تقديم وتمهيد..! طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

عندما لا يحترق القلب شوقاً، والروح عذاباً، والذهن همّاً، فلا تتكلم.. وإلاّ فلن تجد أحداً يصغي إليك.‏

وعندما لا يملأُك الشعور بأنّ دعوتك هي قلب الكون، وروح الوجود، وأنها ميزان العالم، وصمَّام أمنٍ وأمانٍ له، فكيف تواتيك ‏الشجاعة لمواجهة العالم كله؟!

وعندما لا يلتهب في دمك عِرقٌ بطولي عارم يدفعك لتحدي قدرات هي أعظم من قدراتك، وإمكانات هي أعظم من ‏إمكاناتك، فكيف إذن ستخرق المتحديات وتصنع الأعاجيب؟!‏

وعندما لا تشعر بمسؤوليتك في إنقاذ الإيمان مما يحيق به من خطر عظيم في العالم كله، فكيف تريد إذن من هذا العالم أن يفتح ‏أذنيه ليسمعك؟!‏

وعندما لا يصدر كلامك مُحمّلاً بألطاف من الشفقة والرحمة بأولئك المجذومين روحياً ومعنوياً، فإن كلامك معهم لا يزيد ‏عن كونه ثرثرة لا يترك أثراً في أحد.‏

وعندما لا تحسُّ بأنفاس الملائكة تمازج أنفاسك وبرفيف أجنحتها يلاطف وجهك شاهدةً على ما ينطق به لسانك فلن تشُمَّ ‏رائحة الصدق الذي من دونه لا تتفتّح لكلامك قلوب الآخرين وعقولهم.‏

وعندما لا تدفعك مسؤوليات الدعوة لزيادة الإدراك، وفهم توجهات العالم الروحية والفكرية، واكتشاف اللغة التي يمكن من خلالها أن ‏يفهمك فأنت عابث غير جاد، والعابثون من الدعاة يضرون ولا ينفعون ويؤخرون ولا يقدمون.‏

وعندما تصاب الروح بالفتور، وتنخفض درجة حرارة القلب، ويخبو أوارُ الفكر، فأنت متوعك روحياً فعليك أن تصمت، ‏لأن الصمت هنا أبلغ من كل كلام ميت تقوله.‏

وإنْ لم تطرح نفسك التي تضايقك وتعذبك بعيداً خارج نفسك فكيف يطهر كلامك ويتقدس فعلك؟!‏

وإنْ لم تشرق شمس اليقين بالنصر في سماء كيانك فكيف يكون كلامك دافئاً وصوتك قوياً؟!‏

وإنْ لم ترتّب بيتَ نفسك أولاً فكيف تستطيع أن ترتب بيوت نفوس الآخرين؟!‏

وإنْ لم تكن نفسك جميلةً فكيف تستطيع أن تجمَّل نفوس الآخرين؟!‏

‏* *‏

هذه بعض ملامح عامّة يمكن استخلاصها من هذا الكتاب القيم. فمؤلف الكتاب الداعية الكبير الأستاذ الفاضل فتح الله كولن ‏‏-أمدّ الله في عمره- له في مجالات الدعوة إلى الله تعالى معاناة وتجارب وأحداث ووقائع يمكن أن يفيد منـها الدعاة في كل ‏مكان، وله في هذا الشأن مبتكرات وإبداعات أسهمت في بناء صرح إيمانيٍ عظيم على المستويين المادي والمعنوي تكاد تغطي ‏خارطة تركية الحديثة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً. فضلاً عن إنجازات مثلها في أقطار أخرى خارج تركية.‏

وعلينا ونحن نقرأ هذا الكتاب ألاّ نتابع انطلاقات قلم الكاتب وحدها، بل علينا إلى جانب ذلك أن نتابع انطلاقات روحه، ‏فالقلم يومئ ويشير إلى هذه الانطلاقات إلاّ أنه قاصر عن التعبير عنـها. ‏

وخير ما يترجم عن انطلاقات روحه ويفصح عنـها، هذا الصرح الإيماني العظيم بقدميه الراسختين في الأرض، وبقمته التي ‏تكاد تلامس السماء، وعندها نستطيع أن ندرك عظمة الروح وقوة الإرادة عندما يجتمعان في الداعية ماذا يمكن لهما أن يفعلا.‏

والكتاب ـ بعد هذا الذي قلناه عنه ـ كتاب فريد في نوعه، إذْ هو ليس كما قرأنا من كتب في الموضوع نفسه بل يمكن أن ‏نطلق عليه عنواناً آخر، فنقول: إنه كتاب في (فقه المعاناة والألم) من أجل الدعوة، بالإضافة إلى كونه قدحةً تضيء الجوّانيّة ‏العميقة للإنسان وما تطفح به من نازع إيماني فطري عميق، والكتاب يكاد كله يكون عملية تحريكية لهذه الفطرة المدركة، ‏وترجمة رؤاها، والتعبير عن أهدافها ومقاصدها، كما أنه - أي الكتاب - ضدّ الفوضوية الروحية والفكرية التي تعاني منـها ‏الدعوات. وهو يهدف إلى إرساء قواعد أساسية منظمة في (العمل الدعوي) تحول بين الداعية والتفَلّت إلى مجالات أخرى غير ‏ملتزمة وغير منضبطة، وبذلك تحتفظ الدعوات بقواها وتمنعها من الإنفلات والتبدّد في غير فائدة ولا طائل.‏

والأستاذ يرى: كما أن الحياة التي نحياها ونستنشق أنفاسها عملٌ فنيٌّ جماليٌّ خلاّق، أبدعه الخلاّق العظيم، فكذلك ينبغي أن ‏تكون "الدعوة" حياة تحيا بأنفاس الدعاة وتتحرك بداينمية أرواحهم، وعلى قَدْرِ ما يعطونـها من حياتهم، وينفخون فيها من ‏أرواحهم وعقولهم تنمو وتكبر وتتسع، وعلى قدر توجههم إلى الله تعالى والاستمداد من رحمته، والتضرع إليه، والوقوف بذلةٍ ‏ببابه، تتقدّس دعوتـهم وتطهر وتجمل حتى تصبح ذوقاً كلَّهَا، وخُلُقاً كلَّهَا، وأدباً كُلَّها، وتظلُّ بَصْمَتُها بَصْمَةً لا يخطئها أحد ‏بين بصمات الدعوات. ‏

والإيمان عند الأستاذ فتح الله -كما يكشف عنه في هذا الكتاب- طاقة حركية ينبغي أن تتحرك على جميع الجهات، وفي جميع ‏الجوانب، فهي في الوقت الذي ترفع الإنسان إلى سماوات عالية من الإدراكات الروحية، فإنـها في الوقت نفسه تجوب الأرضَ ‏وتتسلَّلُ إلى مفاصلها وشرايينـها لتبعث الحياة في روحها الثقيلة، ودمها المتجمد. فعظمة الإيمان عظمة كوكبية كونية ‏متحركة، إذا وقفت عن الحركة انطفأت وماتت، كأي كونيِّ آخر من كونيات هذا العالم الذي جعل خالقه حياته في حركته.‏

وعظمة الروح وقوة الإرادة اللَّتان تنبعثان من شخصية الأستاذ (فتح الله) تتدفقان منه نحو طلبته كما تتدفق شعاعات الفجر في بقايا ‏من ظلمة الليل. فهو يقاسم طلبته حياتـهم، ويقاسمونه هم حياته، فهو فيهم باعث دراية ويقظة، وهم فيه باعث نظر وتأمل وحُنوٍّ ‏وإشفاق، هو ضميرهم إذا تكلّم أو صمت، وهم ضميره إذا تكلموا أو صمتوا، وهو دموع أحزانـهم وهم دموع أحزانه، وهو ‏قلبهم إذا ترنَّمَ شجىً، وهم قلبه إذا فاض حزناً وأسىً، وإنهم ليرون في أحزان أستاذهم عالماً من القوة الكاسحة التي لا يقف أمامها ‏شيءٌ، وهو يرى في أحزانهم عالماً من قوة إيمانٍ لا يؤدُها شيء ولا تثقلها فادحات الخطوب، وأن يمين الدهر مشلولةٌ دون الوصول ‏إليهم، وإرادة الشرّ على صلابة أصلابـهم ستتكسّرُ.‏

وهم يرون فيه سِرَّاً إلهياً خفياً إن تكشَّف لهم بعضه إلاَّ أن أبعاضه الأخرى لم تتكشّفْ بعد، وربما سيأتي زمانـها ويحين ‏حينـها، لذا فإنـهم يتلقون ما ينفث به وحيّ ضميره، وينبثق عنه فكره، وينفجر عنه فؤاده، بكل الاحترام والتقدير والولاء.‏

ولأنَّهم يرونه قبضة من طينة الحق فإنـهم لن يترددوا لحظةً واحدةً في خوض البحار والقفار من أجل الإيمان الذي كرّسوا ‏حياتهم ووجودهم في خدمته. فما الحياة كما يعلمهم أستاذهم إلاَّ لمحة بين أبدين، ولحظة متحركة تفصل أبد الماضي عن أبد ‏الآتي ما أسهلَ أن يتجاوزها الإيمان دون أن تَمُسَّ هدوءهُ الجوهريَّ في الأعماق.‏

‏* *‏

والأستاذ هنا لا يُعَلِّمُ بَقدْر ما يناجي، إنَّه هنا روحٌ كروح النَّاي يناجي حبَّات القلوب، ويسكب أنينه ونواحه في الأرواح، إن ‏آلام الإسلام في ستة من القرون الماضية قد تجمَّعَتْ كُلُّها في روحه، فذاق حزنـها ولبس شجاها، وغُصَّ بمرارتـها، ولكنَّ هذا ‏الأسى، وهذا الشجوَ ليس أسى يأْسٍ، ولا شجوَ قُنُوطٍ، إنما هو أسىً في ذَوْبٍ من الضياء، وحزنٌ في هالة من الأمل، إنه حزنٌ ‏يعمّقُ قوّة النظر ليرى الأعمق والأبعد، وفي الأعمق والأبعد يكمن الأمل، ويأتي الفرج.‏

وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسولنا الأمين.‏

أديب إبراهيم الدباغ

آخر تحديث ( 2006.09.23 )
 
التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri