القضاء والقدر من حيث المشيئة الإلهية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23
فهرست الصفحات
القضاء والقدر من حيث المشيئة الإلهية
ثانياً: المشيئة الإلهية في الأحاديث الشريفة
ثالثاً: مسألة الأمر الجبري والأمر الشرعي

أولاً: المشيئة الإلهية في الآيات الكريمة:

إن كلمة شاء، يشاء، مشيئة، تعني الإرادة وهي من الكلمات الواردة في القرآن الكريم بكثرة. وعلاقة المشيئة الإلهية بالقدر تضفي على القدر بعداً آخر.

إن المشيئة الإلهية هي الأصل في وقوع الحوادث وظهور الأشياء، فالقرآن الكريم يذكّرنا بهذه الحقيقة في كثير من آياته الكريمة، سنذكر قسماً منها:

آ- (وَلا تقُولَنَّ لِشَيء إنّي فَاعلٌ ذَلِكَ غَداً # إلاّ أنْ يَشَاءَ الله واذْكُر رَبَّكَ إذا نَسِيتَ وَقُل عَسى أن يَهدِيَنِ رَبي ِلأقْرَبَ مِنْ هَذا رَشَداً) (الكهف: 23-24) بمعنى عندما تعزم على شيء لتفعله، عليك أن تتخذ المشيئة الإلهية أساساً له وتربطه بإرادته سبحانه. وفي الحقيقة إنك لا يمكن أن تقوم بشيء ما لم يشأ هو سبحانه. وعلى الإنسان ألاّ يغيب هذا عن باله عندما ينوي الشروع بأي عمل من أعماله.

ولمناسبة هذه الآية الكريمة يعلّمنا الرسول الكريم صل الله عليه و سلم الحادثة الآتية:

عن أبي هريرة سبحانه و تعالي قال: (قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ عَلَيْهِمَا السَّلام: لاطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ بِمِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلُّ امْرَأَةٍ غُلامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ. فَقَالَ لَهُ الْمَلَك:ُ قُلْ إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ وَنَسِيَ فَأَطَافَ بِهِنَّ وَلَمْ تَلِدْ مِنْهُنَّ إِلا امْرَأَةٌ نِصْفَ إِنْسَانٍ. قَالَ النَّبِيُّ صل الله عليه و سلم :لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يَحْنَثْ وَكَانَ أَرْجَى لِحَاجَتِهِ.)[1]

نعم، إن على الإنسان أن يعتقد جازماً أنه ليس بمقدور أحد فعل شيء ما لم يشأه سبحانه. فالإنسان الخبير بالبعد اللدني للأشياء - أي الظاهرة والباطنة - والقادر على الإنصات إلى عالمه الداخلي، يعتقد بهذه الحقيقة، وعليه أن يعتقد بها، بما لا يمكن أن يرد خلافها إلى خلده ولو بمقدار ذرة.

إننا عندما ننظر إلى الأشياء والحوادث وعلاقتنا بها ندرك ونرى بيقين، أننا لا نستطيع حمل قشة صغيرة ما لم يشأ الله سبحانه ذلك. بل يحدث بعض الأحيان أننا بعد أن نهيئ المقدمات جميعها ونفكر بالمسألة بأوجهها كافة، ونخطط وفق ذلك حتى نعتقد أننا استكملنا الشروط كافة، وإذا بنا نشاهد أن الأمر قد انقلب على عقبيه باحتمال لا يخطر على بال. بمعنى أن لو كانت الاحتمالات محسوباً حسابها جميعاً ولكن المشيئة الإلهية لم تتعلق بها، أي إن لم يشأ سبحانه تحقق ذلك الشيء بالشكل الذي نريده، لا يتحقق قطعاً حتى لو استكملت الشروط الظاهرة. وهكذا تذهب خططنا أدراج الرياح. فالآية الكريمة تعلّمنا ذلك: (وَمَا تَشَاؤُونَ إلاّ أنْ يَشَاءَ الله) (الإنسان: 30) أي إن إرادته سبحانه نافذة حتى لو بذلتم كل البذل وأردتم بكل إرادتكم، فكلّ ذلك لا يعني شيئاً إن لم يرده هو سبحانه، فالجهود تذهب هباء، إن لم تتعلق الإرادة الإلهية بذلك الشيء. ولكن كثيراً ما يلطف بنا سبحانه فيقبل الأسباب - التي هي عاداته - وإرادة الإنسان بمثابة دعاء. وهكذا المشيئة الإلهية تتعلق بكل شيء وبكل أجزاء الحوادث، فهي مندمجة معها اندماجاً كلياً.

فالمشيئة الإلهية تظهر نفسها في جميع جهات الحياة وفي كل صفحة من صفحات حياة الإنسان كما تعبّر عنها الآية الكريمة الآتية:

ب- (تِلكَ الرُّسُل فَضّلنَا بَعضَهُم على بعض مِنهُم مَنْ كلَّمَ الله وَرَفَعَ بعضَهُم درَجاتٍ وَآتينَا عيسى ابنَ مَريَم البَيّناتِ وأيّدنَاه بروُحِ القُدُسِ ولو شَاءَ الله ما اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِم مِنَ بعدِ ما جَاءَتهمُ البيناتُ ولكنِ اِخْتَلَفُوا فمِنْهُم مَنْ آمَنَ ومِنهُم مَن كفَرَ وَلَو شَاءَ الله مَا اقْتَتَلُوا وَلكنَ الله يفعَلُ مَا يُريدُ)(البقرة: 253).

فلولا مشيئة الله إذن لما قدرتم على القيام بعمل شيء مهما كان. فمثلاً لو شاء الله ما تقاتلتم. ولكن لأنكم تتقاتلون فان أعمالكم الإيجابية أو السلبية سواءً أكانت لكم أو عليكم مرتبطة بمشيئته سبحانه كلياً. فما شاء الله كان ولا يُسأل سبحانه عمّا فعل ويفعل ولا يستشير أحداً في ما فعل ويفعل. فالحديث الشريف الآتي قاعدة مقررة: (ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن)[2]. فما شاء الله كان، ويجد الوجود، وما لم يشأ، أي ما شاء ألاّ يكون، لا يكون.

وهنا أمر ملفت للنظر وهو: تعلق مشيئته سبحانه بالعدم. ولهذا فما شاء الله كان، وما يشأ ألاَّ يكون لا يكون. نعم إن المشيئة الإلهية تتعلق بالوجود والعدم. وإلاّ ليس الأمر كما يقوله البعض: إن المشيئة الإلهية إذا تعلقت بشيء يكون وإن لم تتعلق لا يكون، فهذا الأمر خطأ في الفهم. فليس هناك عدم تعلق المشيئة الإلهية بشيء إطلاقاً. لأن العدم كالوجود وفي قبضة مشيئته سبحانه.

فلو استوعب المعتزلة والجبرية فحوى الحديث المذكور وما فيه من معانٍ دقيقة لما وقعوا في الورطات التي وقعوا فيها. حيث إن الرسول الكريم صل الله عليه و سلم يوضح الأمرين معاً بـ"الكينونة".

والمشيئة أيضاً هي الفاصلة في مسألة الإيمان والهداية. فالذين ينظرون إلى هذه المسألة من هذه الزاوية يقولون: إن الإيمان نور يقذفه الله تعالى في قلب من يشاء من عباده، بعد صرف الجزء الاختياري. بمعنى أنت تسعى وتبذل الجهد والله سبحانه يخلقه. نعم، إن ذلك النور لا يمكنك أن تشعله في نفسك ولا تستطيع أن تديمه الى الأبد، فذلك النور ليس إلاّ الله يشعله إذا شاء ويضيئه في قلبك إذا أراد. والدليل على ذلك:

ج- (ولَو شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً أ فَأنتَ تُكرهُ الناسَ حَتَّى يكُونُوا مُؤْمِنِينَ) (يونس: 99) أي لو شاء الذي رباك وأبلغك الكمال وهو الحاكم على كل شيء، لهدى الناس كلهم. وهناك آية أخرى في هذا الباب:

د- (وإنْ كانَ كبُرَ عَليكَ إعْرَاضُهم فإن استَطَعتَ أن تَبتَغي نَفَقَاً فِي الأرضِ أو سُلّماً في السّمَاءِ فتَأتيهم بآيةٍ وَلَو شَاءَ الله لَجَمَعَهُم علَى الهُدَى فلاَ تَكُونَنّ منَ الجاهِلينَ) (الأنعام: 35) إن هذا التنبيه الإلهي لشخص الرسول صل الله عليه و سلم إنما هو تنبيه تجاه جميع الانحرافات التي في مسألة القدر. نعم لو شاء ربك لهداهم جميعاً، ولسجد الناس كلهم. فكان الناس كلهم ذوي وجدان منور ويحظون بالعبودية الخالصة لله ويكونون مكرمين بالإيمان والإسلام. ولكن مشيئة الله غير هذا. فلم تتعلق بهذا النمط من الهداية ولهذا لم يحدث هذا.

هـ- (واَنـزلْنَا اِلَيْكَ الكِتَابَ بِالْحَقّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيهِ مَِِن الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أنـزلَ اللهُ ولا تَتَّبعْ أهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ الله لَجَعَلَكُمْ أُمّةً وَاحِدةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا اتيكُم فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ إلى اللهِ مَرْجِعُكُم جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُم بمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) (المائدة: 48).

نعم لو شاء ربنا لجعل الناس كلهم أمة واحدة. ولكن المشيئة الإلهية أرادت أن تكون أمماً عديدة متميزة. ولهذا ظهرت الأمم هكذا متمايزة بعضها عن البعض، للابتلاء والامتحان.

أما حاكمية الدول ودوامها وتعاقب الحكام في هذه الدول ما هي إلاّ بمشيئة الله، والآية الكريمة التي توضح هذه هي:

و- (اِنْ يَمْسَسْكُم قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلهُ وَتِلْكَ الأيّامُ نُدَاوِلُهُا بَينَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ الله الَّذِينَ اَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللهُ لاَ يُحِبُّ الظَالِمِينَ) (آل عمران: 140) فالآية الكريمة تعبّر عن المشيئة الإلهية رغم أن الكلمة لا ترد فيها صراحة لأن: (وتلك الأيام نداولها) تبين بوضوح أن تبدل أحوال الناس ومواقفهم وأطوارهم هي بأمر إلهي وفي قبضته سبحانه. فالأيام تتداول وتتعاقب بيده بكل سهولة. ولكن يا ترى ونحن نذكر جميع هذه الأمور فهل يعني هذا نفيٌ للإرادة الإنسانية؟ الجواب: كلا. ولكن لا نتطرق حالياًَ إلى ذلك الموضوع. لأننا نبحث هنا في الايات المتعلقة بالمشيئة الإلهية. وهناك آية أخرى:

ز- (إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُم اَيُّهَا النَّاسُ وَيَأتِ بآخَرِينَ وَكَانَ الله عَلى ذَلِكَ قَدِيراً) (النساء: 133) نعم، إن الله سبحانه و تعالي لقادر على أن يُذهبكم ويأتي بآخرين بدلاً منكم؛ فكما أذهب الصحابة الكرام ثم الأمويين ثم العباسيين ثم السلاجقة ثم أتى بالعثمانيين، فأذهبهم أيضاً، فأصبحت الأمانة الكبرى، الميراث المقدس، تنتظر المؤتمنين الجدد ترى مَنْ من هؤلاء لهم اليد الطولى في هذا الأمر؟ وكم هي حصة العقل والدهاء في هذا الميدان؟ وكم مَن حاول منهم أن يحول دون السقوط والانعدام؟ فالقانون الإلهي الذي لايتبدل هو مدى رعايتهم للشروط العادية - الأسباب - التي وضعتها المشيئة الإلهية، إذ رعايتهم لها على جانب عظيم من الأهمية في البقاء والوجود وتحمّل أعباء الدين والذود عنه. ويمكن أن نورد أمثلة كثيرة من التاريخ حول صعود الأمم وسقوطها. ولكن لا نتطرق إليها لئلا نخلّ بحدود مسألتنا التي نحن بصددها.

نعم، إن أعظم قضية على سطح الأرض هي الحفاظ على الدين، لأن الدين هو الذي بيّن غاية الحياة ونتيجتها، وهو أيضاً وضع أفضل الأسس وأعدل الموازين في العلاقات بين الناس. فالحفاظ على هذه العلاقات هي ضمان لأفضل وأكمل حياة للناس وليس فقط لوجودهم. بينما دفع الناس إلى تذويب ماهيتهم الحقيقية والفطرية وإبعادهم عن شخصيتهم الذاتية وصهرهم في أنظمة أجنبية وثقافات غريبة عليهم يجعلهم محرومين من طاقاتهم الذاتية ويسوقهم إلى الاستجداء على أبواب الآخرين. علماً أن منبع جميع الفضائل والحسنات هو الدين. فمهما ابتعد الإنسان عن الدين فإنه يستشعر دوماً في باطنه بالفراغ الذي يتركه الدين. وأيّما أمة ابتعدت عن الدين وأعرضت عنه انهدم بنيانها المعنوي والمادي وأصبح عاليها سافلها. إن الدولة الكافرة ربما تملك اقتصاداً قوياً، ولكن لا يمكن أن تجد الأمم المتدينة التي أعرضت عن الدين مثل ذلك الاقتصاد. ذلك لأنهم لم يراعوا قسماً من الأسباب التي وضعتها المشيئة الإلهية كشرط أول لحياتهم. فالآية الآتية توضح هذه النقطة:

ح- (يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمنوا مَنْ يَرتَدّ مِنكُم عَن دِينِه فَسَوفَ يَأتِي اللهُ بقَومٍ يُحِبُّهُم وَيُحِبُونَهُ أذِِلَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنينَ أعِزَّةٍ عَلى الكَافِرينَ يُجَاهِدُونَ في سَبيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ واللهُ واسِعٌ عَلِيم) (المائدة: 54).

فكلمة "يرتد، إرتد" تعني الرجوع إلى الخلف، أي الرجوع عن الدين، فالقرآن يخاطب كل مؤمن بهذه الكلمة بما تتحمله من معاني: الإرتداد عن العقيدة، الإرتداد عن العمل، حتى الإرتداد عن التصور والإرتداد عن التفكر.. وهكذا هناك معان أخرى كثيرة.

فالفرد - أو الجماعة - الذي بلغ مستوى معيناً في حياته الدينية وأصبح جزءاً لا يتجزأ من الدعوة إلى الله، عندما يجد نفسه أمام هذه الآية الكريمة يستشعر بأنها تهدده بالرجوع إلى الحالة السابقة - أي قبل الإيمان - لأن المراحل التي كسبها الفرد - أو الجماعة - هي لطف إلهي فحسب. فلو أرخى الفرد - أو الجماعة - عنان المثابرة على العمل ولم يتمكن من المحافظة على الحيلولة دون التقهقر المعنوي، فسوف يسلب الله سبحانه منه هذه الدعوة ويسلمها الى شخص آخر أو جماعة أخرى.

وكذا الدولة إن كانَت قَد جعلت روح الحياة هو الدين وتمتثل هذا الأمر، فالأمة بكاملها تكون المعنية بالآية الكريمة، والتهديد موجّه إليهم جميعاً. إذ الأمة التي أعزّها الله باتخاذها الدين حياة لها، لو سحبت يدها عما أعزها الله به ستتردى رأساً على عقب بلا ريب ويعزّ الله أمة أخرى.

ويُلاحظ في كلمة "بقومٍ" تنوين التنكير، أي ايّ قوم كان، وربما هم مجهولون لدى الناس ولا يخطرون على بال أحد. ولا يُعلم متى يظهرون وبأي ظروف يأتون. إلاّ أن أوصافهم معينة، إذن فسيتسابق كل قوم ليكون هو القوم الذي أثنى عليه الله. فكما لا يمكن ان يدّعي قوم من الأقوام أننا المعنيون بالآية، لا ييأس أي قوم كان عن الاتصاف بتلك الأوصاف.

وأوصاف ذلك القوم هي الآتية:

الصفة الأولى: (يحبّهم) الله. حيث يضع سبحانه في قلوب الناس حسن الظن بهم. عن أبي هريرة سبحانه و تعالي عن النبي صل الله عليه و سلم قال: (إِذَا أَحَبَّ اللهُ الْعَبْدَ نَادَى جِبْرِيلَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحْبِبْهُ فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ فُلانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ)[3]. وعندها يرقب الجميعُ عيونَهم، ويؤثر فيهم كلامهم، بل كل ما يقترحونه يُتلقى أمراً، وحالما يأمرون ينفذ فوراً ويستقر في القلوب والوجدان.

الصفة الثانية: (يحبونه) لا جرم أن قياس محبة الله لهم وعلامتها هي حبّهم الله. فمن كان يحب الله وبأي نسبة كانت فهو محبوب عند الله بنفس النسبة. أي انهم عشاق الله.

الصفة الثالثة: (أذلة على المؤمنين) أي يرون المؤمنين جميعاً أرقى منهم ولا يترددون أن يضعوا رؤوسهم تحت أقدام المؤمنين. وكلما تواضعوا لله هكذا رفعهم الله.

الصفة الرابعة: (أعزة على الكافرين) فلا يخضعون لهم ولا ينحنون أمامهم، بل هم في جهاد ونضال معهم دائماً. وبقدر تواضعهم للمؤمنين أعزاء على الكافرين.

الصفة الخامسة: (يجاهدون في سبيل الله) في كل زمان ومكان وحسب ظروف ذلك الزمان والمكان. إذ الجملة فعلية تدل على التجدد، أي أنهم يتحركون ببصيرة وفراسة.

الصفة السادسة: (لا يخافون في الله لومة لائم) إذ لا يخافون إلاّ الله، فلا يحسبون لكلام الآخرين حساباً، ولا يبالون به، حيث لا يفكرون إلاّ بأمر الله ورضاه.

وهكذا فهذه الصفات هي التي تتصف بها الجماعة المثالية. فمن اتصف بها منحه الله سبحانه الأمانة المقدسة، وهذا قانون إلهي لم يتبدل ولن يتبدل.

فان اتصف بها العرب فهم الذين يحملون الأمانة، وإن اتصف بها الترك تعطى لهم الأمانة وكذا الكرد والبوشناق والألبان.. فأيّمَا قوم اتصفوا بها فهم الحقيقون بالأمانة.

وهناك آية أخرى تضم قواعد وأسساً عامة وشاملة:

ط- (قُلِ اللّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنـزعُ الْمُلْكَ مِمَنْ تَشَاءُ وتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيرُ إنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:26)

نعم، إن أيَّ أمة ليس لها من يمثلها محكوم عليها بالتشتت، وإن لم يربط الملوك قلوبهم بمالكهم الحق وهو الله سبحانه، فتلك الأمة لاتستوي على ساقها ولن تقف منتصبة على قدميها مدة طويلة.

وكأنما يبدو هنا ذل بعدم إظهار الإرادة من جهة، وكأن البقاء ليس إلاّ بالإرادة من جهة أخرى. فالإرادة التي تظهر وتبرز ستكون علامة حاكميتنا وشارتها، والمحافظة عليها يكون بالالتجاء إلى الله سبحانه في كل فعل. وهكذا وجدان هذه الموازنة مرتبط بالإدراك التام للقدر والإرادة "الجزئية" ولاسيما المشيئة الإلهية التي أسميناها البعد الثالث للقدر.

لقد شاهدنا وأدركنا في الآيات الكريمة المذكورة: أن المشيئة الإلهية قد أحاطت بالحياة كلها دقّها وجلّها فمشيئته سبحانه قد أحاطت بكل شيء. بل حتى العدم عبارة عن تجلي المشيئة في تلك الجهة. فهو سبحانه (فَعّالٌ لما يُريدُ)(هود: 107) (البروج: 16) فلا يمكن ان يحصل شيء دون إرادته جل وعلا.

علماً أن المشيئة الإلهية قد تتجلى رحمةً وأخرى عذاباً. كلٌ في حينه. والآيات الكريمة الآتية تبين لنا هذا الأمر:

ي- (رَبُّكُمْ أعْلَمُ بِكُم إنْ يَشَأ يَرحَمْكُم أو إنْ يَشَأ يُعَذِّبْكُم وَمَا أرسَلنَاكَ عَلَيهِم وَكِيلاً) (الإسراء: 54)

(لَقَدْ خَلَقنَا الإنسان وَنَعلَمُ مَا تُوَسْوسُ بهِ نَفسُهُ وَنَحْنُ أقْرَبُ إليهِ من حَبلِ الوَريدِ) (ق: 16)

(للهِ مَا في السَّمواتِ ومَا فِي الأرضِ وإنْ تُبْدُوا مَا في أنْفُسِكُم أو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بهِ الله فَيَغْفِرُ لِمَنْ يشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة: 284)

نعم، إن الأنبياء ما فتئوا يترنمون بالمشيئة الإلهية. والقرآن الكريم يشهد على هذا الترنم:

ك- (قُلْ لاَ أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَراً إلاّ مَا شَاءَ الله وَلَو كُنْتُ أعلَمُ الغَيْبَ لاستَكثَرتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِي السُوءُ إنْ أنَا إلاّ نَذِيرٌ وبَشيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) (الأعراف: 188)

بمعنى أن المشيئة الإلهية هي الأساس في كل شيء حتى أنني لا أملك نفعاً ولا ضراً لنفسي فكيف بالآخرين، إلاّ ما شاء الله.

والرسول الكريم صل الله عليه و سلم قد استسلم إلى المشيئة الإلهية استسلاما تاماً حتى أنه قال: (سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا فَإِنَّهُ لا يُدْخِلُ أَحَدًا الْجَنَّةَ عَمَلُهُ قَالُوا وَلا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ وَلا أَنَا إِلاّ أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِمَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ)[4].

فهذا هو ميزان الرسول الكريم صل الله عليه و سلم أمام المشيئة الإلهية وهكذا يعلّمنا إياه. وكل شخص عليه أن يزن نفسه وعمله بهذا الميزان.

نعم، إن كان الرسول صل الله عليه و سلم بهذا الوضع أمام المشيئة الإلهية، فكيف بالآخرين؟ نعم بهذا الاستسلام وبهذا الإدراك يرتفع الإنسان إلى أعلى عليين.. ويجول رأسه في آفاق السماء. ونحن نوصي الذين يرددون دوماً: لقد عملنا من الصالحات الشيء الكثير فان لم ندخل الجنة فمن سيدخلها غيرنا.. وأمثالها من العبارات الدالة على الغرور والكبر، نوصيهم أن يتخذوا الحديث الشريف المذكور وطور الرسول العظيم صل الله عليه و سلم وهو النبي العظيم أمام المشيئة الإلهية، مثالاً ونموذجاً لهم. بمعنى أن الاستسلام للمشيئة الإلهية ينجي الإنسان من الكبر والغرور أيضاً. فالمؤمن إذن مضطر إلى قبول المشيئة أساساً في كل عمله. لأن المشيئة الإلهية قد أحاطت بكل شيء ظاهراً وباطناً، فلا شيء خارجها قط.

لاشك أن إدراك المشيئة الإلهية بمقاييسها المطلوبة يحتاج إلى مستوى معين من العلم. ومن الصعوبة بمكان لمن لم يبلغ هذا المستوى أن يفهم المشيئة الإلهية حق فهمها، بل حتى يكون ذلك محالاً. أليست هذه المسألة هي إحدى المسائل التي لم يدركها حق الإدراك المجتمعات التي أُرسل إليها الأنبياء جميعاً، فأعرضوا عنهم؟

والقرآن الكريم يوضح في مئات من الآيات الكريمة "المشيئة" بوجوهها المتنوعة مورداً الأمثلة من الأنبياء وأقوامهم. فهذه المسألة "المشيئة" ترد في القرآن الكريم بأبعاد كثيرة إعتقادية، تصورية، عملية وغيرها.

وسيدنا نوح عليه السلام مثال بيّن في هذه المسألة، إذ يبين القرآن الكريم الذين عارضوا سيدنا نوح عليه السلام وهوّنوا من تهديداته. فتقول الآية الكريمة:

ل- (قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقينَ) (هود: 32) وأجابهم سيدنا نوح بالآتي:

(قَالَ اِنَّمَا يَأتِيكُم بِهِ الله إنْ شَاءَ وَمَا أنْتُم بِمُعْجِزينَ وَلاَ يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي اِنْ أرَدْتُ اَنْ اَنْصَحَ لَكُمْ اِنْ كَانَ الله يُرِيدُ اَنْ يُغْويَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإلَيهِ تُرْجَعُونَ) (هود: 34،33).

وهكذا يشير سيدنا نوح عليه السلام في جوابه هذا إلى حقيقة: أن الإرادة الإلهية هي فوق جميع الأمور. فكأنه يريد أن يقول لقومه: إنني لست أنا المنـزل بذلك العذاب عليكم، فلو كنت أستطيع أن أعذّب أحداً لما كان أحدٌ يجرأ على الاعتراض عليّ ولذهب سر الامتحان أدراج الرياح، بينما أنتم باستخدامكم ما وُهب لكم ربكم من إرادة جزئية فإما تستسلمون أو تعرضون عنه. ولكن لو أراد الله أن يغويكم بسر الامتحان فإن كلامي لا ينفعكم حتى لو كان من جواهر ثمينة - وفعلاً كلام الأنبياء أغلى من الجواهر - لأن مشيئته أعلى وأسمى من أي تقدير وتكليف. فهو ربكم. يفعل ما يشاء وكيفما يشاء. وإليه مرجعكم حتى لو لم تشاءوه. وليس لدي إلاّ الدعوة والإرشاد والنصح. فأنا وأنتم أمام المشيئة سواء.

فهذه الآية الكريمة وأمثالها تبين أشكالاً متنوعة من مواقف الأنبياء أمام المشيئة الإلهية. فسيدنا إبراهيم عليه السلام أيضاً يعلّم قومه المشيئة الإلهية في أثناء دعوة قومه الى التوحيد:

م- (وَحَاجّهُ قَومُه قَال أ تحَاجُّونّي في الله وقَد هَدينِ ولاَ أخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بهِ إلاّ أنْ يَشَاء رَبي شَيئاً وَسِعَ رَبِّي كُلّ شَيْءٍ عِلماً أفَلاَ تَتَذَكَّروُنَ) (الأنعام: 80).

فَسَيدنا إبراهيم يقول: إنني لا أخاف ما تشركون به، إلاّ أنني أخاف مما يشاء ربي. أي أخاف من حكمه عليّ. وإلاّ فلو انفلقت الكائنات كلها على رأسي لما ألقت الخوف إليّ قط لأنني على يقين بأن أحداً لا يضرني بشيء إلاّ أن يشاء الله.

فهذا الدرس، درس التوحيد، الذي أورده سيدنا إبراهيم عليه السلام يؤكد على المشيئة الإلهية بوضوح.

ن- (يَا أبَتِ افْعَل مَا تُؤْمَر) (الصافات: 102) هو جواب سيدنا إسماعيل تجاه ما اقترحه عليه والده. ويعقب ذلك مباشرة: (سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ الله مِنَ الصَّابِرينَ) (الصافات: 102) مشيراً إلى المشيئة الإلهية. أي أنه يربط صبره بالمشيئة الإلهية. فلا يكون صبره إلاّ بمشيئته سبحانه.

إن سيدنا موسى عليه السلام يقول: (سَتَجِدُنِي إنْ شَاءَ اللهُ صَابراً وَلاَ أعْصِي لَكَ أمْراً) (الكهف: 69) في جوابه لسيدنا الخضر في أثناء سياحتهما وتجاه قوله: (إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً) (الكهف: 67).

وها نحن نشاهد مدى التشابه في تعابير الأنبياء وأقوالهم. فكلهم جميعاً ينطلقون من المشاعر والإدراك نفسه، ويقولون الشيء نفسه، ذلك لأن استسلامهم للمشيئة واحد.

س- يقول سيدنا يوسف عليه السلام: (أُدْخُلُوا مِصْرَ إنْ شَاءَ اللهُ آِمِنينَ) (يوسف: 99) يقوله لأبويه عند دعوتهما إلى مصر ولا ينسى المشيئة الإلهية.

فإذا نظرنا إلى أي نبي من الأنبياء عليهم السلام نجد أن المشيئة في سلسلة العقيدة عندهم واضحة بينة وذلك من تعليم الله إياهم.

نعم، إن مشيئة الله هي كل شيء، وهي الأساس بالنسبة لإرادة الإنسان، وردّها ليس إلاّ إشراك بربوبيته تعالى، إذ يعني ذلك إعطاء قسم من الإجراءات إلى غيره تعالى.


[1] البخاري، النكاح ،119 الجهاد،23 المسند 2/506،275،229
[2] أبو داود، الأدب 106
[3] البخاري، بدء الخلق، 6 مسلم، البر 156
[4] مسلم، صفات المنافقين، 76



 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri