| من عشاق الجهاد |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.21 | |
|
1. سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ان رسولنا الحبيب صلى الله عليه و سلم هو أعظم من بعث رسولاً حظي بالألطاف الربانية من البداية إلى النهاية. فهو صاحب لواء الحمد. وهو المخلوق المتميز بالمغفرة لما تقدم من ذنبه وما تأخر. بمعنى أن الله سبحانه كما لم يقدّر له الذنب قبل رسالته لم بقدّر له الذنب أثناء رسالته كذلك. فهو سيد الأنبياء والمرسلين وهو حبيب رب العالمين بل أحب مخلوق عنده فقد أُعطي له كل شيء حتى لم تبق مرتبة دنيوية أو أخروية إلا أُعطيت له.. ومع هذا كان صلى الله عليه و سلم له طلب و رغبة، نراها في حديث رواه البخاري ومسلم: (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أَغْزُو فِي سَبِيلِ اللهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ ثُمَّ أَغْزُو فَأُقْتَلُ).[1] هذا هو ما كان يتمناه ويطلبه الرسول صلى الله عليه و سلم. تُرى ما حاجة فخر العالمين إلى الشهادة؟ وما الضرورة إلى الرغبة في الشهادة والتوضؤ بدمه الزكي وهو الذي توّج بتاج (لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك) [2] اجل، كان يرغب ويسأل ويطلب لأن الشهادة تحل العقد كلها وتكسب الإنسان في المحكمة الكبرى مراتب رفيعة متميزة. ماهية هذه المراتب نسمعها وندركها منه أيضا: (عن أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إذا وقف العباد للحساب جاء قوم واضعي سيوفهم على رقابهم دما فازدحموا على باب الجنة فقيل من هؤلاء قيل الشهداء كانوا أحياء مرزقين)[3] وعندما يقول الرسول صلى الله عليه و سلم" لوَدِدْتُ أنى اُقتل في سبيل الله ثم أُحيا .." يلفت الأنظار الى هذه النقطة. فإن بين الأنبياء الكثيرين ممن جاهدوا في سبيل الله ولبسوا لباس الحرب فأُكرموا بالشهادة فضلا عن النبوة. وإذا ما نظرنا إلى الرسول صلى الله عليه و سلم بهذا المنظار فكلنا نعلم كيف أن امرأة يهودية في خيبر دعت الرسول صلى الله عليه و سلم إلى وليمة دسّت فيها السمّ فأصاب منه ذلك السمَّ.[4] ولدى بعض مؤرخي التاريخ الإسلامي أنه توفي من أثر ذلك السم. وهذا يعني - من ناحية - الشهادة. أي أن الرسول الحبيب قد توفي شهيداُ. إلا أنه كان يريد أن يستشهد خلف السرايا ولكن الله سبحانه قد وعد بعصمته من الناس لئلا تتفرق الأمة المحمدية . أي انه تعالى قد استجاب سؤاله صلى الله عليه و سلم للشهادة أيضا بشكل آخر. 2. سيدنا عمر رضي الله عنه كل ذي عقل يتمنى الشهادة نتيجة النضال والمجاهدة. فسيدنا عمر رضي الله عنه من هؤلاء. فقد ارتقى منبر رسول الله في المسجد النبوي بعد أبي بكر الصديق وخطب بالناس تحت مشاهدة روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم طوال عشر سنوات. أقول تحت مشاهدة روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم لأن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يمت في نظر عمر. بل بدل غرفة بغرفة. أي انسحب من غرفة عائشة رضي الله عنها[5] الى غرفة السعادة والنور تحت الأرض ويرى من خلفه من عالم البرزخ وعالم المثال. وفي خطبة ذكر سيدنا عمر جنة عدن، واصفا سعتها وأبوابها وأول من يدخلها الأنبياء، ثم أعقب كلامه مباشرة بنظرة لطيفة إلى قبر الرسول صلى الله عليه و سلم مع انحناءة احترام وتوقير قائلاً : "هنيئا لك يا صاحب القبر" ثم استمر في ذكر الداخلين الى جنة عدن وهم "الصديقون" وكذا بالتفاتة لطيفة وانحناءة احترام وتوقير توجه بها إلى قبر أبي بكر الصديق قائلا :"هنيئا لك يا صاحب هذا القبر". ثم قال: يدخل جنة عدن من بعدهم الشهداء - ولعله تذكر ما بشره الرسول صلى الله عليه و سلم بالشهادة عندما كانوا معه على أُحد بقوله :( اثْبُتْ أُحُدُ فَمَا عَلَيْكَ إِلاّ نَبِيٌّ أَوْ صِدِّيقٌ أَوْ شَهِيدَانِ)[6] ولعله تذكر ذلك اليوم المبشّر به فسكت هنيهة.. والجميع يرقبون ما ستتحرك به شفتا عمر من كلام. فقال لنفسه متذمرا: "اين الشهادة منك يا عمر؟" أي هل ستظفر بها؟ أو ما شابه من هذا الكلام. ثم توقف مرة أخرى وباشر كلامه: "إن الله الذي هداك إلى الإسلام ووهبك الهجرة وجعلك من أصحاب النبي ورزقك العيش في المدينة يجعل الشهادة من نصيبك أيضا"[7] كان هذا حلم سيدنا عمر ان يُرزق الشهادة. وهو الذي قال الرسول الكريم بحقه (لَوْ كَانَ بَعْدِي نَبِيٌّ لَكَانَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ)[8] وهو الذي ارتشف بالدرجة التالية من رحيق العلم اللدني الذي ارتشف منه الرسول صلى الله عليه و سلم بالدرجة الأولى. وهو نموذج رفيع لا يضاهى للأمة. ومع كل هذا كان يرغب في ان يرصع بالشهادة تاج المجاهدة والجهاد الذي وضعه على رأسه. ولا نعلم المدة الزمنية بين خطبته هذه وبين الطعنة التي نالها وهو يؤم المسلمين فطرحته أرضاً في الصلاة مضرجاً بدمه. لا يذكر لنا التاريخ عن هذا شيئا جازما. ولربما كان عمر في غضون إيراده تلك الخطبة يعيش أيامه الأخيرة وكان يتمنى الموت ضمنا ويرغب فيه. فلقد بلغ به فراق الرسول الكريم والصديق حداً لا يطاق، فكان يدعو مراراً وبإلحاح: (اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَصلى الله عليه و سلم )[9] يدعو بهذا الدعاء ويتضرع إلى ربه ويبكي والمسلمون وراءه يبكون. وقد استجاب الله سبحانه دعاءه في إحدى صلواته فطُعن فأُكرم عمر بالشهادة.[10] وفي الحقيقة أننا لو أدركنا مدى أهمية دمعتين وقطرتين تسكبان في سبيل الله شوقا إلى العالم الآخر عند مليك مقتدر لرغبنا في اقتناص تلك الحالة بألف شوق وشوق واصطفقنا لها كالحمام. ومعلوم أن هذا أيضا مرتبط بدرجة الإيمان والإذعان. يقول الرسول صلى الله عليه و سلم فيما يخص هذا الموضوع : (عَيْنَانِ لا تَمَسُّهُمَا النَّارُ عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).[11] اجل ان الله سبحانه و تعالي يحب هاتين القطرتين إلى هذا الحد. فالذي يربط محبته بما يحبه الله ويرضاه ويعدّ نفسه لهذا السبيل لا يرغب في شيء من ملذات هذه الحياة الدنيوية ويعزف عن أذواقها الظاهرية. فلا يتذلل أمام مغريات الدنيا، بل يتأهب للعقبى بمشاعره ولطائفه كلها. ومن المعلوم أن هذه الأمور منوطة ببلوغ الإنسان درجة العرفان. وذلك أمر ليس بالسهل واليسير بل هو من أصعب الأمور وأشقها. فالعرفان كما نفهمه هو اشتعال شعلة الإيمان في داخل الإنسان حتى يرى بنور الإيمان العقبى كما يرى الدنيا. فيشاهد ويطالع ما في العقبى كما يشاهد ويطالع ما في بالدنيا. وعندها يتولد في داخل الإنسان شوق عارم إلى الآخرة لا يفضل أي عاقل أي شيء كان على المجاهدة في سبيل الله ولا على الشهادة في ذلك السبيل. فكيف يميل إلى هذه الدنيا الفانية الفاسدة من شاهد الجميل السرمدي و الجمال الأبدي؟ 3. عمرو بن جموح - سعد بن خيثمة رضي الله عنهما الشهادة ضمان الظفر بالخلود. وكان عمرو بن جموح و سعد بن خيثمة من الذين ظفروا في عصر النور بهذا الضمان. كانا طريحي الفراش لا طاقة لهما على السير إلا بالاعتماد على العصا. ولكن ما إن سمعا نداء الجهاد إلا وانتفضا من موضعهما انتفاضة الأسد الجريح وتأهبا للجهاد. خاطب كل منهما أولادهما وأحفادهما قائلا: "لو كان الأمر شيئاً غير الجهاد لفضلتكم على نفسي ولكن الأمر أمر الشهادة ولقاء الله جل وعلا والفوز بالجنة الخالدة. في هذا لا يفضل أحد غيره على نفسه" وذلك عندما قالوا لكل منهما: "أنت مريض طريح الفراش فقد بلغت من العمر عتيا، دعنا نخرج عنك للجهاد". فهذا الحوار جرى في بيتين مختلفين وبين متحاورين مختلفين، ولكن يكاد يكون المعنى واحداً. مع انه لا علم لأحدهما بالآخر. واحتكما معاً إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، اشتكى الشيخان من الشباب قائلَين "ان أولادي وأحفادي لا يدعاني ارزق الشهادة أو أضحي بروحي في سبيلك". ومهما حاول الرسول تهدئتهما إلا أنهما كانا قد سددا نظريهما إلى الجنة فاضطر الرسول صلى الله عليه و سلم في النهاية إلى القول نعم، وهكذا يشترك الشيخان في الجهاد. وبعد ذلك يقول الرسول محدقا ببصره إلى العالم العلوي: "أرى عمرو بن جموح يركض في الجنة وقد سلمت رجله". ووجدا ظهرا بظهر طريحين معا على الأرض.[12] اجل لقد استشهد سعد بن خيثمة وعمرو بن جموح في سبيل الله. والشاهد على هذا رب العزة وسيد المرسلين والملائكة الكرام. فهم شهود جميعاً على انهما قد ضمنا الجنة. وغيرهما يمكن أن يعيشوا بالرغبة نفسها وهم مازالوا في الدنيا، يعيشون والموت والاستشهاد أسمى غايتهم. ولكن كما ذكرنا من قبل ان هذا الأمر مرتبط بالعرفان واتباع الواصلين. فالبكاء هنا ينقلب هناك إلى ضحك وسرور، والقلق والمعاناة إلى الانغماس في الأذواق واللذائذ، والضيق والحرمان إلى مفارقة كل ضيق وحرمان. فعلى المرء ان يدرك هذا جيدا ويلقن نفسه هذه الحقائق دائما. ولهذا فالتنقيب عن وقائع ماضينا سيكون نافعا جدا. وقد أتت إلينا دعوة الإسلام العظيمة منذ الرعيل الأول إلى الآن بهذا الشعور وعلى هذه الشاكلة. نعم إن التضحية بالنفس كانت عندهم رغبةً وعشقاً وتوقاً وهياماً مع انهم كانوا بشراً مثلنا وكانوا يحبون الحياة. ولكن الذي دفعهم إلى هذا السبيل حقيقة أخرى. ولا يمكن إيضاح هذه الحقيقة إلا بانهم بلغوا العرفان. والقران الكريم يغرز فينا هذا العرفان ويعلن انه لا يلحق المجاهدين في مثوبتهم إلا من عمل بمثل عملهم ومن اقتدى بهم في جهادهم وانهم ليسوا أمواتا قطعا بل أحياء عند ربهم بحياة لا ندركها نحن ولا يدركها إلا من بلغها. 4. جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه الشهادة دليل عزة المؤمن. والشهيد يرى من العزة والإكرام في الآخرة ما لضيف عزيز مكرم. وما رآه جعفر بن أبي طالب من الإكرام هو المثال الأنموذج. لقد حارب جعفر بن أبي طالب ببطولة فائقة في مؤتة. حتى يقول الذين كانوا يراقبونه انه لم يلتفت إلى الوراء ولا مرة واحدة. ولما أصبحت فرسه تعيق مبارزته وتعرقل اندفاعه، تركها فورا ونـزل من ظهرها وقطع قوادمها بالسيف وانطلق راجلا يخوض المعمعة ويقابل الموت بصدر رحب وجنان جريء.. حتى فقد ذراعيه واستشهد.[13] وقال الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم في مجلس يضم ابنه عبد الله ليسري عنه: (رَأَيْتُ جَعْفَرًا يَطِيرُ فِي الْجَنَّةِ مَعَ الْمَلائِكَةِ) [14] اجل لقد حظي جعفر بنعمة الطيران مع الملائكة. منسلخا من أوهاق البشرية فأصبح كالملك. 5. أبو عقيل رضي الله عنه أبو عقيل أسطورة بحد ذاته. شهد بدراً، وبعدها شارك في جميع الغزوات مع رسول الله صلى الله عليه و سلم. ولكنه لم يظفر بما كان يتوق إليه ويبحث عنه. وما نال ما يبغيه إلا في اليمامة، في الحرب الضروس مع مسيلمة الكذاب. فكانت اليمامة آخر يومه في الدنيا... وفي الحقيقة ان هذا اليوم الأخير جدير بأن يطلق عليه يوم الخلود. فلقد دبج أبو عقيل بدمه في ذلك اليوم قصيدة عصماء لا يقدر على مثلها أحد من الشعراء. لنستمع الآن إلى الحادثة من إبن عمر: لما كان يوم اليمامة واصطف الناس للقتال كان أول الناس جرحاً أبو عقيل الأنيفي رمي بسهم فوقع بين منكبيه وفؤاده فشطب في غير مقتل فأخرج السهم ووهن له شقه الأيسر لما كان فيه وهذا أول النهار وجر إلى الرحل فلما حمي القتال وانهزم المسلمون وجازوا رحالهم وأبو عقيل واهن من جرحه سمع معن بن عدي يصيح بالأنصار الله الله والكرة على عدوكم وأعنق معن يقدم القوم وذلك حين صاحت الأنصار أخلصونا أخلصونا فأخلصوا رجلا رجلا يميزون قال عبد الله بن عمر فنهض أبو عقيل قومه فقلت ما تريد يا أبا عقيل ما فيك قتال قال قد نوه المنادي باسمي قال بن عمر فقلت إنما يقول يا للأنصار لا يعني الجرحى قال أبو عقيل أنا رجل من الأنصار وأنا أجيبه ولو حبوا قال بن عمر فتحزم أبو عقيل وآخذ السيف بيده اليمنى مجردا ثم جعل ينادي يا للأنصار كرة كيوم حنين فاجتمعوا رحمهم الله جميعا يقدمون المسلمين دربة دون عدوهم حتى أقحموا عدوهم الحديقة فاختلطوا واختلفت السيوف بيننا وبينهم قال بن عمر فنظرت إلى أبي عقيل وقد قطعت يده المجروحة من المنكب فوقع على الأرض وبه من الجراح أربعة عشر جرحا كلها قد خلصت إلى مقتل وقتل عدو الله مسيلمة قال بن عمر فوقعت على أبي عقيل وهو صريع بآخر رمق فقلت أبا عقيل فقال لبيك بلسان ملتاث: لمن الدبرة قال قلت أبشر ورفعت صوتي قد قتل عدو الله فرفع إصبعه إلى السماء يحمد الله ومات يرحمه الله قال بن عمر فأخبرت عمر بعد أن قدمت خبره كله فقال ما زال يسأل الشهادة ويطلبها "[15] 6. عبد الله بن عمرو رضي الله عنه هو والد جابر، حضر جابر إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وقال: "توفي والدي وخلف أيتاما كثيرين عقبه، علي أن أتكفلهم و لا املك ما يعيشهم". فحضر رسول الله صلى الله عليه و سلم بيته ليسري عنه. وكانت ابنة جابر أو أخته في غرفة مجاورة تئن أنينا حزينا يُسمع الرسول صلى الله عليه و سلم: (جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ يَوْمَ أُحُدٍ قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم يَا جَابِرُ أَلا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لأَبِيكَ؟ قُلْتُ :بَلَى .قَالَ: مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا إِلاّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَكَلَّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا فَقَالَ :يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثَانِيَةً.قَالَ: إِنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لا يُرْجَعُونَ. قَالَ :يَا رَبِّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَةَ (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) الآيَةَ كُلَّهَا).[16] 7. حرام بن ملحان رضي الله عنه لا أعلم هل هناك من يجهل بطولات بئر معونة؟ فلقد أرسل الرسول صلى الله عليه و سلم من القراء الى قبيلة عمرو بن طفيل للدعوة والإرشاد، وكان بينهم حرام بن ملحان وهو خال سيدنا أنس وشقيق أم سُليم. كان واحدا ممن عشق رسول الله إلى حد الولـه. وحينما اقتربوا إلى القبيلة خاطب من معه: "لأذهب أنا وتخفوا أنتم هاهنا فإن أنصتوا لما أقول تأتون من بعدي وإن أصابوني بشي تنجون" ورضي الآخرون بهذا الرأي. وهكذا بلغ قبيلة عمرو بن طفيل، فتظاهروا كأنهم ينصتون إليه. وما أن أوضح لهم الحق وبسط الحقائق إلا وقطّعوه بالرماح إربا إربا وطرحوه أرضا غارقا في بحر من الدماء. بيد أنه حظي بنور الآية الكريمة التي سيحظى به كل فرد في الآخرة وهي: (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ )(ق: 22) فكان بصره يرنو إلى جنات النعيم، اذ قال (اللهُ أَكْبَرُ فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة). إلا ان الكفار لم يكتفوا بقتله فحسب بل قتلوا أيضا كل من كان معه من الصحابة الكرام. كان الرسول صلى الله عليه و سلم وقتئذ في المسجد مع أصحابه فأجهش بالبكاء. (عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: جَاءَ نَاسٌ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه و سلم فَقَالُوا أَنِ ابْعَثْ مَعَنَا رِجَالاً يُعَلِّمُونَا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ سَبْعِينَ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُمُ الْقُرَّاءُ فِيهِمْ خَالِي حَرَامٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ وَيَتَدَارَسُونَ بِاللَّيْلِ يَتَعَلَّمُونَ وَكَانُوا بِالنَّهَارِ يَجِيئُونَ بِالْمَاءِ فَيَضَعُونَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَيَحْتَطِبُونَ فَيَبِيعُونَهُ وَيَشْتَرُونَ بِهِ الطَّعَامَ لأَهْلِ الصُّفَّةِ وَلِلْفُقَرَاءِ فَبَعَثَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه و سلم إِلَيْهِمْ فَعَرَضُوا لَهُمْ فَقَتَلُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْمَكَانَ فَقَالُوا: اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا قَالَ وَأَتَى رَجُلٌ حَرَامًا خَالَ أَنَسٍ مِنْ خَلْفِهِ فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ حَتَّى أَنْفَذَهُ فَقَالَ حَرَامٌ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَة.ِ فَقَالَ :رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه و سلم لأَصْحَابِهِ إِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ قُتِلُوا وَإِنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ بَلِّغْ عَنَّا نَبِيَّنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَاكَ فَرَضِينَا عَنْكَ وَرَضِيتَ عَنَّا).[17] وباشر الرسول صلى الله عليه و سلم بعد هذه الحادثة بقراءة دعاء القنوت في الصلاة كل يوم ودعا على أولئك القتلة[18] وقد سمح الله جل وعلا لهذا الدعاء فترة من الزمن حتى نـزلت الآية الكريمة (لَيْسَ لَكَ مِنْ الأَمْرِ شَيْءٌ) (آل عمران: 128) أي أن هذا الأمر يخص الله سبحانه. فهو الذي يتخذ منكم شهداء ويجعلهم أعزاء مكرمين، ويذل الكافر بعذاب خالد في نار جهنم. فالله يمهل ولا يهمل. إذ يعطي الكافر فرصة بالإمهال ولكن إذا ما أخذه لا يفلته.[19] وكم من جبار قصم الله ظهره وكم من ظالم أخذه أخذ عزيز مقتدر وكم من فرعون دمر الله قصوره على رأسه وكم منهم من أغرقهم وكم منهم من انـزل عليهم حجارة من السماء وكم منهم من تركهم تحت النيران ـ كما في بومبي ـ وما نجى جسد بعضهم إلا ليكونوا عبرة لمن خلفهم. فالله يمهل ولا يهمل. والله حليم ولكن عذابه أليم. فالذين أراقوا دماء المسلمين في بئر معونة صاروا حطب جهنم كلهم إلا من دخل في الإسلام. أما الذين استشهدوا هناك فاصبحوا في جنات النعيم. فلئن لم يكن هذا عزا وكرامة فما هو إذن؟ 8. سيدنا حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه أيمكن ألا يُذكر سيد الشهداء وأسد الله حمزة إذا ما ذكر الشهيد؟ عندما خاض حمزة معركة أُحد الحاسمة استشهد شهادة تليق به. لم يحظ شهيد ولا مجاهد بالبطولة والشجاعة بمثل ما حظي به حمزة. فقد قتل في ذلك اليوم ثلاثا وثلاثين كافرا ثم استشهد حسب ما يورده المؤرخون. بمعنى انه قتل ما يقارب نصف قتلى المشركين قبل أن يقطّع جسده أوصالا. كانت صفية أخته تبكي على نعشه المبارك وفي الوقت نفسه ربما كانت تسعى لجمع أوصال جسده. كانت شهادة حمزة تثير أشجان رسول الله صلى الله عليه و سلم من جهة ومن جهة أخرى يثيره بكاء عمته صفية أم الزبير. لم يبق أحد من المسلمين لم يجرح في ذلك اليوم، زد على ذلك تسعة وستين شهيداً. وعندما رجعوا إلى المدينة كان كلٌ يبكي على أقاربه. بكاء على الشهداء وبكاء على الجرحى وبكاء على من مات في بيته من اثر الجرح. ولكن غُفل عن واحد منهم في هذا الهياج والعويل المتصاعد فلم يُذرف الدمع عليه. نعم إنه سيد الشهداء. فهذا المنظر آلم رسول الله صلى الله عليه و سلم كثيراً فقال بقلب منكسر حزين (لَكِنَّ حَمْزَةَ لا بَوَاكِيَ لَهُ)[20]. وما ان سمع سعد بن معاذ هذا حتى جمع نساء الأنصار إلى باب بيت حمزة قال لهن: " ابكوا لحمزة ثم لموتاكم". ثم أصبحت هذه عادة جارية مدة ثم انقطعت. ولو أن المسلمين بكوا لحمزة قبل بكائهم لموتاهم إلى يوم القيامة، لما أوفوا حق أسد الله حمزة...[21] 9. عبد الله بن جحش رضي الله عنه وعبد الله بن جحش أيضاً من عشاق الشهادة. فقد اقتحم صفوف العدو يوم أُحد لما رأى علائم الهزيمة في صفوف المسلمين وبدا التشتت فيها. عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص أبناء أخوال. ويتقابلان عندما اشتد الكرب وحمي الوطيس. يقول سعد بن ابي وقاص : "قال عبد الله بن جحش يوم أُحد: ألا تأتي ندعو الله؟ فخلينا في ناحية فدعوت: "اللهم إذا لقيت العدو غداً فلقّني رجلاً شديداً بأسه، شديداً حَرَده فأقتله فيك وآخذ سلبه." فأمّن عبد الله بن جحش، ثم قال عبد الله: "اللهم ارزقني غداً رجلاً شديداً بأسه، شديداً حرده، أقاتله فيك ويقاتلني، ثم يقتلني ويأخذني فيجدع أنفي وأذنيّ، فإذا لقيتك قلتَ: يا عبد الله! فيم جُدع أنفك وأذناك؟ فأقول: فيك وفي رسولك. فيقول: صدقتَ." قال سعد: كانت دعوة عبد الله خيراً من دعوتي، فلقد رأيته آخر النهار وإن أنفه وأذنيه معلقان في خيط." [22] [1] مسلم، الإمارة 103-106؛ البخاري، الإيمان 26؛ النسائي، الجهاد 18-30. [2] تكلم علماء محققون حول هذا الحديث، فمنهم من أقره ومنهم من ضعفه، ولعل قول علي القاري في شرح الشفا (1/6) يعدّ خلاصة جيدة، حيث يقول:" إنه صحيح معنى ولو ضعف مبنى". [3] الهيثمي، مجمع الزوائد 10/411؛ المنذري، الترغيب والترهيب،2/318. [4] انظر أبو داود، الديات6. [5] المسند،6/89؛ ابن سعد، الطبقات2/229. [6] البخاري، فضائل أصحاب النبي 6؛ أبو داود،السنة 8. [7] انظر الهيثمي، مجمع الزوائد 9/54؛ علي المتقي، كنـز العمال14/645. [8] الترمذي المناقب 18؛ الهيثمي، مجمع الزوائد9/68. [9] البخاري، فضائل المدينة ( الحج) 12؛ ابن سعد، الطبقات3/331؛ أبو نعيم، حلية الأولياء1/53. [10] إبن الأثير، أسد الغابة،4/178؛ ابن سعد، الطبقات،3/354. [11] الترمذي، فضائل الجهاد، 12؛ علي المتقي، كنـز العمال،3/141. [12] الهيثمي، مجمع الزوائد،9/31؛ ابن الأثير ، أسد الغابة،4/208؛ المسند 5/299. [13] انظر أبو داود، الجهاد،59؛ ابن الأثير، أسد الغابة،1/343 [14] الترمذي، المناقب،29؛ الواقدي، المغازي، 2/767 [15] الكاندهلوي، حياة الصحابة ،1/803؛إبن سعد ، الطبقات،3/474-475 [16] ابن ماجة، الجهاد،16؛ الترمذي، التفسير 3/18؛ البيهقي، دلائل النبوة، 3/298؛ ابن الأثير، أسد الغابة، 3/34) [17] احمد بن حنبل ، المسند3/270؛ إبن سعد ، الطبقات3/514؛ سيرة الحلبية3/169. [18] انظر مسلم، الإمارة، 147؛ البخاري، المغازي، 28؛ ابن كثير، البداية، 4/71-72 [19] انظر سورة المزمل:11-13 [20] إبن ماجة، الجنائز، 53؛ المسند،2/40 [21] انظر إبن ماجة، الجنائز، 53؛ المسند،2/40؛ ابن سعد ، الطبقات،3/17-18؛ ابن الأثير، أسد الغابة،2/53 [22] انظر إبن الأثير، أسد الغابة،3/195؛ الهيثمي،مجمع الزوائد،9/301 |
| < السابق | التالى > |
|---|



