ما هي الإرادة الكلية والإرادة الجزئية؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

الإرادة الكلية، هي الإرادة التي تُنسب إلى الله سبحانه و تعالي لدى العوام، ‏ولكن هذا الاصطلاح لم يكن موجوداً في عهد الصحابة والتابعين وتابع ‏التابعين، فهم لم يطلقوا على الإرادة الإلهية، الإرادة الكلية، ولا على إرادة ‏الإنسان الإرادة الجزئية. والظاهر أنه لا بأس كثيراً من وضع اصطلاح كهذا ‏لأجل فهم العوام للمسألة. علماً أن كلامي هذا مفتوح للانتقاد.

وفي الحقيقة أن اصطلاحاً كهذا، نابع عن تعبير طبيعي وتقييم لنتائج ‏الحوادث والوقائع. لذا يمكن أن يعدّ نقطة استناد صائبة.‏

وقد قُصد من الإرادة الكلية التي أطلقت على الإرادة الإلهية هذه المعاني، ‏وهي أن جميع الإرادة تخص الله سبحانه و تعالي. فالإرادة هي اسم لإرادته. ‏فمتى ما أراد هو يخلق ما أراد من دون النظر إلى إرادة غيره. وهنا نريد أن ‏نلفت نظركم إلى ما ذكرناه سابقاً وهو: أن البعض يقولون: "يخلق ما يريد ولا ‏يخلق مالا يريد" وهذا الكلام خطأ. والصحيح: ما شاء الله كان وما لم يشأ لم ‏يكن.‏

فالجبر هو الحاكم في الكون. فعندما خلق سبحانه الكون لم يسأل أحداً ولم ‏يتخذ أية إرادة أساساً فهو: (فعّالٌ لما يُريدُ) (البروج؛ 16) ولكنه منح الإنسان ‏إرادة. هذه الإرادة وسيلة ترقٍ وتدنٍ للإنسان. فمنح هذه الإرادة يتعلق باسم ‏الله "الرحمن الرحيم". أي أنه لطف إلهي بتجلي هذين الاسمين. وإلاّ لو نظرنا ‏إلى الأشياء من زاوية الاسم الأعظم ولفظ الجلالة (الله) فالكون برمته في جبر ‏مطلق. نعم، إن "مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء"، هذه القاعدة ‏سارية المفعول على جميع الموجودات، سوى الإنسان الذي أُعطي له إرادة ‏مجهولة الماهية. فمتى ما صرف إرادته هذه إلى الخير، فالله يخلق الخير، وإذا ما ‏صرفها للشر، فالله سبحانه يخلق الشر إذا شاء. وما ساقنا إلى الجرأة في هذا ‏الحكم إلاّ اعتمادنا على رحمانية ربنا ورحيميته.‏

أي أننا نعتقد متى ما أردنا الخير فالله سبحانه وتعالى يخلقه قطعاً. ولكن الله ‏سبحانه وتعالى بلطفه وكرمه لا يخلق الشر أحياناً عندما يريده الإنسان. فمثلاً ‏شخص يحاول أحدهم أن يضلّه بشتى الوسائل، فيميل إليه، ولكن الله سبحانه ‏لا يريد إضلاله ولا يخلق الضلالة لعلمه بما عمل من حسنة في الماضي أو بما ‏سيعمله من حسنة في المستقبل. حتى أنه سبحانه يوجد مانعاً بحيث يبعده عن ‏تلك السيئة، فيحول بينه وبين السيئة. فهذا عطاء رباني. وحتى الجنة لأنها - من ‏جهة - مرتبطة باستعمال الإنسان لإرادته. فالله سبحانه و تعالي يخلق ما أريد ‏باسم الخير. ويكفي للإنسان ألاّ يرتكب إثماً عظيماً يزيل كل الخيرات فيحرم ‏من استحقاقه الإحسان والعطاء من الله.‏

السؤال التاسع: كيف توضَّح قانون "العطاء" لله سبحانه؟‏

الجواب: العطاء لغةً: اللطف، الإحسان، الهبة، والإعطاء من نفس الكلمة. ‏وجهة العطاء المتعلقة بالقضاء والقدر هي التي تمس موضوعنا. فإذا ما أراد ‏الإنسان الشر فالله سبحانه يقدّره له. إذ التقديرات بحق الإنسان إنما تقدر بأخذ ‏إرادة الإنسان بنظر الاعتبار. فمثلاً: إن كان رفعي ليدي مقدراً قبل رفعي لها. ‏فهو لأن الله سبحانه يعلم أنني سأصرف إرادتي وميلي إلى تلك الجهة. لأن صفة ‏علم الله محيطة بكل شيء ‏‎-‎‏ ما حدث ومالم يحدث ‏‎-‎‏ حتى بذاته الجليلة. لذا ‏فهو يعلم ما سأفعله، وهكذا يقدّر. "إن عبدي فلان سيميل الى رفع يده وأنا ‏سأخلق هذا الرفع". أو "أنا كتبت هذا هكذا" وهذا هو القدر. أي كتابة هذا ‏هكذا هو القدر. أما حين رفعي لليد، فهو القضاء. أي إنفاذ ما قُدّر لي.‏

أما العطاء فيمكننا فهمه بالصورة الآتية:‏

يصرف العبد إرادته وميله نحو الشر. ولكن الله يخصّه بعطاء فيحول بينه ‏وبين الشر لوضع حسن لذاك العبد أو لحمله قلباً زكياً أو لعمله الحسن. وبهذا ‏لا ينفّذ بحقه ما قُدّر له. فالعطاء أثّر في القدر، والقدر أثّر في القضاء. ولكن كل ‏هذا يجري في لوح المحو والإثبات. ولاشيء يتغير قط في العلم الإلهي. فلوح المحو ‏والإثبات - من جهة - دفتر الإنسان الخاص به، يمكن أن يحدث فيه التغيير، ‏ولكن التغيير غير وارد أصلاً في اللوح المحفوظ.‏

والعطاء لطف إلهي. ولا يشترط في اللطف، الاستحقاق والأهلية، فإذا ما ‏نظرنا إلى المسألة من هذه الزاوية نجد أن جميع الحسنات التي نعملها ما هي إلاّ ‏عطاء إلهي.
 
< السابق
Fethullah Gülen Web Siteleri