من فيض العيد طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

العيد هو يوم لقاء للمشاعر وللفكر الإسلامي الذي يفيض فيه من إنائه ويتماوج وينتشر فيحتضن كل جانب... كأن كل ‏ماضينا مستقر ومستكنّ فيه... كأن ماضينا يتكلم أو يهذي في حلمه... ثم يستيقظ ويدبّ فيه النشاط. لقد تسربت كل خصائص ‏ومميزات عالمنا -من الماضي وحتى الآن- إلى بوتقته وإلى جوه العام، إلى درجة أننا نشعر في أعماقنا كلما أدركنا أيامه المباركات ‏وكأننا نعيش أيامنا المجيدة السابقة. وعندما نغمض أعيننا لنصيخ السمع للأعياد، تتراءى أمام خيالنا تلك الأيام التي كانت راياتنا ‏تخفق عالية في السماء، فنشعر بطعم تلك الأيام وبلذاتها المجيدة، ونعيش مرة أخرى في صفحات ذلك التاريخ العملاق... بل نعيش ‏‏-بالأصح- قِيَمنا وهويتنا والمعانيَ العائدة لنا. وهكذا نكون وكأننا نصيخ بسمعنا في هذه الأيام إلى مجموعة من الأنغام المتناسقة ‏الإيقاع والمتآلفة من أحزان القلب ومن أفراحه.

أجل!.. نعيش في العيد من حين لآخر شعور غربة وهجران، وأحياناً يداهمنا شعور لذيذ من لهفتنا إلى الوصال. وتبدو لنا بعض ‏الأعياد حاليا وكانها برزخ بين الفرح والحزن. فبينما تحتضن أقوى المشاعر العلوية السامية أرواحنا وتثيرها، نرى الأحزان من جانب ‏آخر وهي تُضخ إلى قلوبنا. أجل!.. فكل منا يعيش في هذه الأيام بمشاعر متداخلة من فرح غامر ومن حزن يكاد يبكينا. ففي ‏اللحظة التي نشعر فيها بكدرِ وحزنِ فقْدِنا -في يوم من الأيام- جناتنا، تتراءى أمام أعيننا في اللحظة نفسها خيالات الفردوس الذي ‏نؤمن بأننا سنصل إليه في المستقبل فنكاد نغيب عن أنفسنا في لجة الفرح والبهجة. أي بينما تذرف عيوننا دموعا كمطر الربيع، ‏تبدو أمام أرواحنا مناظر سفوح الجنة. أجل!.. على الرغم من كل شيء فإن الحيوية الدافقة لخيالات أيام العيد المليئة بالحسرة تبدو ‏وكأنها تهدي لنا هدية موسم ربيع جديد ناضر حتى ولو كنا في أيام الخريف أو في أواسط الشتاء. في هذه الأيام الزاخرة بالأنوار ‏نشعر بأننا نحيا من جديد بحزن لطيف وبانشراح عميق وبأمل عريض واسع يلفنا ويثير مشاعرنا، وفي كل مكان نرتاده ونزوره ‏نشعر وكأن الخضر عليه السلام كان هناك قبلنا وفرش سجادته على تلك الأرض، فندخل في عالم من البعث بعد الموت.‏

الأصوات الحبيبة في العيد... البسمات المرسومة على الشفاه المنبعثة من الأرواح... مظاهر الإخاء التي تراها في كل مكان... ‏إلقاء السلام على كل شخص تصادفه واحتضانك لـه... توسيع دائرة الإخاء بحيث تشمل الجميع... الضيافة وكرمها في كل ‏مكان، وكأنها ولائم أعراس... ومظاهر الاحتفال في كل ناحية... يجري كل هذا أمام أعيننا ليهمس في آذاننا باسم الإخاء العالمي ‏أشياء وأشياء.‏

تهفو نفوسنا إلى الأعياد، وتعتبرها ضرورة ماسة، ونحاول أن نشعر بهذه الأيام المباركة بكل عمق وبكل هباتها وهداياها وألطافها... ‏وتتصاعد مشاعرنا وانفعالاتنا بالتكبيرات والتهليلات... ويتطهر عالمنا الداخلي بالاستغفار... ونلقي بفرح ونشوة جميع همومنا ‏وأحزاننا جانبا... ونتنفس بالمدائح النبوية والأناشيد الدينية وبصورِ وأنواع المناجاة التي تشكل بُعدا من أبعاد ثقافتنا. وما أكثر الألحان ‏التي نستمع إليها دون كلمات أو أبيات في هذه الأيام الخصبة الغنية! أما الذين بقوا بمشاعرهم وأفكارهم على صلة بجذور هذه الأمة ‏وبمعانيها وبقيمها، وكذلك الذين بقوا ببنية وطبيعة أسرهم وعوائلهم مرتبطين بعالمِ وبدنيا هذه الأمة يحسون طعما آخر ومعني آخر في ‏هذا الشريط الزمني الزاخر بالألوان. وسواء أكان المحتفلون بالعيد جالسين على الفرش والوسائد في خيامهم، أم جالسين قرب مواقدهم ‏أو مدافئهم المتواضعة، أو جالسين في ظلال أغصان أشجار حدائقهم وفي حضن بساط أخضر، أو في غرف رحبة وصالونات واسعة ‏في قصورهم، يشربون الشاي والقهوة، ويتناولون أنواع الحلوى... في كل هذه الأجواء يفوح عطر الاحتفال بالعيد في كل مكان، ‏وتنتشر فرحة العيد فوق جميع الرؤوس. الأصوات الدافئة والكلمات التي نسمعها في هذا الجو الحريري للعيد، تمس القلوب المملوءة ‏بالإيمان، والمطمئنة به حتى تصل إلى أعماق تاريخنا المجيد مثيرة لدينا تداعيات كلٌّ منها بقيمة هذا العالم.‏

ينتهز الأطفال ساعات العيد ودقائقه المفتوحة على الجميع والمتميزة بالمسامحة ليشاركوا بعواطفهم الجياشة وبأصواتهم التي تشبه ‏زقزقة العصافير وتغريد البلابل التي تنتقل من غصن لغصن فيلعبون ويمرحون في جو العيد حتى منتصف الليل حتى ينال منهم التعب ‏بعد قيامهم بحركات لا تخطر على البال. وهكذا يجعلوننا نعيش عيدا داخل العيد.‏

الأعياد أكثر المناسبات العملية لتقوية العلاقات الإنسانية، وأفضل أرضية للأذواق القلبية، وأفضل جو لنشر المحبة والتعاون ‏والامتزاج، وأفضل مسرح لسماع أدبيات الحوار والتساند. وفي ساعاته ودقائقه الزرقاء زرقة السماء نستمتع -بجانب جميع اللذائذ ‏الجسدية المشروعة- ونأخذ نصيبنا من موائد الفكر والمشاعر ونستمع إلى تناغم أرواحنا. أما عندما نؤدي عباداتنا وطاعاتنا ‏بإحساس وشعور... وعندما تحيطنا التكبيرات والتهليلات من كل صوب، ويأتي العيد بطعمه الفريد، ومذاقه الخاص، وجوه المتميز، ‏وينسكب إلى أفئدتنا موجة إثر موجة، لتغرق أرواحنا بجو الآخرة... عند ذلك نشعر بأن القيود التي تربطنا مع هذه الدنيا الفانية ‏ترتخي وتنحل قيدا إثر قيد، ونحسب أنفسنا وكأننا في عالم آخر جديد... نحسب هذا ونرى أن كل دقيقة مستثارة بالبهجة في العيد ‏تنـزل كغيث من رحمة الله على قلوبنا الظامئة للعيد منذ سنوات، ليغسل جوانب أرواحنا التي يبست ويرطبها، ويصبح سورا ‏يحافظ على زهور الأمل المتفتحة في أعماق صدورنا، وينفخ فيها الحياة.‏

نحن نرى على الدوام أن الأعياد بالنسبة لأصحاب القلوب المؤمنة تقوم بإشباع أذواقهم الأخروية، وأشواقهم القلبية، ووَلَعِهم ‏الذي لا يعرف الفتور، وآمالهم في الحياة الأبدية الخالدة. ومن يدري عدد الأشواق التي نصل بها إليها. والحقيقة أن من الصعب ‏للمؤمنين معرفة ما تحس به قلوبهم في الأعياد وما يشعرون به، ويشعرون بصعوبة التعبير عنه. لأن من الضروري لفهم الأحاسيس ‏التي تسكبها الحياة -ضمن تجلياتها الأخروية- في الصدور الطاهرة، الشعور بهذه النسمات بدرجة شعور هذه الصدور والبلوغ ‏مبلغها في هذا الأمر.‏

يتم تلمس أسلوب سحري في تصرفات المؤمنين في الأعياد، وفي سلوكهم المتوازن المطبوع بطابع الوقار، وفي نظراتهم العميقة، ‏وأحاديثهم التي تفوح بالإخلاص حتى كأنك تستمع إلى حوار سحري من حوارات الجنة. أجل!.. إن هؤلاء الذين يفهمون جو ‏الأحاسيس الخاصة بالأعياد، بعد القيام بإيفاء وظائفهم ومسؤولياتهم، يبدون نضجا وسعة أفق إلى درجة أن كل نظراتهم تحمل على ‏الدوام عمقا ربانيا، ويحمل كل تصرف من تصرفاتهم وكل حركة من حركاتهم وسكناتهم جدية ساحرة، ويحمل صمتهم شيئا وراء ‏هذا العالم، وبسماتهم لطافة دافئة. كل واحد يأخذ -حسب درجته- نصيبه من سحر العيد، حيث يمكن سماع هذا من كل مؤمن ‏وملاحظته في وجه كل واحد منهم. يمكن هذا لأن أغلبية هؤلاء الناس هم من الذين لم يتيسر لهم التعلم والقراءة ولم يتلقوا تثقيفا ‏جديا. ولكن ترى عليهم آثارا غنية من مكتسبات التكايا والزوايا والمدارس الدينية الأهلية والمدارس الرسمية، ويملكون غنى روحيا على ‏الدوام، ويتصرفون على ضوئه. ومعظم هؤلاء على درجة كبيرة من الارتباط بالإسلام، ويتمتعون بدرجة كبيرة من الإخلاص، حتى ‏كأنهم ليسوا أناسا عاديين، بل موازينَ دقيقة تزن كل قيم تاريخنا المجيد، ويمثلون حراسة حية للخزانة البلورية لهذه القيم المتجمعة فيها ‏طوال عصور عديدة من التاريخ. ونحس في سلوكهم وتصرفاتهم بلذة ثمرات الجنة وبسكينة سفوح الفردوس وحلاوة مشاهدة الجمال ‏الإلهي. نظراتهم جدية في كل شيء، وبنية تفكيرهم متينة في كل مسألة. وهذا يظهر كيف أن أعماق أرواحهم لا تزال محافظة على ‏جذور عميقة من المعاني، مما يهمس في قلوبنا مجد الماضي وأمل المستقبل. لأن هؤلاء بتواضعهم وعزة أنفسهم وإخلاصهم وحالاتهم ‏الروحية الممزوجة بالحزن والبهجة يقدمون أنموذجا غير موجود في الأمم الأخرى. في مظهرهم العام ترى -بجانب الألوان الخفية الناتجة ‏عن الانتساب لأمة مجيدة ذات تاريخ عريق- صفات الأرواح التي نضجت بالقرآن من جدية ووقار. وقد لا ينتبه بعضنا لهذا، ولكن ‏الأمر هكذا، لذا فالنغمات التي تنساب من نظراتهم وتنسكب إلى أرواحنا على الدوام تعكس أصداء واسعة في أعماقنا.
 
< السابق
Fethullah Gülen Web Siteleri