| القضاء والقدر من حيث المشيئة الإلهية |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |||||
| 2006.09.23 | |||||
الصفحة 3 من 3 ثالثاً: مسألة الأمر الجبري والأمر الشرعي سنتطرق إلى مسألة أخرى تتعلق بالموضوع نفسه، جاعلين المسألة المعقدة سهلة كي يفهمها القاصي والداني. والآية الكريمة الآتية يمكن أن تكون مقدمة للموضوع الذي نبحثه، وهي: (ألاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ تَبَارَكَ الله رَبُّ العَالَمِينَ) (الأعراف: 54). نعم، فكما أن الأمر والخلق يخصه تعالى فالحكم والخلق له وحده. وأمر الله سبحانه على قسمين: الأول: الأمر الكوني، الأمر الجبري أو الأمر التقديري. الثاني: الأمر الديني أو الأمر الشرعي. والأمر الجبري هو الحاكم في الكون، فما يخلقه سبحانه يخلقه على الأمر الجبري. فلا دخل لأحد قط في هذا الأمر. فالكل مضطرون إلى الطاعة والخضوع والانقياد لهذا الأمر. فهو سبحانه مالك الملك، يتصرف في ملكه كيف يشاء، وتصرفه هذا يجعلنا خاضعين منقادين، لا حول لنا ولا قوة تجاهه. أما الأمر الديني أو الشرعي، فهو أيضاً موجّه الينا، ولكن إنفاذ هذه الأوامر وعدم إنفاذها منوط بالإرادة التي أُعطيت لها صلاحية نسبية مع أنها ليست لها وجود ذاتي. وعندما نفهم هذين الأمرين نفهم معاني ومحتوى ""الأوامر" الواردة في القرآن الكريم والتي يبدو فيها اختلاف ظاهري. فكيفما تتعلق الإرادة والمشيئة الإلهية بالآيات التكوينية، - أي القوانين الكونية - تظهر الأشياء والحوادث وفقها إلى الوجود. أما في الأمر الشرعي، فقد أمر سبحانه بما يريد عمله وبما يرضى عنه. ففي كلا الأمرين هناك مشيئته ورضاه. فعبادة الملائكة وأعمالهم هي بمشيئة الله سبحانه، وكذا الأنبياء. والأعمال الصالحة التي يقوم بها العباد والصالحون أيضاً مثل ذلك. فالله سبحانه و تعالي راضٍ عن كل ذلك. ولكن هناك أمور لايرضى عنها رغم أن في أساسها مشيئته، كالكفر والآثام والسيئات بأنواعها. فالآيات الكريمة الآتية تشير إلى هذا النوع من الأمر: (ولاَ يَرضَى لعِبَادهِ الكُفر) (الزمر: 7) (إن الله لا يحبُّ المُفسِدينَ) (القصص: 77) (إنهُ لا يُحِبُّ المُسرِفينَ) (الأنعام: 141) (إنه لا يحبُّ المعتَدين) (الأعراف: 55) (إن الله لا يُحبُّ من كانَ مُختَالاً فَخُوراً) (النساء: 36). نعم، إن الله سبحانه يخلق الفساد، وخلقه هذا إنما يكون بتعلق مشيئته به، ولكن لا يرضى عن الفساد. والأمر هكذا في جميع أنواع السيئات. فإذا ما نظرنا إلى المسألة من هذه الزاوية نفهم بعض الآيات الكريمة بصورة أوضح. ولنلق نظرة من هذه الزاوية إلى الآية الكريمة الآتية: (وإذَا أرَدْنَا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيهَا القَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً) (الإسراء: 16). أي إذا أردنا أن ندمر بلدة أو حضارة نسلط عليهم سفهاءهم وأسافلهم بل أظلمهم يذيقونهم أشد العذاب بعد أن يغتصبوا منهم رزقهم، حتى اللقمة من فمهم. ولكن هؤلاء هم الذين يجعلون أولئك الظلمة على رؤوسهم أيضاً بعد أن تعوّدوا على كل نوع من أنواع المهانة والذل. وفي الظاهر أنهم انتخبوا هؤلاء بإرادتهم، وجعلوهم رؤساء عليهم. ولكن هل في الحقيقة هكذا؟ والمترفون هم السفلة والمنحطون روحاً ومعنىً، ولكنهم تولوا القوم فأصبح قدر الأمة السفالة ولهم السفاهة. وذلك بتوليهم أمر الأمة وتمكنهم من زمام الحكم. فهؤلاء المترفون يستغفلون الناس ويضلونهم فإذا ما بلغ الأمر إلى هذا الحد فان تلك الأمة أو الحضارة قد آن إذن أوان انهيارها. يبدو أن الأمر هنا هو أمر تكويني. فهو ليس أمراً شرعياً. لأن الله سبحانه لا يأمر قطعاً المترفين بأمر شرعي ليقترفوا ما يقترفون من الموبقات. والدليل على ذلك (إن الله لا يَأمُر بالفَحْشَاءِ)(الأعراف: 28). أما التوفيق بين الأمرين في الآيتين الكريمتين فهو أن الأمر في الأولى أمر تكويني وفي الثانية أمر شرعي، كما هو في الأمر الوارد في الآية الكريمة: (إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَومٍ حَتَّى يُغيِّرُوُا مَا بأَنْفُسِهِم) (الرعد: 11). فإذا ما دب الفساد في الكيان الباطن وتساقطت نجوم سماء الروح، ودار سعد الحياة الاجتماعية والحضارة عكس دورانه، إنكفأت الأنوار التي كانت تبهر الأنظار وترجع القهقرى الى مواضعها، وتنطفئ وتذهب. ولهذا لابد من إدراك كلٍ من الأمرين إدراكاً جيداً. ولقد ضلت الجبرية لعدم تمييزهم بين هذين الأمرين التكويني والشرعي. حيث خلطوا بينهما فأنكروا الإرادة الإنسانية. والمعتزلة بدورهم اتخذوا الإرادة أساساً لهم وقالوا: العبد خالق لفعله. فزلّوا عن سواء السبيل. أما نحن فنأخذ الجوانب الحسنة من كلا الطرفين، ونجمعهما معاً على صراط مستقيم ونقول: إن المشيئة الإلهية هي الأساس في كل من الأمرين التكويني والشرعي، ولكن في الأمر الشرعي أعطيت لإرادة العبد مرتبة وهي عدّها كشرط عادي. فإن لم تتعلق بها المشيئة فلا يوجد شيء قطعاً. ولكن الأشياء التي لها وجود خارجي ليست على هذا النمط. حيث تتعلق المشيئة الإلهية حتى بالأمور السيئة والقبيحة. إلاّ أنه سبحانه و تعالي لا يرضى بها. ولهذا يعاقب العبد على ما ارتكب من سيئات. وترتبط الهداية والضلالة بالمشيئة الإلهية أيضاً. والقرآن الكريم يوضح هذا في كثير من آياته: (فَمَن يُردِ الله أنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَح صَدْرَهُ للإسلاَمِ وَمَن يُرد أن يُضِلّه يَجْعلْ صَدرَه ضَيّقاً حَرَجاً كأنَّمَا يَصّعّدُ في السَّماءِ كَذَلكَ يَجعَل الله الرّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُوُنَ) (الأنعام: 125). تهب نسائم الإيمان وتلامس برقتها وعذوبتها شغاف قلب الإنسان ويجد حلاوة السعادة، ويمنحه ذلك الإيمان نشوة ما بعدها نشوة، وكلما ازداد الإيمان ازداد إنشراحاً وحبوراً حتى يحظى بذروة كمال الإنسانية ويصبح بكلّه مثالاً للحسنى والمروءة والفضيلة. فلاشك أن الإنسان ليس هو بذاته ارتقى هذا المرتقى بل الذي أوصله إليه هو الله القادر على كل شيء. فهو الذي هداه ورقّاه مرتبة مرتبة في سلم الهداية حتى أبلغه قمة الهداية. بينما الكثيرون ممن منحوا عقلاً وذكاءً لم يحظوا بالهداية ويعيشون عيش البهائم، بمعنى أن سبب الهداية والضلال غير مربوط بالاستعداد والقابلية أو الإرادة الإنسانية، بل الهداية أثر مشحون بالحكمة للمشيئة الإلهية. وبهذا يتبين أننا لسنا في موضع التدخل في الأشياء والحوادث، ولهذا يمكننا القول: أننا لسنا إلاّ سبباً واحداً ووسيلة واحدة في الخلق. نعم إنه سبحانه لا يوجد شيئاً إلاّ وقد أراده، فلا شيء في الوجود إلاّ بإرادته. فلا قدرة لغيره بجعل غير الممكن ممكناً والممكن غير ممكن، فقوته سبحانه ذاتية، ولهذا نراه سبحانه هو ذو القوة المتين، القوي العزيز. فكما وهب لنا القوة على القيام بالعمل فقد منحنا أيضاً استعمال إرادتنا بتلك الوجهة المعينة. إلاّ أن المشيئة والإرادة تخصه هو سبحانه رغم أنه منحنا الإرادة. والوضع لا يختلف شيئاً في الهداية والضلالة. فلا هادي ولامضلّ إلاّ هو سبحانه. وهو الذي أدخل دافع قتل الرسول صل الله عليه و سلم في قلب عمر فسار إليه وهو عازم على قتله. هذا السير الذي ظاهره كأنه ضلالة وإذا به يدخله في أحضان الهداية. وهو الذي أبقى الشاعر الأعشى في الضلالة جاعلاً الخمر سبباً.. وأمثال هذه كثيرة تعد بالمئات بل بالألوف.. ترى هل يبقى أمام الإنسان بعد ذلك شيء غير الاعتراف بان الهداية والضلالة بيده سبحانه و تعالي؟ نعم، إن الهداية والضلالة بيده سبحانه و تعالي. بجنب الإقرار بجميع ما ذكر، فقد وضع سبحانه في ماهيتنا إرادة مجهولة الماهية حيث لا عبث في إجراءاته، وأنشأ وينشيء على هذه الإرادة المجهولة الماهية جميع ما فعلناه ونفعله في الماضي والمستقبل. فضلاً عن أنه قد وضع تصميم وتخطيط هذا البناء مسبقاً في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق الإنسان. فليس لنا إذاً إلاّ طلب الهداية منه سبحانه. لأنه كما ذكرنا آنفاً في الآية الكريمة، من يرد الله أن يهديه يشرح صدره ويرغّبه في الإسلام ويظهر له وجه الحقيقة المليح. والإنسان بدوره يجد دافعاً واشتياقاً لطلب الحقيقة. ومن أراد الله ضلاله يجعل صدره حرجاً وضيقاً. فلا يعد يرضى بأي أمر للإسلام ويعرض عن التذكير والنصيحة: (كَأنَّهم حُمُرٌ مُسْتَنفرَة # فرّتْ من قسوَرَة) (المدثر: 49-50) حتى تكون كل خطوة يخطوها تبعده عن الإسلام. وليس فيما ذكرناه إلاّ شرط عادي لا غير، وهو إرادة الإنسان، الشعور بالقيام بعمل ما أو عدم القيام به. وحقاً إن عدّ الإنسان نفسه حراً وجداناً يبين هذا الأمر بوضوح وبدوره يعدّ نفسه مسؤلاً وجداناً. فالإرادة تؤدي وظيفة الحجر الأساس في الأفعال. والله سبحانه ينشيء كل ما يريد خلقه على هذا الحجر الأساس. هب أنكم تريدون تعديل أوضاع هذه الدنيا، فاستعملتم إرادتكم التي تشعرون بوجودها في وجدانكم إلى مرحلة معينة في ذلك الجانب، وصرفتم ثروتكم ومساعيكم في تلك الجهة حتى بذلتم كل ما لديكم من طاقة ومال في ذلك السبيل واختبرتم جميع الطرق المؤدية الى ذلك الهدف، ولم تدخروا جهداً ولم تعد لكم طاقة على القيام بشيء. أي أفرغتم كل ما يُنتظر من الإرادة في ذلك السبيل. وعند ذلك ستمدكم إرادة الله سبحانه بنصره وسيمنحكم ما تريدون من وسائل. نعم، سيتفضل سبحانه على إرادتكم - المجهولة - كثيراً جداً من الإنعام والأفضال. وهذا قانون إلهي لا يتبدل قط. فعليكم أن تدركوا ما يترتب عليكم من أعمال وفق هذا الإدراك، وما تنتظرونه منه سبحانه تنتظرونه وفق هذا الإدراك. وإذا ما تفضل سبحانه عليكم ببعض إنعاماته وإكراماته من دون أن تكونوا أهلاً لها فهذا لطف وكرم منه سبحانه، فهو لا يُسأل عمّا يفعل، ولكن لا تُبنى الأعمال على الألطاف والإكرامات. نعم إن ما يترتب عليكم وعلى إرادتكم ضمن دائرة الأسباب عليكم إنجازه ثم ترفعون أيديكم وتطلبون منه تعالى. وإذا أخذنا المسألة من بدايتها، فإن الله سبحانه سيغير ما بكم من شقاء ويملأ الأرض عدلاً وتستقر الأمور على الصلاح، بعد أن تؤدوا ما يترتب عليكم من الوظائف والأعمال. ألا يكون الأمر هكذا؟ إن الله سبحانه ينعم بالشهادة على مَن يجود بروحه في سبيله. ثم تتوالى النعم من جنة النعم ومشاهدة جمال الله جل جلاله ونعم أخرى لا تعد ولا تحصى. وكأنه يتفضل بمقاولة وعقد بينه وبين الإنسان. ولهذا لا تنتظروا نـزول المسيح ولا مجيء المهدي المنتظر من قبل أن تؤدوا ما عليكم من أعمال، فلا يغيّر سبحانه قوانينه وعاداته الإلهية من أجلكم والتي لم يبدّلها حتى لأنبيائه الكرام. نعم، الطريق هو هذا منذ القدم. فقد ظل النبي صل الله عليه و سلم طاوياً على الجوع والعطش، وانكسرت ثناياه في الحرب وجرح خده، وأُدميت قدماه ولاقى ما لاقى من العذاب والعنت. والأمر نفسه وقع لمن كان حوله من الصحب الكرام، فلقد مستهم البأساء والضراء حتى قال الجميع معاً متى نصر الله؟ وعندها نـزل النصر الإلهي وقيل لهم: إن نصر الله قريب. فالآية الكريمة الآتية توضح لنا هذه الحقيقة: (أم حَسبْتُم أنْ تَدخُلوا الجَنَّةَ وَلمّا يَأتِكُم مَثَلُ الَّذِين خَلَوا من قَبلكُم مَسَّتْهُمُ البَأسَاءُ والضَّرَاءُ وَزُلْزلُوا حتى يقُولَ الرَّسُولُ والًَّذينَ آمنُوا مَعَهُ مَتَى نصرُ اللهِ ألا إنَّ نَصرَ اللهِ قَريب)(البقرة: 214). أي لما نفد كلُ شيء، فلا لقمة تسد الرمق ولا جرعة ماء تشفي الغليل ولا قطعة حصير ليضع الإنسان عليها جنبه.. في هذه الآونة يرد من الغيب بلسان الحوادث: إن نصر الله قريب. وأنتم تبذلون إرادتكم إلى أن تسمعوا هذا الصوت. كالشمعة تشتعل وتشتعل - وهي ما يترتب عليها - حتى إذا انتهت آخر ذبالة فيها إذا بنصر الله يأتي. وانتم كذلك تبذلون قصارى إرادتكم الجزئية والى آخر نقطة فيها، عندها تعمل الإرادة الكلية عملها فيتبدل الذل إلى عزّ وسؤدد، ويتبدل الإدبار إلى إقبال مشرق. والآن هل تعتقدون أنكم حقاً بذلتم كل إرادتكم، وبكل ما أوتيتم من طاقة؟ فان كان الجواب: نعم. فإني أُبشركم: ثقوا واطمئنوا أن الله الذي بيده مقاليد السموات والقادر على كل شيء سيمدّكم بنصره ويحيق المكر السيئ بأهله، بإرادته المطلقة ويحفظكم من كل مكروه وسوء. إن عادة الله هي هكذا فثقوا بالبشارة مادمتم على ثقة من أنكم أديتم ما عليكم من واجبات ووظائف. نختم ما قمنا به من تحليل حول القدر والمشيئة الإلهية بالجملة الآتية: إن الله سبحانه يعلم بعلمه المحيط بكل شيء كل ما سنفعله في الآتي، ويعيّن ما يعلمه ويقدّره ويسجله في اللوح المحفوظ على شكل خطة. ثم يسجل الملائكة الكرام أعمالنا في كتب. ويكون الكتابان مطابقين تماماً. ولاشك أن مشيئة الله هي النافذة في كل ذلك. فنحن أهل السنة والجماعة نعتقد أنَّ ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن.
|
|||||
| < السابق | التالى > |
|---|



