في طريق الأبدية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.25

وجودنا مســــتمد من وجود الخالق تعالى، وعظمته تحيط بالكون وبالكائنات، ونوره يتألق في كل شيء. السماوات ‏والأرض لمعة من بريق نوره، والوجود كله عبد خاضع لديه. هو المحراب الأبدي لكل قلب واصل إلى الحقيقة... هو الوجود ‏الوحيد للأولياء العارفين الذين سموا بأحاسيسهم إلى الأعالي... هو القبلة الوحيدة... مجنون من تركه وتوجه إلى غيره... ومخدوع ‏من شكى حاله لسواه... من ترك بابه خسر خسراناً أبدياً وضل طريقه... القلوب التي لم تتنور بنوره تركض وراء السراب، ‏وتتعب دون جدوى... الكون مضاء بنوره ومنقلب إلى كتاب... والزمان يغدو بالأنفاس السحرية اللاهثة في طريقه من كونه شيئاً ‏نسبياً ويكتسب معنى وقيمة.

‏* * *‏

هو الذي أوجد الأشياء وقدرها تقديراً وجعلها تتكلم بألف لسان ولسان.. لولاه لما وجد أي شيء من نفسه، ولولاه لما انتظم ‏أي شيء... بعنايته تحول الكون إلى إنسان، والنظام إلى لسان ولغة. كل شيء يهمس به، وكل شيء ثمل بجماله. إن لم يكن ‏الوجود مرآة له فما فرقه إذن عن حديد صديء؟ وهل يكون الإنسان إنساناً إن لم يذكره ويعرّفه؟ آه أيتها الأرواح المظلمة! وآه ‏أيها الصُمّ عن صراخ القلوب! متى سينتهي لهوكم بالدمى، والى متى ستغمضون عيونكم عن الحق؟

‏* * *‏

ولأن الإنسان ألفى نفسه موجوداً في عالم تحيط به المادة من حواليه، وجد نفسه يؤمن أول ما يؤمن بما يصل إليه من هذا العالم ‏بوساطة حواسه الخمسة، ثم يقوم بتفسير معاني الأشياء ويكسر القيد الحديدي عن عنقه ليرى الحقيقة الموجودة في قلبه. ولكن هناك من ‏يبقى طوال حياته أسيراً لهذا الطوق الحديدي حول عنقه فلا ينجح في التقدم خطوة واحدة إلى الأمام. لذا كان علينا عندما نتناول ‏الأشياء المحيطة بنا أن نقرأها ككتاب وأن نستمع إليها كنغمة ونشيد. في هذه القراءة والاستماع علينا ألاّ نغفل عن كاتب هذا الكتاب ‏وملحن وقائد أوركسترا هذا النشيد، وإلا فإن الغافلين لا يسمعون أنفاس الحقيقة ونبضها في قلوبهم. ومهما غرقوا في الأدلة المستقاة ‏من دراسة الكون فلن يستطيعوا معرفته، ولن يستطيعوا المثول بين يديه. والأرواح البائسة التي لا تستطيع -ببيانه وبكتابه تعالى- رفع ‏الأستار عن عيونها وآذانها لا تستطيع الارتفاع لمعرفة الحقيقة في وجدانها، أي لن تستطيع معرفته... معرفة كاتب كتاب الكون.‏

‏* * *‏

يا من وُجدنا بوجوده وتنورنا بنوره! يا صاحب الرحمة اللانهائية الذي أنقذنا برحمته من ظلمات النفس الأمارة! لو لم يكن ‏نورك الأزلي الذي تنورت به الكائنات لما استطعنا رؤية أي شيء على حقيقته، ولما استطعنا إصدار أي حكم صائب. وُجدنا جميعاً ‏بعنايتك أنت، فلتكن عنايتك معنا... تعلمنا الحقيقة من علمك، ولو لم تتلطف بإلهام أرواحنا عن وجودك كيف كنا نعرفك؟ ومن ‏أين كنا ندرك وجودك؟ وكيف كنا نصل إلى الاطمئنان؟ ‏

‏* * *‏

جعلت كل موجود لساناً، ومن بين هذه الألسنة جعلت الإنسان بلبلاً، فلا عدمنا من يعرّفك! أجل نثرت الآيات التي تتحدث ‏عنك في كل أرجاء الكون، وجعلتنا نقرأ هذه الآيات، وأَسْمَعْتَ قُلوبنا صَوْتَ الحقيقة، فبدأنا نحدس بفضل هذا العلاقة بين الموجد ‏والموجود... بين الخالق والمخلوق... وبشوق وفوران هذه الحقيقة في قلوبنا بدأنا نرتفع نحوك، ونتخلص من ظلام النفس ومن ‏دوامات الرغبات الجسدية ونصان منها.‏

عندما عرفناك وصلنا إلى لب المعرفة وأدركنا سر الجمال الذي نقشته في روح الأشياء. لذا فإن كنا نحدس الحكم الموجودة في ‏سيماء كل وجود، ونسمع في كل صوت في الطبيعة موسيقى ساحرة ونغمات حلوة فكل هذا بفضلك أنت... نثرت اللوحات ‏الرائعة للجمال الموجود في الكون، أي في كتابك المذهل، فأثرت قلوبنا بالوجد. وفككت عقال ألسنتنا أمام هذا الجمال الذي أنت ‏صاحبه، فسالت منها روائع البيان. ولو تأملنا جمال كتاب الطبيعة الذي لا مثيل له مئات المرات، واستمعنا إلى النغمات التي تهمس ‏بوجودك مرات ومرات، وعرضنا ذلك بوجد على المشاهدين المشتاقين إليك، لما ارتوينا من هذا العالم النوراني، وبقينا في شوق ‏لسماعك والإنصات إليك، وبقينا في لهفة وفي وجد إليك وحدك.‏

‏* * *‏

يا سلطان الوجود الذي جعل قلوبنا عارفة بصور جماله الخفي! كم ألف مرة حاولوا أن يعرّفوك من الأمس حتى اليوم، وكم ‏كأسا من كؤوس كوثر حبك قدموا لعطشى حبك! ولكن أيمكن لصاحب هذا الصوت الخافت، ولصاحب نغمة هذه الربابة ‏المكسورة في هذه اليد العاجزة أن يقول شيئاً بجانب النغمات السحرية لتلك الأرواح المشعة نوراً من سالكي الطريق الموصل إليك؟ ‏ولكننا نلوذ بحمى لطفك ومسامحتك وبكرمك الذي أعطى للجميع حرية الكلام والحديث. لذا أقبلنا على بابك الواقف أمامه أمراء ‏البيان والبلاغة ونحن نخفي من الحياء وجوهنا بنقاب ونقول: "هذه هي بضاعتنا المتواضعة من النغم..." نقول هذا ونطلب العفو ‏والصفح.‏

ومع هذا، فإن الكلام الحقيقي في هذا الموضوع يعود أيضاً إليهم. نحن نعترف بهذا مرة أخرى، فبجانب بيانهم الذي يشبه ‏الشلال الهادر نحاول نحن أيضا الحديث عنك وعن قدرتك وحكمتك اللانهائية.‏

لقد استمعنا حتى الآن إلى بعض المرشدين إليك، وأنصتنا إلى أصواتهم، وحاولنا فهم إشاراتهم. ومن خلال النوافذ التي انفتحت ‏في قلوبنا وبالإشارات المختلفة الواصلة إلينا من هؤلاء المرشدين نحنّ إلى أن نراك في كل شيء، ونسأل عنك كلَّ شيء، ونرتفع ‏إليك من طرق مختلفة.‏

نوّر أعيننا وبصائرنا بنورك واشف صدورنا. وَهَبْ السعادة الأبدية لنا... لعبيدك الذين لا يريدون العتق من العبودية... وعرفهم ‏بنفسك أكثر لكي يدلوا الحائرين إلى طريقك وينجدوهم. فالعفو يليق بك... والإرشاد إلى طريقك يليق بهم...‏
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri