الهجرة النبوية طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 8
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

الهجرة رحلة لغاية مقدسة ولهدف جليل وكبير... ومثل هذه الهجرة ترمي إلى تحقيق مثل هذا الهدف بمدِّ وتقوية من العقيدة ‏والعاطفة والفكر وتغذية وعون منه. وبمقدار درجة الإخلاص في هذه الهجرة وعمقها، تكون مساوية ومعادلة لسياحة الإنسان في ‏السماء. وقد شُرِّف فخر الإنسانية بهاتين السياحتين، السماوية منها والأرضية. السياحة الأولى كانت خاصة به وغير متاحة لأحد ‏غيره. أما الثانية فهي طريق واسعة باقية ومفتوحة للجميع حتى يوم القيامة في شروط خاصة ومعلومة... طريق واسعة ومضيئة مشى ‏عليها مئات الآلاف من الناس قبل بعثة شمس سماء النبوة وقمرها. ولا شك أن أكثر هذه الهجرات المباركة فضلا، وأكثرها دويا في ‏سمع الزمن، هي الهجرة التي قام بها فخر الإنسانية الصادق المصدوق صلى الله عليه و سلم مع أصحابه الصديقين. لقد تحمل الرسول ‏الكريم كل صعاب الهجرة -التي جاء الأمر بها من فوق سبع سماوات- من أجل العثور على معاونين مخلصين لأصحابه الكرام ‏الأوفياء، وعلى موطئ قدم أمين وراسخ ليؤسس هناك دولته، ويقيم الجسور للناس ليوصلهم إلى رحاب دين عالمي، لـه أبعاد ‏عديدة ومتداخلة وعميقة، ويملك قابلية إنشاء تاريخ جديد ومدنية جديدة.

الخطة والمشروع واسع سعة السماء، والمسافة بين المبدأ والنتيجة والهدف مسافة هائلة. ففي هذه الطريق الطويلة احتشدت ‏الشياطين والعفاريت على طولها من أولها لآخرها، وفارت في كل جانب منها مشاعر السوء والشر، وأوقدت في كل منحنى منها ‏نيران للفتن. أجل!.. فعلى الرغم من جميع هذه الظروف السلبية كان هناك منبع قوة كانت كافية لملء القلوب بالأمل والانشراح ‏والاطمئنان، ففي كل قلب، وعلى كل لسان كانت هناك جملة واحدة تتكرر (حسبنا الله ونعم الوكيل). فكل منهم قد توكل على ‏الله واستند إليه وإلى توفيقه، وبدأ رحلته في هذا الدرب الطويل... بدأ رحلته في هذا الدرب دون أن ينظر إلى ورائه، ودون أن ‏يهمل من يمشي وراءه.‏

في تلك الأيام كانت جميع الطرق تجرب مع كفار مكة وطغاتها، ويستعان بجميع الحلول الممكنة. ولكن رجال الدعوة هؤلاء ‏الناذرين أنفسهم لوظيفة الدعوة إلى الله لم يجدوا أي تجاوب، ولم يكن هناك أي وجه للمقارنة بين ما صرف من عمل ومن جهد ‏وبين ما تم التوصل إليه من نتائج. وهذه الحقيقة هي التي دفعت بصاحب الرسالة صلى الله عليه و سلم المرتبط بكل كيانه بالدعوة ‏إلى الله، إلى البحث عن أناس وعن أقوام آخرين خارج مكة لإيصال كلمة الله إليهم. وكانت رحلة الطائف أول تجربة في هذا ‏المجال. وعلى الرغم من آلام هذه الرحلة ومضايقاتها فقد رجع إلى مكة مهموما، ولكن دون فقد آماله، ومع سلوة اهتداء شخص ‏واحد. ثم أعقبتها بيعة العقبة السرية في جبل "منى" الشامخ، التي تم فيها البحث عن جيل النور، وعن الصدور المفتوحة للهداية. ‏كان من الصعب حدس من سيكون أصحاب هذه القلوب المؤمنة، ولكن تبين فيما بعد أنهم ستة من المحظوظين من أهل "يثرب". ‏لقد أصبح هؤلاء الستة المحظوظون الوسيلة الأولى وواسطتها في يد النبوة لتغيير وجهة الإنسانية وقدرها السيء. وكل ما كان ‏معروفا آنذاك حول المخلّص الأبدي للإنسانية هو ما كانوا يسمعونه أحياناً من اليهود:‏

‏"إن الله سيبعث نبيا من بني إسرائيل هو خاتم الأنبياء، وأن اليهود سيجتمعون تحت رايته وسيسودون جميع الأمم". صحيح أن ‏هذه الأمنية لم تنفعهم كثيرا، ولكنها كانت كافية لإشعال فتيل حب الحقيقة في صدور أهل يثرب وتوجيههم الوجهة الصحيحة. ‏كانت هذه المعلومات البسيطة في ذلك الزمن بمثابة لبّ حقيقة كبيرة وجوهرها. وعندما آن الأوان المناسب فاز أهل يثرب بلقب ‏‏"الأنصار"، هذا اللقب الجليل الذي سيبقى إلى يوم القيامة مفخرة لهم، وتاجا على رؤوسهم، وفازوا بنعمة الدنيا والآخرة.‏

أعقب هؤلاء المحظوظين الستة فيما بعد عشرة آخرون. وبعد سنة واحدة آمن سبعون منهم -بينهم عدد من النساء- وأقروا برسالته ثم ‏دعوه إلى يثرب بعد اجتماعهم به صلى الله عليه و سلم في مكان آمن. كانوا جادّين في دعوته إلى مدينتهم، لقد قبلوا كل ما جاء به، ‏وعاهدوه على أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم ونساءهم وأولادهم. لقد قبلوه وضموه إلى صدورهم، وعاهدوه أن يصونوه بأرواحهم ‏ومُهجهم. ومقابل هذا كان الله تعالى يعدهم بالجنة. تمت البيعة التي رضي عنها رسول الله صلى الله عليه و سلم ورضي عنها الأنصار، ‏وفتحت "يثرب" أبوابها للمهاجرين على مصاريعها.‏

‏ بدأت مكة تفرغ تدريجيا، فهناك كل يوم ثلاثة أو أربعة من أهلها يتركها ويهاجر إلى "يثرب" إما خفية أو علنا. وبدأت عملية ‏الهجرة وما حفتها من تضحيات، وما قام به الأنصار من إيثار، ترسم لوحات مضيئة. وتحولت ظاهرة الهجرة إلى شيء سماوي ‏يشبه عملية المعراج، فكأنها سياحة الملائكة في عوالم خلف المكان والزمان. وكانت القافلة الأخيرة لهذه الرحلة السماوية على ‏الأرض من نصيب صاحب القافلة الأخيرة في موكب النبوة. وعلى قاعدة "الأجر على قدر المشقة" وكذلك على قاعدة "أشدّ الناس ‏بلاء الأنبياء..." فقد حَفّت أكثر أنواع المكاره والأخطار بهجرته صلى الله عليه و سلم، ولكنه تجاوز جميع أودية الموت المرعبة، ‏ووصل إلى البلدة المنورة بفضل تفويض أمره إلى الله، وتوكله عليه، واستسلامه له. وصل إلى المدينة دون أن يصيبه مكروه من قبل ‏سُراقةَ، وما كان يعتمل في صدره من أفكار سوداء، ولا أي خطر من المخاطر التي كانت موجودة داخل وخارج غار ثور، ولا من ‏أذى قطاع الطرق واللصوص الموجودين في الطريق. أصبح سراقة صديقا ومرشحا لأن يكون صحابيا، وتعرف بُرَيْدةُ مع أصدقائه ‏بالإسلام. أما فخر الكائنات ووردة الجزيرة العربية فقد كان يواصل طريقه إلى بلدته الجديدة وهو يحوِّل طريقه المحفوف بالمخاطر ‏إلى بساتين وحدائق.‏

وبينما كان بعض أهل مكة ممن يقطر الدم من أفكارهم ومن مشاعرهم يكادون أن يجنوا من الحقد والكره إلى درجة السعار، ‏كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يدخل "يثرب" في ظل الفرح العامر لأهلها وهم ينشدون: ‏

طلع البدر علينا من ثنية الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

وفي الموضع الذي توجد فيه القبة الخضراء حاليا أقام الرسول صلى الله عليه و سلم مسكنه المبارك، كما بنى مسجده بجوار بيته، ‏فكان بيته ومسجده المباركان متداخلان ويتنفسان الجو العطر المبارك نفسه. ثم بدأ ينفث فيما حواليه الحياة بالوحي وبالرسالة ‏الإلهية وبإلهام روحه... فَدَيْنا نبع الحياة هذا، ومن بلغه ونفثه ونشره بأرواحنا وأنفسنا.‏

كان آدم عليه السلام قد بدأ رحلة هجرته الطويلة من الجنة إلى الأرض، لكي يصل إلى الأفق الواسع للحياة الأخروية التي يشير ‏إليها معنى وروح الهجرة. أما نوح عليه السلام فقد تحمل أعباء السياحة في البحار إضافة إلى سياحته في البر. وتجول إبراهيم عليه ‏السلام في أقطار بابل والحجاز وأرض كنعان دون أن يفتر. وانتقل موسى عليه السلام من بيت والدته إلى قصر فرعون، ثم من مصر ‏إلى الأيكة ذهابا وإيابا مرات عديدة. ومر السيد المسيح عليه السلام من جميع الجسور التي مر عليها الأنبياء السابقون. أما حواريو ‏عصر النبوة فقد نظموا كوادر الإرشاد وقوافلها إلى جميع أرجاء العالم.‏

وإذا أتينا إلى حواريي عصرنا الحالي فقد انتشروا في الجهات الأربع للأرض وهم يستخدمون الوسائل العصرية ويبلغون فكرهم ‏وهم يرددون الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ ‏وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى الله وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (النساء: 4). وبفضل هجرتهم هذه سيصل صوت ‏القرآن إلى العديد من الناس، وسينفتح أمام بعضهم سبل الإيمان، وأمام البعض الآخر سبل تأسيس الصداقة والتفاهم والحوار.‏

أجل!.. سيقوم هؤلاء الحواريون بنفث الصدى المنعكس من غار حراء على قلوبهم على من حولهم في كل مكان يحلّون فيه، ‏ويرشدون القلوب المتخدرة باليأس إلى طرق تحريك هذه القلوب وإحيائها من جديد، وإيصال الهبات والنعم الإلهية إلى الجميع عن ‏طريق العقل والمنطق. ورفع الموانع والعوائق الموجودة بين القرآن والقلوب منهين بذلك فراقا دام عدة عصور، ومحققين بذلك اللقاء ‏الكبير. وهم على وعي بأن نشاطهم هذا إنما هو سباق في مجال الإيمان والعشق والشوق، وأنهم بقيامهم بتعليم الصغار الذين استولى ‏اليأس والخوف والضعف على قلوبهم ينقذونهم من الجو الضيق والخانق لهذه الحياة الفانية، ويدلونهم على طرق الوجود الحقيقي ‏والحر، وعلى آداب المحبة والتوقير.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri