الجهاد منبع حياة لا موت فيه طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

انه لحقيقة لا مراء فيها أن الذين يستشهدون في سبيل الله أحياءٌ يُرزقون، والدليل على هذا آيات كريمة كثيرة وأحاديث شريفة كثيرة وحوادث تاريخية لا تحصى.

فمثلاً: سليمان شاه الذي كان من سادات العثمانيين ومن المجاهدين الأوائل، وهو الأخ الأكبر للسلطان مراد، كان المتوقع أن يتولى الحكم بعد والده، ولكنه كان يتولى تنظيم الهجمات والغارات على أوروبا ويقتحم البيزنطة من قبلها. وقد وفق إلى عبور جناق قلعة بالقوارب إلى جهة أوروبا وسيطر على غالي بولي، وضمّها إلى حكمه وتقدم حتى بلغ "بولاير" وكان الناس جميعاً يترقبون يوم توليه الحكم، إلاّ أنه استشعر في وجدانه بما يشبه بشارة من مكان قصي.. فجمع رؤساء المجاهدين الغزاة وخاطبهم: إذا مت في يومي هذا، فلن يفوت البيزنطيون الفرصة على أنفسهم، وسيعيدون الكر على المواضع التي فتحناها، فوصيتي إليكم أن تجتمعوا على جنازتي يداً بيد، وتهجموا على العدو هجمة رجل واحد متوكلين على الله، مستندين إلى رسوله. وإياكم والتخلف عن الجهاد.

فلما أبكر عثرت قدم فرسه في حفرة، فوقع رأساً على عقب واستشهد. فوقع كما قال، واجتمع الرؤساء على جنازته وأغاروا على العدو غارة رجل واحد فشتتوا جنود البيزنطيين أي تشتيت حتى لاذوا بالفرار. و قالوا لجنود المسلمين بعد مدة: كان يتقدمكم في كل هجمة فارس شاب طويل القامة بعمامة خضراء صارم السيف، يشتت الجنود يمنة ويسرة.

وهذا يعني: أن الله سبحانه و تعالي كما وَكّل مَلَكاً كريماً يحارب بدلاً عن سيدنا مصعب بن عمير رضي الله عنه بعد استشهاده في أحد،[1] وكما انه سبحانه و تعالي يديم معركة سيدنا حمزة رضي الله عنه العظيمة إلى يوم القيامة، كذلك يديم أعمال سليمان شاه الذي أراد إبلاغ اسم الرسول صلى الله عليه و سلم إلى قلب أوروبا، حالما توفى. ذلك لأن الشهداء أحياء بنص القرآن الكريم.

وقد عبّر عن هذا أيضاً "هاملتون" قائد الجيش البريطاني في معارك جناق قلعة حيث قال: "ما كنا نهرب من حرابكم وبنادقكم بل ممن يتقدمونكم من شبان يافعين ذوي عمامات خضر، لا تؤثر فيهم قذائف المدافع وطلقات البنادق". فالشجعان الذين عبّر عنهم هاملتون هم أرواح الشهداء.. أولئك الأحياء دوماً حيث بلغوا مرتبة عدم الموت.

نعم, إن المؤمن بعدما رضي أن يموت عزيزاً، فان عزته ستدوم إلى يوم القيامة كراية خفاقة باسم الدين الذي آمن به.

نعم, إن موتاً كهذا لا يحظى به إلاّ من استحقر الحياة وابتسم في وجه الموت، كأولئك الأبطال أبناء الأبطال.. فالجهاد حظ أولئك الأطهار القدسيين الذين ولدوا أطهاراً، فلا يسعهم فخر الأمة وعزتها قبراً بل يدفنون في قلب الأمة الإسلامية.

والله تبارك وتعالى يقول: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لاَ تَشْعُرُونَ ) (البقرة: 154).

نعم, لو رفعت الغشاوة عن الأبصار سيتيقن كيف ينعم الشهداء في العالم الآخر. وإذا ما اَمْكَن الإتصال بأرواحهم ومخاطبتهم والتحدث معهم، سيشهد بكاءهم على الأحياء. فنحن نبكي وراء الشهداء ونرقّ على اَيتَامهم الذينَ تركوهم، بينما هُم يَبكُونَ على الوضع الأليم لأهل الدنيا، وعلى الدنيا التي أصبحت صنماً يُعبد من دون الله. وعلى الحياة التي غدت تمضي في رخاء وراحة ملفعة بالذل والبؤس، وعلى القعود عن الجهاد في سبيل الله، وعلى التكاسل عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى الليالي التي تمضي سوداء مظلمة، وعلى السجاجيد التي لم تبتل بالدموع الغزيرة, وعلى عدم الانكسار لوضع المسلمين الأليم. وفي الحقيقة أن الشهداء في عيش رغيد وحياة ملؤها السعادة والطمأنينة، أليسوا في كل لحظة مع الله سبحانه و تعالي؟ أليست حياتنا المعاشة كالجحيم التي نعيشها قياساً بحياتهم الخالدة؟. إن هذه الحياة التي أصبحت وسيلة لدخول الشيطان فيها لإبعادنا عن الله جلّ وعلا، هي حياة يرثى لها، وصعب تحمّلها، ولكن كم هو مؤلم أننا نعيشها بلهفة وحرص ورغبة!


[1] ابن سعد، الطبقات، 3/121. الواقدي، المغازي 1/234

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri