مشكلتنا الثقافية... أو الصيرورة الذاتية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21

المعنى الذي نقصده من "الصيرورة الذاتية" هو تقديم هويتنا

الداخلية المنسوجة من ميراث حضارتنا الذاتية وثقافتنا الذاتية، وجعلها "الفَلَك" الذي يدار فيه. فربما تفهم أوساط معينة "الذات" بمعانٍ لا ترتبط بالجذور "المعنوية" لأمتنا، كالعروض الفلكورية، و"النفسانيات"

الطافحة التي تحس الكتل البشرية بالحاجة إلى تفريغها باسم "الجسمانية"، والمراسيم الظاهرة في أمور مثل الأكل والشرب واللهو والأعياد والأفراح... لكن "الذات" عندنا: ما نحسه ونعيشه ونعكسه على بيئتنا وفيما

حولنا، وفي كل طريق نسلكه، وفي كل وحدة من وحدات الحياة، وفي كل صفحة ودرجة من درجاتها، من الرعاية التي نلقاها في أحضان الأمهات إلى سلوكيات أجدادنا الفذة التي تعكس شخصيتنا "الملية"، ومن مَلْءِ نظامنا

التعليمي بالروح "الملية" إلى استنشاق المربي لهذه الروح بملء رئتيه، ومن أساليب الطهي في مطابخنا إلى تصرفاتنا في الحقل والبستان والمزرعة، ومن قيامنا وقعودنا حول المائدة إلى أخلاقياتنا الحِرفية في

المشاغل، ومن نوع كلامنا وكتابتنا إلى علاقاتنا بالآخرين، إذ تنفذ "الذات" في فئات المجتمع كافة وفي كل وقت، وتديم بقاءها بالتزود من ذاكرة الأمة وشعورها ووجدانها، وتُشعِر بنفسها وتتمثل في "متلقيات الأمة"

في الشعور والفكر واللسان والفن، وتعيش أبداً في أهم أعماق حياتنا مع الأعراف والعادات والتقاليد.

قد لا يُحَسّ من أول وهلة بالفوائد العملية أو الاجتماعية

للعيش في "الحياة الذاتية". لكن في الأجل الطويل وبالإصرار عليها سوف تبدو الأهمية الحيوية "للصيرورة الذاتية" في مراحل التقدم كلها، بالطبع والبداهة. وعلينا في هذا السياق إدامة حياتنا "الملية"، على خط

الدين والعرف والعادة والتقاليد والتراث، مع حسبان التفسيرات الجديدة الحاضرة. وبذلك ستكون أمورنا "الذاتية" الخاصة بنا جزءاً لا يتجزأ من طباعنا بمرور الزمان، وتصطبغ ما "نتبنى" من القيم الغريبة المقتبسة

من الخارج بصبغتنا. فتكون لونا جميلاً من ألوان الخطوط في خريطتنا "الملية". فلم تظهر تلك الحضارات المذهلة بغناها الثقافي فجاءة من غير بادرة، في روما واثينا ومصر أو بابل. لقد وُلِدت الثقافة في كل مكان

بعد حضانة طويلة في العالم الحسي والفكري للأفراد والسفوح الخصبة للوجدان البشري، وعبّت من المناهل الداخلية عبّا مباشراً، ومن الخارجية بعد الترشيح والتصفية، فترعرعت حتى صارت بعد زمان عمقا عميقاً لطبائع

الشعوب ولوناً ظاهراً لحياتها، ثم أحاطت بأرجاء الحياة كلها وان لم تَجْرِ الألسن بالكلام عنها دائماً، فهيمنت على حياتها في المعبد والمدرسة والشارع والبيت والمقاهي وحجرة المنام... حتى أنَّ الناس إن لم

يطيعوها بإرادتهم ووعيهم، فقد طوعتهم بقوة سرية تأسر إرادتهم.

فان وطّد شعبٌ ذاته وأركان قاعدته على ارض ثقافية سليمة، فلابد

أن يتغلب على الجهل والفقر والنـزاع والفوضى والضغوط الخارجية وكثير من المعضلات الأخرى، مع مسيرة الزمان التي توصله إلى التماسك والنضج في حالة طبيعية. إن روما وأثينا ومصر والدولة العثمانية نماذج جيدة من

التاريخ الوسيط. ومن التاريخ القريب تعد ألمانيا أنموذجاً بدرجة متوسطة أن لم تضيع نفسها في مغامرات مثل الحرب العالمية الثانية.

فبعد الحرب العالمية الثانية، انقلبت ألمانيا عاليها سافلها،

وانقضّ اقتصادها ركاماً، وتسلط الأجانب على سيادتها القومية/ الوطنية، وتفرق المجتمع إلى معسكرات متنازعة في الاضطراب النفسي للهزيمة والبؤس، وصارت تلك البلاد من أدناها إلى أقصاها معسكراً للأسر... لكن

قلوبهم كانت تنبض بالهمة، ورؤاهم تفوح بحب ألمانيا الكبرى، وكانت ثقتهم بقوتهم العضلية وبفكرهم وطيدة من اجل تحقيق ذلك. فان كانت ألمانيا ناجية من ميدان الموت هذا، فإنها تنجو بطاقتها الحيوية الذاتية

وثقافتها المستقرة الراكزة. وهذا ما حصل. نعم، توجه الألمان شعباً متكاتفاً نحو ثقافتهم وجذور معانيهم الذاتية، واستثمروا بعقلانية عالية الأوضاع الاجتماعية، والنفسية - الاجتماعية، والاجتماعية - الثقافية،

وأفرزت ألمانيا واحداً من افضل التفسيرات للنصف الأخير من القرن العشرين.

نستنبط من هذا الأنموذج: إن اختزال المعضلات السياسية

والاقتصادية والإدارية في السياسة والاقتصاد والإدارة حصراً وتحديداً، معلول بنواقص من اوجه كثيرة وان صح من وجه معين. فما من شك في فائدة الجهد والهمة والعلم وابتكار البرامج البديلة في كل ساحة وميدان، لكن

ثم أمر آخر هنا ينبغي صرف الهمة إليه بالضرورة، وهو -كما أرى- ثقافة الأمة وجذورها المعنوية. إذ ينبغي على الأمة ألا تغض البصر عن جذور معنوياتها في جميع فعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسة، وألا

تنسى ألبتة الرسالة الهادفة الفارقة لثقافتها الملية، ما دام قد قرر أن يتقاضى (يتحاسب) مع عصره.

ولا يُنكَر أنه قد حصل في بلدنا توقف وتأمل في ثقافتنا الذاتية

عند كل "تغير" أو "تحول". ولكن لم نعرف البتة تشبثاً وتعلقاً تتصف بالديمومة والمنهجية في هذا المجال: فالمدارس (التقليدية) والزوايا والتكايا التي أَمدّتنا بمهندسي فكرنا وعمال روحنا في الماضي، لم تنتج

مشاريعَ تَنْقُلنا إلى المستقبل. وإذ لم تنجح في ذلك، انسحقت تحت ركام أنقاضها. وأنا إذ نقول هذا القول، يتحرك مبدأ ليغلق الحلقوم، هو: "لا تذكروا ماضيكم بمساوئه"، ويمنعنا من شيء غير هذا. فيكفينا أن حوادث

التاريخ لا تعيد نفسها مهما تشابهت فيما بينها. واللازم أن نعتبر بعبرها، لا أن نتلقى دروساً فيها. ومن ثم نوجه الأسئلة عن الماضي إلى أنفسنا في الحاضر، فنقول: إن الذين مضوا قد انقرضوا بأنهم انحرفوا عن

غاية الوجود ومقصوده. ونحن اليوم في الموقف عينه. فالأسلم إذن أن نقاضي أخطاءنا بدلاً عن الانشغال بأخطائهم، إن سلّمنا بوقوعها.

لنحسب انهم أهملوا المراضع التي يرضعون منها، فصاروا وسيلة

لجدب شعبنا (ملتنا). لكن ما الذي صنعاه نحن؟ هل نجرأ على أن نزعم بأننا أوفينا بمسؤولياتنا شعباً؟ هل نزعم بأننا تولينا بإدارة مؤسسات الدولة كما يتطلبه العصر؟ من يدعي أن مدراس التعليم في هذه المدة قد

أثمرت المرتجى؟ كثير من الشباب حصلوا تعليماً عاليا في باريس ولندن وميونيخ ونيويورك... لكن هل صاروا أعضاء نافعين لمجتمعهم؟ أم العكس... إذ رجع أكثرهم إلى البلاد بأحلام (فانتازيا) مختلفة وجلبوا للوطن

معضلات عويصة بتأثير تيارات مثل الانكلوسكسونية والنازية والسلافية، أو الرأسمالية والليبرالية والشيوعية؟ فزادوا الاضطراب اضطرابا، وزادوا القطيعة مع الذات شدة... لا زلنا نرجو ونأمل ألا يدوم الحال على هذا

المنوال.

وثمة أسباب كثيرة لرجائنا وتفاؤلنا. فقبل كل سبب، قد وعينا إبان هذه المدة بالغدر والظلم الذي أصابنا. ويمكن لحافظة

الصور(1) المريرة هذه، أن تلهمنا بصور مختلفة منذ الآن.. إن تَعَلُّقَنا بمد جسور الصداقة مع فرنسا وألمانيا وإنكلترة وأمريكا، وخيبة آمالنا، وقلة حيلتنا، والتجارب

والحنكة المكتسبة في خضم محاربة المئات من السلبيات، قد صار توتراً ميتافيزيقيا جاداً يمكن أن يولد انفتاحاً "عن المركز". لكن استثمار هذا التوتر استثماراً جيداً واجب يقع على عاتقنا أيضاً. المدرسة أثمرت

بثمارها بمقدار أهميتها. وجاء الآن وقت ترويض هذه العلوم والتجارب باستلام "واردات" المدرسة ودوام عجنها في معجنة روحنا الذاتية واستمرار تغذيتها بزاد ثقافتنا الذاتية. ذلك بأننا إن كنا عازمين على السير إلى

المستقبل، فلا مناص من الصيرورة الذاتية في المنطق والمحاكمة العقلية والأسلوب، باستثمار تراكمنا العلمي والتجريبي في مواقعها. إن المدرسة تكسب الإنسان حنكة علمية واجتماعية واقتصادية وسياسية. لكن تقبلها من

فئات المجتمع كافة ودوامها، مرتبط بامتزاجها وتكاملها مع جذور معاني المجتمع وبنيانه الفكري. فمن هذه الوجهة، معضلة الدول المتخلفة مثلنا، هي عجزها عن اكتشاف حقيقة المدرسة بروحها ومعناها، بل هي معضلة

ثقافية في أصلها. ومن الضروري واللازم أن تحل هذه المشكلة في أرضيتها الذاتية. في صفوف المدرسة مكتسبات كثيرة تصب في أرواحنا، لكن الثقافة أعظم تأثيراً، ولا شك في أنها حاصل من حواصل البيئة والمحيط.

يمكن القول بان البيئة مصدر القيم الثقافية في الحضارات

السابقة والحاضرة كافة. ونرى أن البيئة العامة تتكون من الأحاسيس والأفكار والسلوكيات والأصوات والألوان والأساليب والأداء والخصوصيات الأخرى الحاوية على أعماق متنوعة من طبيعة الأمة. ولا يتعسر الإسهاب في

سلامة هذا المقترب. لكننا نريد الآن أن نتوقف عند أقوى حركية، وهي "عمومية" الثقافة التي تتنفسها شرائح المجتمع كافة كالهواء، وترتشفها كالماء، وتشمها كالزهور، وتصغي إليها كالطبيعة. فالثقافة بهذه

"العمومية" تتسع وتحوز على قدرة التأثير الدائم. وهذا ما ينبغي أن يتبادر إلى الذهن حينما تذكر الثقافة. أنها مؤثرة في راعٍ بعين المقياس الذي تؤثر به على مثقف أو علاّمة. الثقافة للمجتمع باعتبار يومه وغده

كنقطة التقاء الماء والتراب والهواء والشمس لكل شيء حي باعتبار ظهوره إلى الوجود وديمومة وجوده. نعم، إنها من أهم الحيويات التي توصل الفرد والمجتمع إلى درجة التماسك والنضج من الجهة النفسية والأفق

الأخلاقي.

إن المدرسة بقدر ما تكون متوجهة نحو الهدف ومتسمة بالعمق تصبح

ميناء أو مطارا أو منطلقا للأمة، بشرط أن تُصْهَر مكتسباتها في بوتقة الثقافة الملية. ولئن كانت المدرسة، باعتبارها دائرة تخطيط ومركز مشروع، تُعدّ "قيمة" بقدر ما يستمع الوجدان الاجتماعي إلى صوت شيء من

برامجها المنسجمة مع الأخلاق العامة وثقافة الأمة، فمن العسير جداً، بل من المحال، أن نستدل على أنموذج واحد قامت المدرسة فيه بالعمل وحدها وعلى وجه التفرد. لذلك، علينا أن نتقبل المدرسة بواقعها وحقيقتها،

ولا نترقب منها إلا ما يمكن أن تمنحنا إياه. ومع حفظ ورعاية حق العلم، فان تعليق الآمال كلها بالمدرسة مقترب مبالغ فيه وتفكير سطحي وبسيط يجعل إيضاح كثير من البديهيات مستعصياً، كتحميل الأرض على قرن الثور!

أن المجتمع الواعد بمستقبل سليم، يتكون من أفراد سليمين هم منه

كالجزء من الكل. لكن نماء أفراد سليمين وممتازين وتطورهم لا يتم إلا في مجتمع سليم. فإن بيئة عامرة بتراثنا الذاتي تؤثر في كل وقت في العالم والجاهل، والشاب والكهل، والقروي والحضري، والمفكر والسارب في

هواه، وتوحي إليهم دائماً بأمورٍ ساعةَ فتح أعينهم ومدّ العلائق مع المحيط والجو العام، وتتحاسب معهم، وتحاورهم... وبوارداتها وغناها، أو بفقرها، أو بوسطها النفسي والمادي، قد تغذيهم وتربيهم وتَعْمرهم، أو

تقوض عواطفهم وأفكارهم وتحيل كل شيء إلى خراب.

وأحيانا قد يغيب الإحساس بأبعاد التأثير المديدة لبيئة الروح

"الملية" على المجتمع وأفراده. لذلك ينبغي أن نستحضر دائماً أن كثيراً من التفرعات والتفاصيل في الدنيا النفسية أو المادية، والتي بدت هينة ومستصغرة، قد فتحت الأبواب لاكتشافات ونشاط واختراعات تتعدى الخيال

في أهميتها. ففي مقام معين، ارتقى إلى العلياء وجدانٌ بملاحظة ترقب قطة لجحر فأر بلا توان، وانكشفت آفاق واسعة أمام عقولٍ فكرت في التناغم البديع لمجتمع النمل والنحل، الذي لا يضاهي كمالَه أعظمُ الجمهوريات

كمالاً، وكم من أمر مستصغر في دنيا المادة أذكت نار ذكوات خارقة.

فكم من أمر هين فرَّج الأبوابَ لاستلهام عظائم مثل طاس الحمّام

لأرخميدس، والتفاحة الساقطة لنيوتن، والتناغم في الانسجام العام لجين، والقِدْرِ المتدحرج في سطح الدار لنصير الدين الطوسي، وأنغام موسيقى تهدِيءِ المجانين لابن الهيثم، وبزوغ شمس صباح آسر لميخائيل إنجيليو

وماءِ جَرّةٍ لدنيس بابن..!

ومن الحقيقة أن لبنيان المجتمع من حيث

صحته أو عطبه، وما له أو ما عليه -وكذلك المشاهد المحسوس دائماً بالنظر الظاهري للعقل- تأثير بَيّن على الأفراد. فالأفراد هم أبناء المجتمع، يحسون بكل شيء في بيئة المجتمع ويعيشونه ويتقبلونه. والواجب على

أهل العرفان والعلم عموماً، وعلى المسؤولين خاصة، أن يجردوا ويغربلوا الملاحظات الضارة والغريبة المنكرة التي تؤذي المجتمع وتضادد العقل والمشاهدة والتجربة والفكر الديني. أن اعظم الأبطال الذين قاموا بهذا

التجريد في التاريخ هم الأنبياء. ثم من بعدهم الأصفياء المشدودون المتحفِّزون بالإلهام، ورجال الفكر المتكاملة قلوبهم وعقولهم، ورجال العلم الموقِّرون للميتافيزيقية مع الفيزيقية (للمعنى مع المادة)، وللحس

الوجداني مع المحاكمة العقلية، وللوحي السماوي مع التجربة.

تجريم نوح (عليه السلام) لِوَدٍّ وسُواع ويغوثَ ويعوقَ ونسرا؛ وعصيان إبراهيم (عليه السلام) للأصنام والفكر الصنمي

الملتف حول بيئته؛ ومنافحة موسى (عليه السلام) للظلم والطغيان وامتصاص الإنسان؛ وإذلال المسيح (عليه السلام) للمادية المطوطَمة؛ ومحاربة عنوان فخر الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) للعلل الاجتماعية التي ما

فتئت تمسك بتلابيب البشر كالجهل والفقر والتنازع، إلى جانب جميع الخطيئات الأخرى التي جاهد ضدها الأنبياء السابقون... ومن بعده وإلى يومنا، تفسير المجددين والمرشدين الكمّل كلهم للحياة وفاقاً لأوامر الله

تعالى وإرادته ورضائه، هذه كلها صفحات من السعي في تحقيق ذاك التجريد.

فمن اجل صيرورة الثقافة وإدامتها، ينبغي تحفيز رد الفعل

المشترك ضد الأفكار الماسخة والغريبة المنكرة، إلى جانب استشعارها والإحساس بها بكامل عناصرها من كل فئات المجتمع... حتى نبقى وندوم بذاتنا وبخصالنا الذاتية من جهة، وحتى نسير إلى المستقبل من غير السقوط في

دوامة الباطل والخرافة والتغّرب.

* * *

إن التأثير المتبادل ما بين الثقافات حقيقة لا مراء فيها. لكن

نقل الثقافة من مكان إلى آخر مع المحافظة على أصالتها غير ممكن. فالثقافة ليست لباساً يُنـزع عن بدن ويُلقى على بدن آخر. الثقافة تحمي أصالتها كما يحمي الأحياء خصوصياتهم البيولوجية في بيئة نشأتهم.... بتنفس

المجتمع الذي ولدت وترعرت في صدره إياها كالهواء شهيقاً وزفيرا، وَتَرَشُّفِهِ إياها كالماء رشفة فرشفة، حتى تصير عمقاً حيويا لذلك المجتمع، فتُحمى وتُصان. الثقافة تموت إذا ما نقلت من مكان إلى آخر ما لم

تتجهز البيئة الجديدة بما يصلح لوجودها ونمائها، أو - في الأقل- تفقد خصوصياتها الذاتية، فتتهجن ويُعدم معناها وتنقلب إلى حقل ثقافي آخر. وكما يعجز الآخرون عن التمثيل التام لصوتنا ونغمنا وخطنا ورسمنا

ونمطنا وأسلوبنا بأصالته الذاتية، كذلك يستعصي علينا التمثل العيني لخصوصيات ثقافة الآخرين. ومع ثراء الألوان في ثقافتنا، فان الآخرين لن يفهموا معانيها كما نفهمها، ولن تُحَفِّز فيهم الخفقاتِ كما تحفّز

فينا، ولئن أجْرَتْ فيهم تأثيراً معيّنا، فلن تجريه فيهم بطبيعتها وفطريتها الذاتية. والحال السلبية هي عينها إذا أخذنا ثقافة الأمم الأخرى من غير تقبل ذاتي. ذلك لان الثقافة ليست بضاعة تشترى من البائع

فتؤخذ إلى البيت كلوحة أو صورة أو اسطوانة أو شريط. إنها "كل" مجموع في مركز واحد بالعناصر الزمانية والمكانية للبيئة التي وجدت ونشأت فيها، ومنحصرة "الخصوصية" بتلك البيئة. وينبغي أن ننظر نظرة مشتركة على

العناصر التي تقف وراءها كلها، حتى نضع العوامل التي تصيّرها وتغذيها في إطار واحد يلمها ويجمعها. وأول ما نتذكره أثناء نظرتنا هذه، أنها صيغة حياة معينة ذات نمط خاص لأمة معينة ومنظومة سلوكيات خاصة لأفراد

تلك الأمة. ولا شبهة في أن أول ما يبرز أمام النظر في هذا التحليل هو التأثير والتأثر بين فلسفة حياة المجتمع ونمط سلوكيته. وبقدر توطّد فلسفة الحياة واستقرارها في ضمائر أفراد المجتمع، تكون باقية وواعدة

للمستقبل. وكما في الأحياء البيولوجية، "الكل" يعيّن حركات الحجرات في اتجاه معين، وتقوم الحجرات المتوجهة باتجاه معيّن بوظيفة عوامل تنقل الهيأة العمومية "للكل" إلى المستقبل.

منظومة الحركات هذه، التي تجري وكأنها في إطار المسؤوليات

المتبادلة، توجِد - من جهة- تنظيماً من التدرج الوظيفي عندما يتعلق الموضوع بالموجودات الإرادية، ومن جهة أخرى، تفجر سيلاً من التقاضي والاختبار من قِبَل العقل السليم والمشاهدة الصحيحة والتشخيص بالحس

الوجداني.

إن هذا السياق هو الطريقة المثلى لمجتمع مستقر مع أمسه ويومه،

ومنفتح على العقل والفكر والوحي، من اجل تطابقه مع فلسفة حياته وأسلوبه "الملّي" وحركة تاريخه. وأما ما يناقض ذلك، فهو بهرج خداع لأنماط العدم الثقافي من أمثال ما يحاك من العادات والتقاليد واللهو والأذواق

واللذائذ التي لم تكمل سياق تطورها، بل حتى المعتادات الفلكورية المطوطمة. نعم، ثَمّ أخذ وعطاء، وتأثير وتأثر دائم بين فئات المجتمع المتنوعة في الأمم والحضارات الوطيدة التي استقر تلاطم أمواجها. وفي

الأوساط العاملة بالملاحظات الديمقراطية خاصة، يوجد تأثير وتأثر، وفعل ورد فعل مهم ودائم بين قمة هرم المجتمع وعناصر قاعدته. فالمعلم والواعظ والكاتب في الجريدة والمجلة والمحلل أمام عدسة التلفزيون والأديب

بشعره ونثره والرسام الناقل للموجودات بالمعنى الواسع ولمحيطه بالمعنى الضيق إلى لوحات العرض... جميعاً ودائماً يتحركون في سياق التأثير والتأثر مع الكتلة المعنية بالخطاب. فالذين في الأعلى، بمعنى العطاء

والإنتاج، يرسلون الإشارات إلى من حولهم باستمرار، يحفّزون بها المعنيين بالخطاب، ويجهزونهم للتحرك، ويزيدون من عدد العاطين والمنتجين بتوجيه قابلياتهم واستعداداتهم نحو آفاق "متلقياتهم" المسلكية والفنية...

حتى تضيق دائرة "المستلِمين" يوما بعد يوم في تحولهم المستمر إلى أنموذج "إنسان ذي أفق" وسيع.

وإذ يعطي العاطون والمنتجون، يتقاضى

(يتحاسب) المستلمون مع كل ما يصل إليهم، ويعترضون على أخطاء أولئك أو أخطاء أنفسهم حسب نظرهم.. ويضغطون على من في الأعلى فيُلجئونهم إلى حلول بديلة. فيُؤكَّد على كل ما يخص هويتنا، ويُصفَّى فساد الأساليب

بإمرارها من المرشِّحات، وتُجرَّد السلوكيات الخاطئة بالتقاضي والمحاسبة. إن هذه المواجهات والمبادلات لا يمكن أن تقوم إلا بالثقافة الموروثة والمشتركة بين فئات المجتمع كافة.

فإذا تكاتفت أمة بفئاتها المختلفة

تكاتفاً وصَفَه عنوانُ فخر الإنسانية (صلى الله عليه وسلم) بالبنيان المرصوص، واستخدمت قوتها وطاقتها لصيرورة البناء الداخلي وتناغمه، فإن الجبل والْحَزَن يصير سهلاً، والسهل مهداً ووطاءً، وتأخذ مكانها بطبع

الحال في التوازن الدولي. لكن تواجد رابطة اجتماعية مؤثرة بقوة كهذه، متعلق بثقافة "ملية" مستقرة الأركان ومتعايشة مع شرائح المجتمع كافة حتى تغدو جزءاً من طبع المجتمع وجِبِلّته... ثقافة مبنية على قيم

أخلاقية تتغذى وتتنفس بها، قائمة بقوة الدين القاهرة تتغلب بها على "التغريب"، ساندة لمتلقياتنا الفنية، وتكُون ملجأً ومأوى آمناً لها في كل مكان. أما إذا كانت الثقافة مُضيَّعةَ المعالم والأطُر وغيرَ

مقبولةٍ من فئات المجتمع كافة، فدع عنك أن تستغني وتثرى وتحتضن الأمة، بل زد على ذلك، أن لا مناص من التنازع بين مهندسي الثقافة وبين الصُنّاع، وإضناء بعضهم بعضاً. وقد يورث التنازعُ جراحاًً لا تندمل. وقد

يورث الإفراط والتدقيق الشديد في مسألة أخلاقية هيمنة وتسلطاً على المشاعر والأفكار حتى يُوقِع الفردَ والمجتمع في الْمَحْلِ والفقر أحيانا، وينفرج عن وليجة لتضييع القواعد والأخلاق في البديعيات أحيانا،

فتتلوث الأشياء بالفوضوية والمستهجنات.

ومن الحق في المسألة الثقافية أن يقام الأساس على زيادة نشاط

التصدي لمعضلات اليوم والغد في أوساط غير منضبطةٍ باعتبار القيم الروحية، وإكسابهم قدرة اختيار الخير والجمال والصحيح، بتلقينهم أسلوب التفكير الراكز، بدلاً عن تهيئة أجواء الذوق والصفو واللهو حسب معايشهم.

وبذلك نضمن مساندة العلم، إلى جانب حصولنا على الترجيح بين خيارات أصوب واعظم فائدة، بنتيجة الفرص السانحة من التوجيه الجبري أو الاختياري للبيئة العامة وانسياق التيار العام.

هكذا سيكون مركز التقاء "الأخلاقية" و "العلمية" و"البدائع"

غذاءً رابياً لأسلوب حياتنا، وماكنةً ساحبةً لحركاتنا وحملاتنا، فتتوإلى لذائذ نشوات الظفر باسم الخير والجمال والصحيح... ذلك بفضل التمسك بالقواعد، وبفضل التوجيه الاختياري أو الجبري للبنيان الاجتماعي. ومن

المهم هنا أيضا، نوعُ التفسير والتعقل "لمتلقيات" الأخلاق والإيمان والفن ومفهوم الجمال. إن حصر الأخلاق بنفاذ قواعد جامدة معينة، وفهم الإيمان بشكل تصديق انسياقي لا يحسب حساباً للعقل والمشاهدة والحس

والوجدان، والتعبير عن التناسب الجمالي بالتقاط لمحة من منظر الأشياء وصبّها في لوحات عارية وتماثيل جامدة، وحبس الفن في أطر غليظة كالشعر والموسيقى والمسرح، لا يزيد على خنق الجمال وثقافة الجمال في الضيق

والضحالة وأحلام الفانتازيا لبعضهم.

إن انبعاثنا مجدداً بثقافتنا الذاتية، يترقب دهاة من أهل

القلوب يرتقون إلى عنان السماء بالإيمان، ومهندسي الفكر السائحين في الغد بافقهم الفكري، ومحتضني الوجود والأحداث بمتلقياتهم الفنية، وراسمي أفلاك جولان جديدة ابعد من الآفاق التي نحن فيها بتحسساتهم

وتفحصاتهم. ويبدو لنا الكدح والجهد المتجلي في انفتاح المولعين بتناسب الحسن، على آفاق جديدة، وإنتاجهم آثاراً مستحدثة في الجمال، وهمم الفنانين الماهرين والصناع الغيورين الجديرة بالتقدير في البديعيات،

والآثار الثرية والألحان ذات المغزى المتولدة من الأصوات المتألمة إبان بحثها عن روح موسيقانا، والتي تغدو أنغاما لأرواحنا، ومساعي المبتدئين بشم الذوق الأدبي في تجاوز تقليد الشعراء الفطاحل والناثرين عشاق

اللسان، يبدو كل ذلك وكأنه إمارات فجرٍ صادقٍ في طريق صيرورتنا الذاتية... فان يكن شعاعات فجرٍ كاذبٍ، فلا ريب أن ما يعقبه الفجرُ الصادق!

فإذا تحركنا بهذا الاتجاه، فسوف تكون ثقافتنا الرصينة، وجذورنا

المعنوية والروحية، وشخصيتنا ومحتوانا، جزءاً لا يستغنى عنه من الثقافة العالمية، في وقت آت. أما إذا بقينا على تخبطنا الذي عرفناه أمس واليوم في التزود والتغذي من مصادر ثقافة الآخرين، وانغرزنا في التقليد

كلما فكرنا في الإنشاء، فلن تنجو الأمة من ذلة التبعية، ولن نتحرر من الوصاية في الشعر والموسيقى والرسم وفروع البديعيات الأخرى... ولن نتمكن من إدامة وجودنا بذاتيتنا الخاصة، ولن نفلح في الوصول إلى درجة

الإنتاج والعطاء.

نعم، إن لم نبدأ من فورنا بشحن أجيالنا الناشئة بشعائر ثقافتنا الذاتية، ولم نبادر بإحياء ما شحنّاه في النفوس، فسوف نَحكم على الآتين من بعدنا بان يكابدوا حظنا العاثر في

الحياة. فينبغي أن يُستنفَر كل من له قول في الموضوع، ومهندسو عالمنا الفكري خاصة، بروحية النفير العام إزاء خطب داهم، وتحويل البلاد من أدناها إلى أقصاها إلى مشاغل لثقافتنا الذاتية، ومدارس لفلسفة حياتنا

الذاتية، ومختبرات تركيب وتحليل لمنطقنا ومحاكمتنا العقلية الذاتيتين، فإن بقاءنا بذاتيتنا يمر عبر نبعاثنا بذاتيتنا.


[1] حافظة الصور: ألبوم الصور (المترجم)

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri