عندما تنبض القلوب برقة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 4
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

تقوم الأيام والليالي المباركة بإعطاء كل شيء ولكل شخص طعمها ولونها ونكهتها الخاصة بها. وتضيف إلى كل شيء رفقا وليونة، ‏وتسوقه إلى عالم من الخيال، وإلى أعماق تتجاوز تصوراتنا. ففي كل مكان... في السوق والمدرسة... في المعبد والمعسكر... يُحدَس ‏سريان سحر عميق في سماء المؤمنين، حيث يبرق جو الآخرة، وتلتمع المحبة الإلهية في العيون. وفي ساعات الليل بالأخص تبتسم الأضواء ‏الملونة في عيوننا، وتهمس لنا نغمات بُعد آخر من أبعاد الوجود. وكل وجه نراه في البيوت أو في المعابد أو في أماكن العمل يبدو لنا ‏وكأنه يعيش رحلة وصال وعشق ممض، ويتماوج من حين لآخر مع الأماني والآمال، ثم يتحول إلى شلال من العواطف التي تجري ‏لتصب في اللانهاية.

وكلما فارت مشاعر العبادة والطاعة في أنفسنا تفور معها قابليتنا في العيش والشعور بالأشياء على نحو آخر، وتسحبنا إلى أغوارها ‏البعيدة. في مثل هذه اللحظات والأوقات تضعف روابطنا الجسدية والجسمانية، وتتخلص أرواحنا من همومها ومشاغلها اليومية، ونحس ‏أننا ارتفعنا وسمونا إلى ذروة نراقب منها الوجود بأكمله. هنا نقوم بحب واحتضان كل شيء... الجبال والسهول والأودية... البيوت ‏التي نشأنا فيها... بيوت العبادة التي تهيأنا في جوها للآخرة... نحتضن ونحب كل شيء ونعب منه ونتنفسه... الحي منه والجماد، لأن ‏كل شيء وجه من وجوه الجمال الذي خرج وانساب من يده تعالى.‏

في هذه الأيام والليالي التي تولد كطوفان من النور، يظهر نوع من العشق والمعرفة اللدنية في أحوال المؤمنين العامة عند قيامهم ‏وقعودهم. والأشواق الروحية التي تتغذى بالإيمان وبالمعرفة وبالعشق تتجاوز وتتقدم على جميع اللذائذ والأذواق المادية، ويبدأ كل ‏واحد بالتوجه نحو أفق مقدس من المعرفة حسب ما يملك من قابلية للعرفان. وفي هذا الطريق يصل في نهاية المراحل التي يقطعها في ‏كل يوم إلى وصال صغير ليتوج به سفره المبارك هذا. والذين يغذون أرواحهم كل يوم بمثل هذا الوصال، ومن الخيالات المتداعية ‏المترافقة لجميع هذه الوصالات وللوصال الكبير، ومن أنواع الجمال المتدفقة إلى مشاعرهم، ومن براعم الأمل النابتة في صلب ‏عباداتهم، ومن الأذواق الروحية التي يحصلون عليها من المعاني الهادرة من القلوب والعيون المؤمنة، يرجعون لأنفسهم، وينغمرون مع ‏هذه المعاني في صمت مهيب، حيث يَدَعون أنفسهم لأحلام الوصال الكبير الذي سيتحقق في ذلك العالم الآخر، ويتخيلون أنفسهم ‏وكأنهم يسبحون في نهر ساحر، وأنهم أبحروا إلى ما فوق الزمان.‏

هؤلاء السعداء الذين وصلوا إلى بحر السعادة واللذة والشوق الذي يبحثون عنه، يحسون في كل آن، ويرون أنواعا من الجمال ‏اللدني الساحر في منافذ قلوبهم، والأزهارَ المفتحة التي هي من تجليات نظر المحبوب سبحانه وتعالى، ويحسون بها وكأنها حزم منعكسة ‏من جماله... يحسون بهذا فيتخيلون وكأنهم في حديقة عامرة بأنواع الثمار والفواكه، وبأنواع الزهور والورود... والنسيم الرقيق يهبّ ‏عليهم من كل جانب... وكلما قطفوا ثمرة أو وردة أحسوا بدفء الأمل في الألطاف التي يعدها المعبود تعالى-الذي عبدوه طوال ‏حياتهم، ووضعوا جباههم على عتبة بابه- لهم في المستقبل، فيكادون يغيبون عن وعيهم... كأنهم يحدسون بموجات من نسائم وعود -‏في بُعدٍ آخر غير هذا البعد الدنيوي- لبعض النعم التي لم يصلوا إليها، وبعض المكافآت التي لم يحصلوا عليها، فيحسون في عالم ‏مشاعرهم وكأنهم يحتضنون الرحمة والشفقة العميقة والأزلية للرحمن الرحيم. وضمن هذه الحالة النفسية والروحية يحسون بالحياة ‏بشكل مختلف، ويحبونها بشكل أعمق، ويحتضنون بكل لطف ورقة كلَّ شيء مرتبط به تعالى. ‏

الرجال والنساء... الشباب والشيوخ... العالمون وغير العالمين... العارفون وغير العارفين... ترى في أحوال كل هؤلاء وفي ‏تصرفاتهم في ليالي هذه الأيام المباركة وفي أنهرها ظرفا يفوق ظرف ما جاء في الأساطير وفي القصص، حيث يلتحفون بالجمال ‏المعنوي لهذه الأيام المباركة، وتصطبغ وجوههم بمهابة الإيمان على وجوههم وهم يتطلعون إلى الأضواء الآتية من وراء أفق هذا ‏العالم، ويخلفون وراءهم في كل شيء لونهم ورائحتهم، وينتقلون في أعماق مشاعرهم إلى عالم الآخرة، ويذوبون فيه ويكادون ‏يقتربون من الملائكة. ويكاد الإنسان يلمح في وجوههم بسمات أضواء القناديل المضاءة في الأزقة وبين مآذن الجوامع ونظراتها ‏ومشاعرها المنثورة مثل اللآلئ، فيخيل إليه أنه يرى أمامه الوجوه المباركة للأصفياء الموجودين في خياله.‏

أجل!.. قد يكون أصحاب هذه الوجوه الصبوحة- التي يتماوج فيها الإيمان والعشق والرغبة ولذة الوصال- والمشتاقون ‏والمعجبون والسعداء صامتين، ولكن المعاني المنبثقة عن أرواحهم، والمنعكسة على سلوكهم وأطوارهم ونظراتهم تبدي بعدا لاهوتيا ‏يصعب الوصول إليه، ويكاد يسحر الموجودين حواليهم ممن يملكون ما يكفي من رهافة الحس.‏

يتخلص بعضنا في مثل هذه المواسم من الحدود الضيقة للمنطق فيدع نفسه في يد الفرح والانفعال والبكاء وكأنه قد دُعي لعالَم ‏قدسي... ويتخيل بعضنا بأنه قد تهيأ لسفر بين النجوم وأنه يسابق الشمس والقمر، ويحسب أن أنفاسه تختلط بأنفاس الملائكة، إلى ‏درجة أن قلوبنا تلين إلى أقصى حد، وتدمع أعيننا، ونشعر بأن العديد من عُقَدنا التي نحس بوجودها في أنفسنا قد لانت وانحلت. ‏أما دموعنا المنسكبة فتبدو وكأنها تطهر جميع العقد الموجودة في أعماق أرواحنا، وتهب الراحة والاطمئنان لضمائرنا.‏

يبدأ كل واحد منا -حسب سعة المعاني التي تملأ قلبه- بالإحساس بمعان عميقة لم يكن بإمكانه الإحساس بها من قبلُ، وذلك ‏بسبب الضغوط الجسمية والمادية عليه. يشب الشباب بعواطف قوية كأنهم يدفعون ضريبة الشباب والعنفوان... أما الكهول ‏فيحاولون أن يكونوا أكثر عطاء وكسبا استنادا إلى ما اكتسبوه من حيطة من تجاربهم الروحية والمعرفية... أما الشيوخ فتهتاج ‏عندهم مشاعر التهيؤ للأبدية وللسعادة الأبدية التي تنتظرهم، وللعالم الذي تطير فيه الأرواح... أيْ يفتح الجميع عيون قلوبهم ‏ومنافذها، فكأن كل واحد يستمع إلى ما لم يسمعه جيدا من قبلُ حول قدره ومصيره. يفرح لحظه الحسن، أو يغتم لحظه النكد، ثم ‏يتطلع ويرمي بنظره بأمل إلى المستقبل، وتتعمق في وجوههم خطوط المعاني. أما الأصوات المرتفعة من المآذن والجوامع المعلِنة ‏للشعائر الإسلامية فتزيد الجو العام لذة أخرى وغنى آخر، إلى درجة أن كل شيء... من الريح التي تهب، ومن المطر الذي ينهمر، ‏نحس بأنه يحمل عطر نفحات إلهية تمس وجوهنا، وتترك في قلوبنا إكسير الخلود. أما نسيم السَّحَر... آه من نسيم السحر!.. إنه ‏يهبّ كنفَس من اللانهاية، ويثير قلوبنا ويجعلها تنبض بقوة وكأنه يحمل لطفا وفضلا، لأن هذه الدقائق السحرية التي نتوجه فيها ‏نحوه تبدو لنا -بفضل إيماننا وعشقنا وآمالنا- وكأنها عصارة الحقيقة الأبدية، فتنسكب على قلوبنا، وتنبت في أعماق أرواحنا براعم ‏فواكه شجرة طوبى، وتأخذ بيدنا لتجول بنا في سفوح الجنات.‏

الله تعالى جميل وصاحب ألطاف على الدوام. ولكننا لا نشعر بعمق هذه المعاني إلا في أوقات معينة. أجل!.. ففي مواسم معينة ‏والتي نعدها ربيع أرواحنا يجذب تعالى جميع عواطف قلوبنا، وجميع مشاعرنا نحوه، ويجعل من جماله وسحر جاذبيته قوة لا تقاوم، ‏ويحيينا في كل آن وأوان بلطف جديد منه. وأنا لا أتصور وجود أي لذة تعادل مثل هذه اللذة الحاصلة عن هذا الطريق في هذه ‏القلوب المباركة... لا أتصور هذا، لأن مثل هذه اللذة الروحية تنبع من العشق الإلهي لدى الإنسان ومن الارتباط به تعالى، ومن ‏موجات الإحسان لصاحب الرحمة اللانهائية وألطافه. وهذه الألطاف والإحسان منه تعالى يكون لانهائيا ودون حدود بقدر وبمقياس ‏عشق الإنسان وإخلاصه، وكونه صادرا من أعماق قلبه.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri