الجهاد يحول دون الذل و الهوان طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.21

المؤمن إنما يعزّ بما يقدمه من جهاد داخلي وخارجي. وحينما يترك ما يترتب عليه من واجب، وتستهويه لذائذ الحياة وينحصر همّه في أذواقه الشخصية، يفقد المهابة والعزة، ويذل ويهان. فالرسول الكريم صلى الله عليه و سلم يقول: (..وَتَركْتُمُ الجِهَادَ سَلّط اللهُ علَيْكُم ذُلاً لاَ ينـزعه حتى ترجعوا إلى دينكم).[1]

وهذا يعني أن الحياة العزيزة إنما هي في تحمل بعض المشقات باسم الجهاد. والأمة عموماً تستحق هذه الحياة العزيزة عندما تقاوم وتثبت تجاه تلك المشقات. فلو ترك كل فرد منها الجهاد منغمساً في لذائذ حياته الشخصية عندئذ يحل العذاب الإلهي العام عليها فيصيب الظالم والمظلوم والبريء والمذنب. ولهذا لابد للأمة من التمسك بالجهاد ككل، كي تحول دون نـزول البلاء عليها بساحتها.

وأريد أن أبين هنا حديثاً شريفاً عن سيد الكونين صلى الله عليه و سلم وهو:

(إذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأخَذْتُمْ أذْنَابَ الْبَقَرِ وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاً لاَ يَنـزعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إلى دِينِـكُمْ)[2]

وقد فسّر (العينة) بالبيع و بشكلين:

أولهما: هو شراء بضاعة من أحدهم ديناً، وبعد ذلك بيع البضاعة نفسها بثمن أقل إلى صاحبها الأول نقداً. والغاية من هذا البيع هي: ان الشخص محتاج إلى نقود، وحيث إن أخذ النقود ودفعها بزيادة هو ربا. فيتوسل بالعينة لئلا يكون رباً واضحاً. ويمكن أن نوضح ذلك بمثال: لنفرض أن أحدهم بحاجة إلى ثمانمائة ألف ليرة، فيبتاع بضاعة من شخص بمبلغ مليون ليرة ديناً، ثم يبيع البضاعة نفسها إلى الشخص نفسه بقيمة ثمانمائة ألف ليرة نقداً. فالظاهر أنها عملية بيع وشراء الاّ أنها عملية لا تفترق عن الربا، فلا تجوز قطعاً.

أما ما قبله أغلب الفقهاء من التفسير الثاني (للعينة) فهو:

ان العينة عبارة عن تطبيق للبيع المؤجل. مثال ذلك: يأتي المُدان إلى المدين ويبلّغه انه لايتمكن من دفع الدين لهذا الشهر. فيضاف مباشرة فرق الأجل إلى دينه.

فالرسول صلى الله عليه و سلم يشير في هذا الحديث بتفسيريه معاً إلى سوء الاستعمالات في الأمور التجارية، ويقول متى ما استولى عليكم سوء الاستعمالات هذه فانتظروا الذل والخنوع.

أما الشطر الآخر من الحديث الشريف (وأخَذْتُمْ أذْنَابَ البَقَر ورَضِيتُمْْ بالزَّرْعِ) فلا شك أن النقد الموجّه ليس إلى الزراعة، لأن الرسول الكريم يقول في حديث آخر (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ اَحَدِكُمْ فَسِيْلَةٌ فَاِنِ اسْتَطَاعَ اَنْ لاَ يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)[3] وكذلك هو القائل (مَنْ أحْيَا أرْضاً ميتَةً فَهِيَ لَهُ).[4]

بمعنى أن الإسلام لا يطيق صبراً على أرض ميتة. فلابد أن تستغل وتحيا. أي أن الحديث الشريف يشير إلى اختلال التوازن. لأن شريان الحياة الاقتصادية هو الإنتاج، فإذا ما حُصر الإنتاج في الزراعة وحدها وأُهملت التجارة والصناعة، معنى ذلك حدوث الخلل في الإنتاج. وإن التصور بحصول التقدم بالتوجه إلى الصناعة وحدها أو إلى التجارة وحدها ليس إلا تعبيراً عن الخلل نفسه. ولهذا فالأمر الأساس هو إعطاء كل ساحة ما تستحق من الاهتمام وبذلك يضمن التوازن في الإنتاج.

ومن المعلوم أن الزراعة تكون في القرى، فأهل القرى إذا توجهوا جميعهم إلى الزراعة يعنى ذلك توقف تقدم المدن كلياً. وتوقف التوسع في المدن يؤدي حتماً إلى موت التجارة والصناعة. ونقيض هذا هو زحف أهل القرى جميعهم - تاركين مزارعهم - إلى المدن الكبيرة والذي يولد خللاً آخر. وما نراه في وقتنا الحاضر من توسع المدن الكبيرة بسرعة هائلة وحدوث مشاكل متناسبة مع تلك السرعة، وإخفاق الخدمات سواءً تحت الأرض أو فوقها وانتشار العطالة إلى أقصى حد.. كل ذلك ما هو إلاّ بضع أعراض للخلل.

انه لا مفر من أن نكون تحت رحمة أعدائنا دائماً إن كانت النهضة والتقدم غير متوازنين وظل قسم من الحياة الاقتصادية مرتبطاً بالخارج. حيث أن المؤسسات الصناعية المرتبطة بالخارج، والأمتعة التجارية المرتبطة بالخارج، والمنتجات الزراعية المرتبطة بالخارج.. كل ذلك عناصر تهديد للحياة الاقتصادية. معنى ذلك أن الأصل هو إحداث التوازن في جميع الميادين.

وحيث إنه لم تحدث في عهد الرسول صلى الله عليه و سلم مشاكل الهجرة إلى المدن بسرعة، لذا أشار الحديث إلى الخلل الاقتصادي بحصر النظر في الزراعة فحسب. أما في وقتنا الحاضر فقد جلبت الهجرة إلى المدن بكثرة وبسرعة مشاكل وأزمات حديثة. لذا فإن فكرة العودة إلى القرى أو الاستقرار والإسكان فيها إحدى الحلول التي تفرض نفسها، وهو المفهوم من الحديث الشريف.

من جهة أخرى فالحديث ينطوي على انتقاد الرجوع إلى البداوة أو الإصرار في البقاء على البداوة، بعد التحضر. فهذا كله يورث المجتمع الذل والهوان.

أما الأمر الثالث الذي يفهم من الحديث الشريف وهو (وتركتم الجهاد) اي عندما تنغمسون في أموركم الخاصة وتخلدون إلى الراحة، فإن الذل والهوان ينتظركم. أي كما إذا اسودّ وأظلم هواؤكم المادي، فهواؤكم المعنوي أيضاً سيسودّ، وتنكدر النجوم في سماء روحكم، وينخسف قمركم وتنكسف شمسكم. أي لا تسمح لكم الشريعة الفطرية بالعيش على وجه الأرض.

فالله سبحانه وتعالى لا يرفع ذلك الهوان منكم مهما حاولتم في دفعه ومهما توسلتم وتضرعتم اليه ما لم ترجعوا إلى الدين.

ترى كيف يكون الرجوع إلى الدين لأمثال هؤلاء؟ إن علينا وعلى كاهلنا في الوقت الحاضر حقوقاً هائلة تراكمت منذ عصور. فنحن في هذا العصر لم نوف حقوق أنفسنا بعدُ ناهيك عن الحقوق الأخرى. وكذا لم يتحقق في هذا الوقت ما ينتظره منا أهلنا وأمتنا وجيلنا من أمور. فلقد تراكمت على ظهورنا الضعيفة آثامٌ كثيرة وكثيرة جداً. فالمسلم المدرك في القرن العشرين ينسحق تحت هذه الآثام. نعم إنها ليست مسألة هينة، بل عسيرة و جادة. لأن في آذاننا صرخات انهيار منذ ثلاثة قرون، فلن تهدأ هذه الصرخات بمعاناة ربع قرن فحسب. ولاشك أن المسؤول الأول في تردينا إلى هذا الوضع هو أنفسنا نحن. فلا نجاة إلاّ بأنفسنا كذلك. فسوف نضغط على أنفسنا، ونضرم مشاعلنا بأيدينا ونتوجه إلى عناية الله، ونحقق هذا التوجه قولاً وفعلاً، فبمقدار قيامنا بهذا العمل تفتح أبواب الرحمة، فتنتشلنا يد الرحمة مما نحن فيه من وضع أليم ونصل بإذن الله إلى ساحل السلامة.


[1] أبو داود، البيوع 54. المسند، 2/42.
[2] نفسه
[3] المسند، 3/191
[4] البخاري، الحرث 15. أبو داود، الأمارة، 37.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri