التوبة طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 9
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

التوبة هي تجديد المرء لنفسه، ونوع من التعمير والإصلاح الداخلي، أي إعادة للتوازن القلبي الذي اختل نتيجة الأفكار ‏والتصرفات المنحرفة، أو بالأصح هي فرار من الحق تعالى إلى الحق تعالى، أو هي انتقال من غضبه إلى لطفه، ولجوء من حسابه ‏ومؤاخذته إلى رحمته وعنايته.

ويمكن تعريف التوبة أيضا بأنها محاسبة للذات تحت وطأة شعور الإثم. أي قيام الذات والإرادة بالوقوف كالجبل الأشم تجاه ‏النفس التي تريد أن تحيا حياة غير مسؤولة، وتجاه الإثم وعدم إفساح المجال له.‏

فإن كان الإثم تدحرج غير متوازن في حفرة، فالتوبة -حسب مقتضياتها- قفزة آنية للخروج منها. وبتعبير آخر إن كان الإثم ‏جرحا في الروح ناتجا عن سهو مؤقت للضمير عن المراقبة، فالتوبة هي وقوع القلب في عذاب دائم، وبدء بمراقبة جدية وبسيطرة ‏حازمة على النفس، مما تكسب المشاعر الإنسانية قوة وعزما جديدين.‏

ولما كان الإثم ناتجا عن تحكم الشيطان وبتأثير من النفس، فالتوبة هي دفاع المشاعر ضد الشيطان، وجهدها في علاج عدم ‏التوازن الذي حدث في الروح.‏

تقوم التوبة -بعكس الإثم الذي يؤدي إلى تآكل الروح وتعريتها- بتزيين جوانب القلب وفرش الزهور فيها بـ"الكلمة الطيبة" -‏التي هي أجمل الكلمات والأفكار وأعذبها- والوقوف أمام جميع التخريبات والتآكلات والحيلولة دونها. فكم تكون محاولة التوبة التي ‏تحرك القلوب مبجلة قبل أن يأتي اليوم الذي تشخص فيه الأبصار وتبلغ فيه القلوب الحناجر. فكم نتمنى الوصول إلى المستوى الذي ‏نستطيع فيه بدموعنا المسكوبة تعمير وسد كل ثغرة يفتحها الإثم في قلوبنا.‏

أجل!.. التوبة عنوان للرجوع الرجولي، وبخلافه يكون كل كلمة باطلة، وكل تصرف خداعا. لأنه إن لم يتم تلافي ما فات، ‏ولم تسد ثغرات الإثم التي أحدثت ندوباً في بعض مساحات الزمن، فادعاء الندم على الذنوب التي ارتُكبت دون أي دمع في العين ‏ودون أي رجفة في المشاعر، ودون أي ألم في الروح ادعاء فارغ وبعيد عن القبول.‏

الآثام أنواع مختلفة وكذلك التوبة. الإخلال بوحدة الأمة ذنب كبير. لذا يعد مرتكب هذا الإثم أكبر مجرم لدى الخالق ولدى ‏الخلق. لذا ما كانت التوبة من مثل هذا الإثم تُقبل إلا بعد إرجاع الحياة الاجتماعية التي أصبح عاليها سافلها إلى سابق عهدها وإلى ‏سابق صحتها ووحدتها. وإلا فإن ادعاء هؤلاء -في الوقت الذي يعاني المجتمع من هذا المأزق المخيف ومن هذا الخطر الداهم- بأنهم ‏نادمون ليس سوى انخداع وخداع. أجل إن التوبة من مثل هذا الإثم لا يكون إلا بإشعار المجتمع كله، وبكل وضوح وبكل وسيلة، ‏الرجوع عن هذه الأفكار المنحرفة التي بذرت في كل مفاصل المجتمع ومزقته وخربته. لأن توقع الحصول على العفو وعلى المغفرة ‏من هذا الإثم بتوبة صامتة وندم سري وغير معلن... مثل هذا التوقع تعلق كاذب بالأمل، وانخداع. لأن النـزاعات الداخلية ‏ستستمر وسيزداد التدخل والضغط الخارجي الذي يستفيد من التشتت ومن الضعف الداخلي ويقوى. لأن نظام أي مجتمع وحياته ‏ورفاهه -أي كون التوفيق الإلهي معهم- مرتبط بالتفاهم والتساند الموجود بين أفراد ذلك المجتمع وتجمعاته وأحزابه، أو في الأقل ‏عيشهم في سلام دون خلافات وخصومات. وعلى العكس من ذلك إن كانت هناك أمة قد تلبد أفق مجتمعها بغيوم سوداء من ‏الخلاف والشقاق والنـزاع، فعليها القيام بتوبة جماعية. ومثل هذه التوبة الجماعية متعلقة بالتحول في موضوع العفو إلى حواري ‏من حواريي روح الله عيسى عليه السلام في حياة المحبة والمغفرة والعفو والتسامح. ويتحقق هذا بمساندة كل فرد ومعاونة كل فكر ‏بالذي يحمله من صفة الحق وأسلوبه، ومدّ يد العون له، وتشجيع كل حملة خير وتقدير كل تضحية. ويتهيأ لي عدم وجود علاج ‏أنجع من هذا لتضميد جراحاتنا النازفة منذ عصر كامل، فليس هناك علاج مجرب وموضوعي أفضل من هذا العلاج. ويكاد يكون ‏من المستحيل العثور اليوم على بديل آخر له.‏

ولكن كم من المؤلم أننا نبحث عن طرق سهلة -كمراسيم توبة في ليلة الجمعة- للخروج من تحت وطأة وبال الآثام التي أثقلت ‏كواهلنا. بينما إن كان هذا الطريق المختصر من التوبة والندم كافيا للآثام الفردية، فإن الأمر إن كان متعلقا بجرائم ذات صلة ‏بالمجتمع فهذا لا يكفي بل يطلب انتفاضة جماعية وتجديدا للنفس.‏

آه من مثل هذا الهروب من عزائم الأمور، وآه من هذا التوجه لكل أمر سهل ورخيص!‏

إن على كل مؤسسة تمثل المجتمع أن تتوب، وتكون توبتها بفهم انواع الأخطاء التي قرضتها وأنهكتها وأفلستها، والقيام من ثم ‏بتلافيها.‏

وتكون توبة الكادر الإداري بفهم وفحص جرائمه وأخطائه وذنوبه، ثم اتخاذ موقف آخر مضاد تجاهه ومعاكس، وتجديد نفسه ‏وإحيائها.‏وإلا فإن عقد خمسين ألفا من مراسيم الندامة وشعائرها لا تفيد شروى نقير، ولا تقطع بها خطوة واحدة إلى الأمام. فتبا ‏وألف تبٍّ لمن يرى الداء دواء، وتبا ألف تبٍّ لمن خُدع بهذا مرارا وتكرارا!‏

تتسامى أفراد المؤسسات العدلية والقضائية بقراراتها الصائبة والصحيحة التي ابتغت بها وجه الحق والعدل، وتكون مرشحة ‏لأسمى المراتب الأخروية. وكل ساعة عدل منها تعد أعواما من عمل الخير في حقها لدى الحق تعالى. ولا تقل عن درجتها هذه ‏عندما تندم وترجع إلى نفسها بعد أي قرار خاطئ. ولكنها عندما لا تبالي بالحق، وعندما ترى أن الحق للقوة وللقوي، وتضحي ‏بالحق على مذبح القوة لا تستحق حينذاك أي عفو أو توبة.‏

والشيء نفسه وارد بالنسبة لمؤسسات التربية والتعليم. فما دامت هذه المؤسسات محافظة على مشاعر الأمة وأفكارها ‏ومقدساتها، ومدافعة عنها وصائنة لها، استحقت كل تبجيل وتقدير. فإن روجت للأفكار المنحرفة والمشوهة سقطت إلى دركٍ أسفل ‏من درك اللصوص والمجرمين. وما لم تعد إلى رشدها وتتخذ موقفا حازما تجاه الأفكار الأجنبية والمخربة، فلا تقبل منها توبة، ولا ‏مغفرة لها.‏

أما جميع المؤسسات السياسية، والأفراد والجماعات غير السياسية، وكذلك المفكرون والكتّاب والمرشدون فإن انحصر اهتمامهم ‏ومحبتهم لأنفسهم ولجماعتهم فقط، وقاموا بإظهار الخصومة والعداوة لأهل الحق من خارج حلقاتهم، أو خارج نطاقهم، فهم في إثم ‏كبير، ولا سبيل أمام كل فرد منهم إلا طرق باب التوبة، والتوبة هنا فرض عليهم أيما فرض.‏

أجل!.. فعلى جميع هذه المؤسسات والأفراد أن يراقبوا أنفسهم مرة أخرى عن كثب، فيروا نصيبهم من الإهمال والأخطاء ‏والآثام ضمن سفينة الأمة الجانحة التي يركبونها، فيحاولوا بكل وسعهم تلافيها. فهذا واجبهم الذي لا يمكنهم إهماله. وإلا كان ‏ديدن هؤلاء حتى اليوم البحث عن الأخطاء خارجهم، وخارج جماعتهم. فإن استمروا في البحث عن معاذير لاتهام الآخرين ‏وتشويه سمعتهم، فليس بعيدا أن نتعرض إلى مصائب ومشاكل لا نستطيع حملها أو الصمود أمامها.‏

أجل!.. لقد كان أوخم آثامنا أننا رأينا الآخرين مذنبين، ورأينا أنفسنا أبرياء على الدوام. ولكوننا لم نتخلص من هذه العادة ‏ومن هذه العقلية، فقد فسدت الأجواء الاجتماعية وقست، حيث تسارعت وتائر الإنقسام والتشرذم. لذا كان على جميع من لهم ‏علاقة بمصير هذه الأمة وقدرها من الناحية المادية أو المعنوية، وعلى جميع أصحاب الأرواح المخلصة الذين نذروا أنفسهم لهذه الأمة ‏أن يعترفوا بذنوبهم ويتوبوا.‏

وعلى الذين يسعون لاهثين وراء المناصب... الذين على أعينهم غشاوة من حبهم المحصور على حزبهم، وفي آذانهم صمم... ‏الذين تركوا بأفكارهم الشاذة الأجيال الصاعدة دون قلب ولا روح... الذين يرون بطغيانهم وجبروتهم أن الحق للقوة، والذين ‏أعلنوا الحرب على كل ما يخالف أفكارهم حتى وإن كان من مصدر إلهي... الذين لا يرون ولا يدافعون إلا عن مصالحهم ‏ومنافعهم... الذين لا يرون بأسا من أي تزوير أو كذب أو خداع وتدليس... الذين يرون كل وسيلة مشروعة من أجل الوصول ‏إلى غاياتهم وأهدافهم... الذين يتقلبون ويتلونون مع كل عهد... على كل هؤلاء أن يثوبوا إلى رشدهم وأن يعلنوا وللمرة الأخيرة ‏عن توبتهم باسم الإنسانية وأن يجددوا قسمهم ويمينهم عليها.‏

مأ أسعد من أدرك ذنبه فأسرع بالتوبة !.. وما أسعد من كان صلبا لا يتهاون مع نفسه، وليِّنا ومسامحا مع الآخرين من أهل ‏الحق!
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri