| نحو "سلطنة" القلب |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.21 | |
|
بلاد من هذه الأرض الواسعة، وصارت أحياناً من عناصر التوازن. وليس ببعيد أن نشهد أُمما أخرى أمثالها في جديد رؤاها للعالم وزخارف حضارتها وحُلة ثقافتها. وقد طَبعت روما ومصر واليونان والصين والهند وتركستان (باعتبارها مهداً لحضاراتٍ مختلفة) نقوشها في زخارف هذا النسيج المتكامل. أما التمثيل الرفيع للإسلام عنصراً للتوازن قروناً طويلة في قارات عديدة، فهو عمق فريد له مزاياه الذاتية.... وما عرفه التاريخ من السموق إلى القمم والذرى لم يحصل كله مرة واحدة في العصر الواحد. بل ما فتئت القمم والذرى تبدل مواقعها مع السهول والسهوب أو شواطئ البحار، والأعماق السحيقة مع الجبال والتلال، وكما هو في فيزيائية الأرض . فالذين ظهروا على مسرح التاريخ، تفتتوا واندثروا واحداً تلو الآخر، ثم تبعهم الذين جاؤا من بعدهم في التكرار الدائم للتاريخ... والزمان في خضم سيلانه يهدي باقات زهور الإقبال لطائفة، ويطبع أختام الأدبار على طائفة غيرها. فربما قفزت أمم من ذروة إلى ذروة، وربما عجزت أمم أخرى من دس رؤوسها في حفرة تحميها، وقد عاشت كلها في عصر وزمان واحد. ولذلك لا تُعَدّ القرون الوسطى قرونا مظلمة للأمم جمعاء، كما لا يُعدّ عصر التكنولوجيا والعلوم الذي نحن فيه نوراً وضياء للمجتمعات كلها. الدولاب الدائر الدائم لتكرر التاريخ لم يفتر ولم ينِ عن الدوران على غرار واحد من الأشباه وبالمقاييس ذاتها. فظهر التصاعد إلى الذرى هنا أو هناك، وفي عصر أو آخر، لكن لم يحصل السموق أو الهبوط أبداً في قارة بذاتها وفي عصر بعينه بصورة عامة وشاملة. وكذلك هو الحال الذي نحن فيه اليوم أيضاً. فعلى أعتاب القرن الحادي والعشرين، ترى شعوبا في بلاد من الأرض يسابقون العصر ويسبقون غيرهم بأشواط تذهل العقول، فيطئون بقدمٍ القَمَرَ، وبأخرى تابعاً دوّاراً غيره... وبلاداً من الأرض خاب جدها وفألها لا زالت في الظلام، تئن وجعاً في قبضة بداوة وبؤس موروث من ألف سنة. ولن يتغير هذا الحال في الزمن القابل. فمهما انتشرت الحضارات في الأرض، ومهما تطورت التكنولوجيا، فسوف تعمر وترتقي أرجاء بهجرة العقول إليها، وتتزعزع أرجاء بفرار العقول منها. وتبقى أرجاء مركزا في التوازن الدولي، فتتدخل في كل شأن من شؤون البشر وفي كل شئ، وتتعرض أرجاء إلى المداخلة في شؤونها فتهيم على وجهها. وما من سبب يدعو إلى الشك في أن إنساننا، والأجيال الفتية منه خاصة، سيكون فكراً متحكماً في سنوات الألفية الثانية، وفي القابل القريب، إن لم تعصف أعاصير ذارية، وما لم تُبَدَّد المكتسبات المتراكمة حتى الآن بأي وسيلة أو سبب. فإن أجيال اليوم السائرة في الطريق، المشدودة بالتوتر الميتافيزيقي الكامل استعداداً للثأر من الغبن والقهر والظلم الذي أصابها منذ قرون، يبشِّر من الآن ببشائر مهمة عما سيتحقق من تجديدات أساسية في جميع الشرائح والهياكل الاجتماعية في مداخل الألفية الثانية. وحينما يحلّ الموسم، سيمنح الإيمان والعزم والثبات وعشق الحقيقة والفكر المنهجي ثماره (وكلّ طاقة كامنة للقوة في ذاته) فنعيش "حَيَواتٍ بعد الموت" عديدةً تحتضن وحدات الحياة كافة. في زماننا، وإلى حدٍ ما، سوف يرسم فكرُ الإنسان المعاصر ومَبْلَغُه في الثقافة وأعماقُه الإنسانية ورحابه الميتافيزيقية، ملامحَ هذا "الانبعاث بعد الموت" القديم قدم التاريخ البشري وقدره الوضيء السعيد. لقد وجد العصرُ نَفْسَه، حتى بلوغه أعتاب القرن الواحد والعشرين، على سطح مُنحدرٍ من استمرار الرهق والاضطراب والقلق والسقوط. ولئن ساق الحال بعضهم إلى اليأس والانكسار، فقد أيقظ في الذين لم يستسلموا تماماً للظلمات، الغيرة "الملية" ومشاعر الإخلاص، بقدر حرية وجدانهم وصفاء أفكارهم... وإذ أيقظها فيهم، صار وسيلة لنضوج قابليات كثيرة تعدل الدهاء عظمة. وكان له وقع وأثر - كنفخ الصور- في العالم الثالث خاصة، ظهر في حركات أحياءٍ متتابعةٍ. فهذا العصر العفريت الذي كان محضنا لمفاسد لم يُرَ مثلُها حتى الآن كان في نفس الوقت لأمتنا وأمثالها من الأمم منطلقا للارتقاء العمودي وميناء للإبحار نحو آفاق البعث والنهوض. وما ينبغي أن نعمله اليوم هو أن نهرع إلى موقعنا في التوازن الدولي بالشعور الجاد بالمسؤولية وبهويتنا الذاتية ومن غير هدر للزمن. فإن تَلَكَّأنا في تعيين هذا الهدف، فقد نعجز عن إدراك الغد، بله التقدم والتطور! فأمامنا اليوم أحد خيارين: إما الكفاح المصيري في الهمة والإحياء... وإما الاستمتاع بالراحة والاسترخاء والتسليم للموت الأبدي. القرآن الكريم يمدنا بمدد تجديد الذات والحفاظ على جدتنا الذاتية بالعرض المتكرر لقضية أن نكون أو لا نكون! (إن يَشَأ يُذهبكم وَيأتِ بخلق جَديد) (إبراهيم: 14) (إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز) (فاطر: 16-17) (وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم) (محمد: 38) وآيات كثيرة أخرى شرّفتْنا بالنـزول، نكتفي بإيراد هذه النماذج منها للإيفاء بالمقصود. ومن المحتمل بقوة أن الْمَعْنِيِّينَ اليوم بالذهاب والاستبدال في الآيات الكريمة هم الأرواح الميتة وسكان العالم الثالث الذين لم يجددوا أنفسهم وفشلوا في الحفاظ على جِدَّتهم وفرَّطوا في حق إيمانهم وتفحمت عوالمهم الداخلية (مع حفظ معنى إيمانهم بالله تعالى مصانا). أما الآتون من بعدهم، فالمحتمل انهم الجيل الجديد وجيش القدسيين جميعاً، الذين أتموا التحفز والتوتر الميتافيزيقي بطول الشحذ والحد منذ قرون في دنيا المحزونين والمغمومين، والمرشحون للارتقاء بإنساننا المستصغر والمستهان به إلى ذروة قيمٍ فوق القيم. وما فعله الغرب حتى اليوم هو إهمال قيمه الدينية ووصايا حضرة المسيح (عليه السلام)، إذ شنوا الحروب في القارات وأشاعوا الرق والاستغلال أينما حلوا... فلطخوا وجه العالم بالسواد! فعالم الغرب الآن يحلم بالكوابيس تحت أنقاض الدنيا المعنوية التي هدها بنفسه وجعلها خرائب في قلوب البشر، ويسقط في الحيرة والقلق في كل مكان إزاء العقل السليم والفكر الحر... والأنكى للجرح، أن هذا العالم بائس لا حيلة له، ومهزوز، ومرتعش هلعاً خشية صفعات الرأي العام الذاتي المتوقعة لأنه لا يدري عن جزمٍ أين الداء وفيم الخطأ؟! لكنه - إذ يئن في شدة البؤس- لا يعيد النظر في نفسه، بل يكافح في التدافع ليصرف البشر عن متاهات اليوم بدفعهم إلى الترف والسفه واللذائذ الجسمانية. إن هذا العالم يجرب أن يقنع نفسه بالمنجزات العلمية والتكنولوجية هنا وهناك، وان يُسرّي عن غمه بالثروة والراحة حيناً بعد حين. لكن الحقُّ انه لا يمنح سعادة ثابتة ولا يستجيب لميول الأبدية عند الإنسان. ولذلك، ما من شئ يتخذه دواء وعلاجاً، إلا ويزيد في قتام أفق الأمل الإنساني ويلحق بؤساً ببؤسه الروحي. لندع هذا العالم متبختراً بالعلم والتكنولوجيا إزاء الفراغ والغثيان الذي أوجده في الحياة الاجتماعية بنتيجة الخطأ العظيم باعتبار نقطة انطلاقه، وسالياً ولاهياً باللذائذ والأذواق، أو متطلعاً ببصره إلى أعماق الفضاء في افتقاد الروح والمعنى الذي ضيعه عن قلبه، هادراً العمر خلف ضالته في وديان غير الوديان! فنحن نعيش منذ جيلين حَرّ سرور العودة إلى روحنا الذاتية بوتيرة أسرع سيراً وأدق منهجاً مما شهدناه في الماضي. فإن إنساننا الذي اعتاد حتى الآن أن يستغيث بالمادة والماكنة ويقيس كل شئ بالمعايير الجسمانية، استيقظ - وان من غير تمام الوعي- بالصفعات المتوالية للطواطم التي استعبدته منذ قرنين عبودية لا ترضى له عتقا، فخالجه شعور بأنه ضحية في معبر تحولٍ تاريخي... فعلم إن عليه أن يملأ الفراغ المهول بين واقعه وذاته بالهمة والإخلاص والدموع والشعور بالمحاسبة، وزج نفسه في المسيرة بذخيرة العزم والتوكل والثبات. ولن ينتهي الترحال وان انتهت السبل وانقطعت، بعدما قال: "السياحة يارسول الله!"( ) فالمسير الآن إلى الآباد!. وان مصدر قوة روحه اللازم الذي لا فكاك منه في السبيل: اكتشاف حقيقة الإيمان من جديد، واستشعاره في وجدانه، وتربية إرادته بالعبودية لله، ثم دوام انفتاحه على ميول الخير، والإحساس بحقيقة: "لي مع الله وقت وحال" بتعميق شعور الإحسان يوماً بعد يوم، ثم الارتباط الدائم "بالأخرويات" وامتلاك آفاقٍ ميتافيزيقية رحيبة. فان أفلحنا في التزود بمثل هذه الذخائر المعنوية، فلابد ان تهرع إلى الحياة، مع هواتف الربيع عند حلول الموسم، تلك البذور المنثورة بنشوة العبادة في أرجاء الأرض كلها، وتحيي مواسم ورد عديدة دفعة واحدة في مجتمع المغمومين. إن من أجدى الأمور في بناء الجيل الحاضر هو تيسير مجيئهم ورواحهم بين عوالمهم الذاتية وبين الوجود بتحفيز عزم التفكر المنظم فيهم، وتحبيب الإيمان والتعلم والتمحيص والتفكير بتدريبهم على مطالعة الآفاق والأنفس ككتاب مفتوح. فسيحل محل رسالة "التكون من جديد" أن نقدم إلى آفاق مداركهم وعقولهم تلك الملاحظة المذكورة آنفاً بوسائل الصوت والقول والصور، وان نحقق انتقالهم إلى الاتصال بعوالم ارحب أوسع بإنقاذهم من الحبس الضيق للبدن والجسمانية... ثم إزالة الكدر والقسوة في أرواحهم، وعرض اعز آمال طبيعتهم الإنسانية دلالاً وأعظمها جمالاً وفتونا على آفاق قلوبهم المشتاقة إلى ما بعد الآفاق البشرية. وبدهي أن الأرواح التي لم تكتسب خفة بالتصفية بالايمان والمعرفة والمحبة غير قادرة قط على التحليق في سماء ما بعد الأفق. بل دع التحليق في سماء ما بعد الأفق، فتلك الأرواح الجائعة لا تنفك عن التلوث بالرغبات الدنيوية... فتمتلئ قلوبهم وتطفح بالأحقاد والكره... وتهيمن حركة أنفسهم على أنظمة أرواحهم... ولا يزيدون على الأكل والشرب والنوم والجلوس والقيام، فيغدون عبيداً للبدن يأبون الانعتاق! إن المحبة هي الحقيقة الفريدة التي يمنحها الإيمان والمعرفة وتعلق القلب بالله، لروح الإنسان. أما ما ينتزعه منها فهو الحقد والكره والهوى... فان معاني الإيمان والمعرفة والمحبة توحد بين الكون والإنسان... وفي الوقت عينه تنجيه من عذاب الكثرة وآلامها، فتذيب وحدته ووحشته في عالمه الذاتي في إكسير "معية" الحق تعالى، فتقدم إليه الحياة التي يحياها في تذوق يحسوها كأساً فكأسا! فالأجيال المنطلقة إلى الغد، المجهَّزة بهذا الجهاز، والمزودة بهذا الزاد، من اجل الارتقاء بالنوع البشري كله إلى الكمالات الإنسانية، تنتشر وتهاجر إلى جهات الأرض الأربعة بعشق وطيد وشوق رحيب، ومن غير الانسياق لمكسب أو ربح. ومع غلق منافذ الشهرة والحظوظ غلقاً محكماً، ستتحمل أقسى الأحوال، وتنهض بأثقل الأعمال، ثم تغادر ولا تُلْفت جِيداً إلى الخلف ولا تعبأ بحمد أو إطراء. هؤلاء، أينما حلوا، سيصبغون بألوان الاحترام والخشية الطافحة على تصرفاتهم كل عين، وكل قلب، حتى إن لم يتفوهوا بكلمة عن الدين، وان لم يلفظوا بقول عن التدين... وسينفتح كل من يتصل بهم، وفي ظلهم، على آفاق "المعنى" الرحبة والغنية، بدلاً عن حقائق المادة القصيرة بعداً والنسبية حالاً، فيبلغون إلى سعة تتعدى الخيال في الدنيا نفسها، ويتولون "سلطنة" تستعصي على الوصف بالكلام. |
|
| آخر تحديث ( 2006.09.21 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|



