ما يُكسبه الإيمان بالقدر طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.23

إن الذي أحاط علماً بمسألة القدر وحلّ الأسرار التي تخصّه في وجدانه مرحلة تلو الأخرى كمن يحل العقد، يفوض في النهاية ‏كل شيء إلى الله سبحانه، حتى يبلغ فهم الآية الكريمة:(وَالله خَلَقَكُمْ وَمَا تَعمَلونَ)(الصافات: 96).

نعم، إن الله سبحانه هو خالقنا وخالق أفعالنا، فأكلنا وشربنا ونومنا ويقظتنا وتفكرنا وكلامنا.. كل ذلك بخلق الله سبحانه. ‏وفي الحقيقة أن كل ما يخص الخلق، فهو مخلوق من الله سبحانه قطعاً.. وهكذا يرى ( المنتهي) الواصل إلى حقيقة الإيمان هذه ‏الحقيقة واضحة وضوح الشمس في رابعة النهار وذلك بسلوكه الوجدانـي. وحيث إن الأمـر هكذا فمن الصعوبة بمكان ألاّ يقع ‏المنتهي في "الجبرية".‏

نعم إن الإنسان كلما أعطى الفعل لله تجابهه الإرادة "إرادته الجزئية" في النتيجة وتذكّره بالمسؤوليّة، لئلاّ ترتفع عنه المسؤولية، ‏ولكي لا يغتر الإنسان في الوقت نفسه بفعله الحسنات يعمل القدر عمله قائلاً له: لا تغتر، أنت لست الفاعل. فينقذه من الغرور. ‏وهكذا يبلغ الإنسان التوازن، وتنتظم حياته وسلوكه بالحفاظ على هذا التوازن.‏

ان جميع الحسنات ما هي إلاّ من فعل الله وتقديره، فلا يستطيع الإنسان أن يتملكها، وإلاّ يقع في شرك خفي، لأن الله سبحانه ‏هو الذي يهب الحسنات مباشرة، إذ نفس الإنسان الأمارة بالسوء لا تطلب الحسنات قطعاً. ومن المعلوم أن المقصود من الحسنات ‏هنا تلك الحسنات التي هي بذاتها حسنة وجميلة، وإلاّ فلا نقبل ما تتوهمه النفس الأمارة من جميل وحسن. نعم إن النفس قد جبلت ‏على كراهية الجميل والجمال حقاً وعداوتها للحسنات مستمرة وستبقى هكذا حيث إنها جبلت عليها.‏

إن النفس الأمّارة بالسوء تطلب السيئات، لذا فالمسؤولية تقع عليها.. فالآية الكريمة الآتية تجمع هذين الأساسين معاً وتوضح ‏الأمر جلياً: (مَا أَصَابَكَ مِن حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا اَصَابَكَ مِن سَيّئَةٍ فَمِن نَفْسِكَ)(النساء: 79) ومن هنا فليس لك أن تغتر بالحسنات ‏التي تعود إليك، لأن الحسنات ليست لك بالذات، فكل ما هو حسن وجميل إنما هو إحسان من الله إليك. والإحسان يقتضي ‏الشكر والتواضع لا الغرور.‏

أما السيئات والذنوب فإن إرادتك الجزئية "شرط عادي" في خلقها، لذا تقع مسؤوليتها على النفس. ذلك لأنه تعالى خلق ما ‏رغبتْ عمله ومالت إليه نفسك أو فكرت في القيام به، أو أي تصرف آخر في ميلك ورغبتك.‏

فهذه الأمور لا يمكن أن نفهمها إلاّ بالوجدان والحال. أي أن هناك شاهداً واحداً فقط على ما دار في خلدك من ميل أو أي ‏تصرف في ذلك الميل، وهو الوجدان. فالله سبحانه و تعالي اتخذ وجدانك شاهداً على علمه.‏

أما الإنسان "المبتدئ" فهو يؤمن أيضاً بالقدر، ولكنه ينظر الى الماضي والبلايا التي تصيبه من زاوية القدر، فيقول: إن البلايا ‏والمصائب النازلة هي من تقدير الله، فينجو من اليأس، أما عندما ينظر إلى المستقبل والمعاصي فانه ينظر إليها من زاوية الإرادة ‏الجزئية، فيقول: سَأُحَصّل ما قُدّر لي على كل حال، فلا يرمي نفسه في أحضان الكسل، ولا يجعل القدر وسيلة تسلية تجاه ما نواه ‏من السيئة، لأن الله تعالى يقول: ‏

‏(وأنْ ليسَ لِلإنسانِ إلاّ مَا سَعَى)(النجم: 39).‏

نعم، إن الله سبحانه هو خالق كل شيء، من حسنات وسيئات، لأن الخلق يخصّه هو وحده، ولكن المسؤولية تقع على من أراد ‏السيئة.. فهذا النمط من الإيمان هو أساس إيمان المبتدئ.‏

أما وراء هذا فلا يجوز الخوض فيه، أي لا يجوز للمبتدئ الخوض في مسألة القدر أكثر من هذا الحد وليس له أن يلوك مسائله ‏الفرعية بلسانه، لأن القدر مزلّة الأقدام وهو مسألة دقيقة جداً. فقد كان الإمام الأعظم أبو حنيفة النعمان يمنع طلابه من مناقشة ‏مثل هذه المسائل. وعندما كان يُسأل: وأنت لماذا تتكلم فيه. يجيب: "أتكلم خائفاً وكأن على رأسي الطير". ويقصد به: إنكم ‏عندما تتكلمون في القدر تقصدون الغلبة والظهور على خصمكم، ولهذا أمنعكم عن الخوض فيه.‏

إن الدقة المتناهية في هذا الموضوع وحظر الخوض فيه لا يكدر صفاء منطقية المسألة التي بحثت. إذ لا يجوز الكلام كيفما اتفق في ‏مثل هذه المسائل، ولاسيما مسألة القدر، إلاّ من كان حاذقاً ماهراً مهارة الصائغ وحذاقة الكيميائي.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri