدخل جيش الإسلام إلى موضع وفي أي وقت كان إلا وكأن كل جندي في أذنه صدى أمر الرسول صلى الله عليه و سلم هذا فيتلقاه واجباً عليه تنفيذه.

ففي العهود السابقة نُفّذ نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفق هذا الحديث الشريف وأمثاله من الأحاديث الشريفة من جهة، وما عمله الرسول صلى الله عليه و سلم في حياته من جهة أخرى. بمعنى أن طلائع الإرشاد يدخلون البلاد التي ستفتح وينشرون الحق ويهيؤن الجو لصالح المسلمين، فإذا استجاب أهل تلك البلاد إلى الأمر فسيدخلون الإسلام وتعدّ بلادهم ديار الإسلام. ولكن إذا قاوموا وجابهوا المرشدين بمعارضة وأعاقوا نشر الإسلام، يُحسم الأمر بالفتح وفق ما ذكرنا سابقا من القواعد. أي يبلّغون الإسلام أولاً؛ لأنهم يعلمون يقيناً أن إرشاد رجل واحد خير من إنفاق ملء الأرض من حُمر النَّعم في سبيل الله.

ومن هنا نرى أن أجمل هدية يقدمها المسلم باسم الإنسانية، هو تحقيقه لوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. نعم، إن أداء هذه الوظيفة بإحسان ولطف لهو أعظم هدية وأثمنها.


[1] البخاري، الجهاد،121،143، فضائل أصحاب النبي،9؛ مسلم، فضائل الصحابة، 32،35؛ الترمذي، المناقب، 20.

[2] انظر البيهقي، شعب الإيمان، 3/ 61

[3] المسند، أحمد بن حنبل،2/384؛ إبن سعد ، الطبقات 2/110

[4] البخاري، فضائل أصحاب النبي، 9؛ مسلم، فضائل الصحابة،34

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri