لِمَ لم يخلق الله تعالى عباده متساوين؟ فقد خلق بعضهم أعمى وآخر أعرج؟ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

1. إن الله مالك الملك يتصرف في ملكه كيف يشاء، لا يتدخل أحد في إجراءاته قط. فالذي خلق ذرات جسمك ونظم ‏تركيب أجزاء جسمك هو الله، والذي وهب لك الإنسانية هو الله أيضاً. إنك لم تعط شيئاً مقابل هذا لتدّعي أن لك حقاً عليه. فلو ‏كنت قد أعطيت شيئاً مقدماً فلربما كان لك الحق في السؤال: لا تعطني عيناً واحدة بل عينين، ولا يداً واحدة بل يدين وأمثالها من ‏الطلب والإعتراض. فأنت لم تعطه شيئاً حتى تسند إليه الظلم (حاشاه). إن الظلم نابع من عدم الإيفاء بحق، فأين حقك عليه الذي ‏لم تستوفه منه، حتى تدّعى وقوع الظلم عليك.

إن الله سبحانه و تعالي أوجدك من العدم، ثم جعلك إنساناً، فلو تدبرت قليلاً فإن دونك كثير جداً جداً من المخلوقات. عند ذلك ‏تجد نفسك قد نلت الكثير من النعم.‏

‏2. إن الله سبحانه قد يأخذ رجل إنسان ولكنه يعوّضه عنها في الآخرة بأشياء كثيرة، إذ يُشعر ذلك الإنسان بأخذه ذلك الجزء ‏منه بعجزه وضعفه وفقره ويحوّل قلبه نحوه. ولئن جعل قلب ذلك الإنسان يشرع بالانشراح والانكشاف فلقد أعطى له الكثير ‏وأخذ منه القليل. فهذا يعني في الحقيقة لطف الله سبحانه بذلك الإنسان وإن كان لا يبدو كذلك. كما يرزق أحدهم الشهادة ‏ويدخله الجنة، ويحظى بالحضور الإلهي، وهي مرتبة يغبطه عليها الصديقون والصالحون، حتى يقول من يراه، يا ليتنا نفوز بالشهادة ‏مثله. فإنسان كهذا الذي نال الشهادة لو قطع إرباً إرباً لما عدّ أنه فقد الكثير، إذ الذي أخذه أكبر بكثير مما أعطاه.‏

ونادر جداً أن ينحرف بعض الذين فقدوا بعض أجزائهم إلى الشعور بالنقص والاعتراض والسخط والتشاؤم، فالكثيرون منهم ‏أصبحت هذه النقائص وسيلة لدفعهم إلى التوجه إلى الله.. فالأصل في المسألة تنبيه روح الشوق إلى الآخرة في الناس الذين هم مخلوقون ‏أصلاً لها.‏

فإن هذه العوارض تدفع صاحبها إلى الله. والآخرون يتعظون بها وتورثهم الثقة والاطمئنان بالله وعندها يحصل المقصود المتسم ‏بالحكمة.‏

إن الإنسان والحيوان والنبات وجميع الموجودات لا تظهر إلى الوجود إلاّ بقدرة نافذة فيها. فتوفى مهمتها بعرض نفسها كالمرايا ‏لتلك القدرة، ثم تنسحب من مسرح الوجود ليحل غيرها محلها.‏

وجميع المواليد وجميع الوفيات في هذا العالم إنما هي مواضع لإجراء الامتحان. فكما أن وجود أي شيء كان دليل على موجدٍ ‏وراء الستار، كذلك وفاة كل شيء وانتهاء وظيفته دليل على أبدية ذلك الموجد الذي وراء الستار الذي لا أول له ولا آخر. فكما ‏أننا والموجودات كلها ظهرنا إلى الوجود من العدم ومن لاشيء. وندل بوجودنا على وجود موجد، وببصرنا وسمعنا وعلمنا على ‏واحد بصير سميع عليم. كذلك بتركنا - عند الوفاة - كل ما حملناه أمانةً على اِمتداد الحياة ندل على "الواحد الفرد". فـ(الّذِي ‏خَلَقَ الموتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُم أيّكُمْ أحْسَنُ عَملاً) (الملك:2).‏

إن أهم شيء بالنسبة للإنسان إدراكه سر المجيء إلى الدنيا واجتيازه امتحان الوجود، والتهيؤ إلى الرحيل. ‏

والآن بعد هذا التمهيد نتناول موضوع: هل آجال الذين يتوفون في آن واحد قد أتاهم معاً؟

نعم، إن أجل جميعهم قد أتاهم معاً. وليس هناك مانع قط في خلاف هذا الأمر. فكما أن الله سبحانه و تعالي القابض على ‏الوجود كله يوجد كل شيء وكل الناس معاً وفق قدره بدءاً من الذرات إلى المجرات فإنه قادر على أن يميتهم كلهم معاً. وإن ‏وجودهم في أماكن متعددة وبالكيفيات المتنوعة واتصافهم بالأوصاف المختلفة لا يُشكّل مانعاً من ذلك.‏

لاشك أن إيراد مثال، يعكس تماماً القدرة المطلقة صعب جداً. ولكن يمكن إعطاء أمثلة كثيرة من الأشياء التي يمكن أن تكون ‏مرايا لتلك القدرة فتنور الفكر.‏

فمثلاً: إن الموجودات المختلفة في الأوصاف والكيفيات المتوجهة للشمس، تمضي حياتها متوجهة إليها دون أن تسبب ما يكدر ‏الحياة، فتأخذ أجمل الحالات تحت ضيائها متحولة من لون إلى آخر، وتنمو وتترعرع بشروقها وغروبها. ثم تنطفئ وترحل. كذلك ‏الحال في كل شيء يتلقح في الربيع وينتشر في الصيف، ويزداد نمواً ثم يصفر في الخريف ويذبل، ولكن لكلٍ قدرُه. فكلها يظهر ‏وجوده حسب الطريق الذي يخططه له العلم المطلق ووفق خططه وتصاميمه وبتوجيه الإرادة المطلقة والمشيئة المطلقة، لا كيفما اتفق ‏ولا بحسب رغبة الموجود، بل حسب ما تريده تلك المشيئة والإرادة (ويَعْلَمُ مَا فِي البَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلاّ يَعْلَمُهَا ‏وَلاَحَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابسٍ إلاّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) (الأنعام: 59).‏

فلئن كانت حياة الأشجار والأعشاب والبذور والنوى وموتها ونموها وثمراتها تراقب مراقبة جادة إلى هذه الدرجة، فهل يمكن أن ‏يُترك الإنسان سدىً وهو أكمل الموجودات؟ إن مالك الملك الذي لا يشغله سمعٌ عن سمع ولا رؤية عن رؤية لاشك أنه يهتم ‏بالإنسان الذي هو أعز مخلوق وأبدع صنعة لديه سبحانه، وينعم على كل فرد منه ما ينعم على نوع المخلوقات الأخرى وجنسها. ‏ويرعى الإنسان الذي هو فهرس العوالم بشكل خاص. ويتفضل عليه من أفضاله وإحساناته الخاصة ما يتفضل، وسيشرّفه بحضوره ‏بسَوقه الخاص.‏

هذه الدعوة والسَوق الإلهي قد يكون أحياناً على فراش وأحياناً في ساحة الحرب وأحياناً بآفة ومصيبة. حتى قد تكون فرادى ‏وأحياناً مجتمعة. فهذه الأمور لا تؤثر في النتيجة من حيث زاوية نظر الخالق إلى الإنسان. إن العليم القدير المطلق العلم والقدرة، ‏والقابض على أنفاس كل كائن حي وزمام كل إنسان ويرسله متى شاء.. هذا القدير العليم، قبضُه للأرواح وفق ما كتب عنده ‏سواء كان فرداً معيناً أو جماعة أمر منطقي ومعقول جداً. ولعلنا تطرقنا إلى هذا من قبل وقلنا إن هذا شبيه بموعد تسريح فوج من ‏الجيش بأمر من القائد العام، ذلك الموعد الذي كان محدداً مسبقاً.‏

فضلاً عن ذلك فإن هناك ملائكة كثيرين جداً مكلفون بقبض الأرواح يمكنهم أن يقبضوا الأرواح في آن واحد في الأماكن التي ‏انتشرت فيها الآفات، بتقدير وإشراف مالكهم الكريم سبحانه بل ربما هناك عدد من الملائكة يمكنهم أن يقابلوا كل شخص متوفى ‏ويستقبلوه وفق ما بين أيديهم من الكتاب.‏

في مثل هذه الآفات والمصائب، - إذا ما لوحظ بدقة ‏‎-‎‏ لا يمكن للإنسان ألاّ يشاهد التقدير المسبق ومجيء أجل المتوفين معاً. ‏وربما نحتاج إلى مجلدات لتسجيل جميع الحوادث الخارقة والعجيبة في هذا الشأن. فضلاً عن أن المسجَّل منها والمكتوب كثير إلى حد ‏يتجاوز المجلدات. فلا يغادر يوم إلاّ ونطّلع في المطبوعات على بضع من هذه الحوادث الخارقة.‏

مثلاً: أن الزلزال الرهيب الذي يجعل عالي المدن سافلها، في الوقت الذي لا يمكن إنقاذ أُلوف من الناس رغم ما يُبذل من جهود ‏مضنية، إذا بمئات من الأطفال العاجزين حتى عن الحفاظ على أنفسهم، يعثر عليهم تحت الأرض وهم في راحة دون أن يمسهم أي ‏ضرر. أو تدحرج عربة إلى قناة الماء ويتوفى جميع من فيها من العمال، وإذا بمسافات بعيدة عن الحادث يعثر على طفل في القماط ‏فوق الماء لم يصبه أي أذى. وكذا في حادثة سقوط طائرة يحترق كل من فيها بما فيها الملاحون الماهرون جداً، وعلى بُعد مئتي متر ‏من الحادث يُعثر على طفل محبوب لم يصبه أذى.. وأمثالها من الحوادث تثبت أن الحياة والموت ليس حبلهما على غاربهما، بل ‏يحدثان بتدبير مَن هو عليم بصير مدبر.‏

إن كل مخلوق يأتي إلى الحياة فرداً فرداً أو مجموعة مجموعة بعد أن ينهوا أعمالهم التي كُلّفوا بها والمسجلة في سجل أعمالهم ‏الأساس وذلك بمجيء آجالهم، وبعد أن أدّوا مهام فطرتهم وفهم دقائقها وأسرارها وكشفوا عما وراء الطبيعة من خفايا وأصبحوا ‏مرايا لتجليات من أرسَلنا جميعاً وهو الله سبحانه.. أقول بعد أن أكملوا عمرهم يسرّحون فرداً فرداً أو مجموعة مجموعة.‏

إن هذا العلم بإتيان المخلوقات ثم تسريحهم من أعمالهم، أي إنهاء وظائفهم وإتيان آجالهم في آن واحد أمر هين جداً على الله ‏العليم بكل شيء من بدايته إلى ختامه، فضلاً عن أننا نعلم أن الذي يعلم الجهر وأخفى له عدد غفير من الملائكة حول كل إنسان ‏وعدد كثير من الملائكة لقبض الأرواح.‏

وربما يرد هنا اعتراض على هذه الصورة:‏

إن في مثل هذه المصائب يذهب كثير من الأبرياء بجنب الذين يستحقون البلاء فهل توضحون الأمر لنا؟

فنبادر إلى القول: إن هذا السؤال نابع من خطأ في العقيدة والتصور الإيماني. إذ لو كانت الحياة مجرد هذه الحياة الدنيوية ولا ‏توجد آخرة وليس للإنسان إلاّ هذه الدنيا. ربما كان لهذا الاعتراض ما يبرره بوجود وجه صواب فيه. بينما هذه الدنيا للإنسان ‏ليست إلاّ مزرعة، وساحة عمل، وصالون انتظار، أما الآخرة فهي البيدر وموضع الحصاد وأخذ الثمرات ومكان لبلوغ السعادات ‏والنجاة من إزعاجات الدنيا. ولهذا فلا غرابة قطعاً في موت الطيب والخبيث والبريء والمجرم معاً. بل إن جريان الأمر هكذا هو ‏الموافق للعقل والمنطق. لأن كل إنسان سينال في البعث وجوداً جديداً حسب نياته وأطواره ويعامل وفقهما. فإما حياة سعيدة ‏خالدة أو شقاء دائم.‏

حاصل الكلام:‏

إن الموت والأجل عبارة عن انتهاء مدة البقاء والعمل في هذه الدنيا. فمثل هذه المدة ما هي إلاّ ما أعدّه البصير العليم من خطة ‏مرسومة مسبقاً ومسجلة في السجلات الأساسية، وتنفذ في الوقت المحدد بأمره سبحانه أيضاً. ولا فرق منطقياً في هذا إن كان فرداً ‏أو مجموعة.‏

وأعتقد أن السبب الأول للانحراف - كما هو هنا وفي كثير من المسائل - هو الجهل بالعلم الإلهي المطلق وبقدرته غير المحدودة. ‏وسبب آخر أيضاً هو الخطأ في زاوية النظر إلى الأشياء والحوادث. فإن لم نتمكن من الانسلاخ من مفاهيم الطبيعة والمصادفة، ولم ‏نرقَ وجداناً إلى التجرد، فإن باطننا سيمتلئ بالمفاهيم الزائفة ويغدو ميداناً لصراع الوساوس الشيطانية، في أثناء مواجهتنا للأحداث ‏الجارية. وفضلاً عن ضعف عالمنا الروحي، وعدم تغذيته الغذاء اللازم، يُجرّع كؤوس الشبهات التي لا سند لها يومياً، وتلك مصيبة ‏رهيبة جداً لا تؤدي إلى انحراف النسل الآتي فحسب بل حتى حفاظهم على استقامتهم حالياً أمر عجيب.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri