القرآن-١ طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هو أكثر منابع النور بركة في الوجود، وأسحر كلام وأكثره نفاذا إلى القلوب. كل أنواع الجمال الأخاذ الموجودة على سطح ‏الأرض ظل لنوره الموجه نحو الوجود، وأكثر الأصوات والنغمات سحراً ليس إلا سلما واحدا أو نغمة واحدة من تلك الأنغام ‏والأصوات السماوية، ونفس من أنفاس الوجود وهمس من همساته. والتنـزه بين آياته النورانية، وكلماته المضيئة تغسل الأدران عن ‏القلوب والآثام عن العيون وتطهرها. إن تأمل الآفاق الزمردية البعيدة التي يفتحها، ينثر بذور الحكمة في العقول، وينقلها إلى ‏سماوات وراء الأفق.

الشمس بالنسبة لعالمه النوراني مجرد حشرة مضيئة، والقمر مجرد أرض قفراء وسوداء وقع بعض الضوء على وجهه. هو بلمعانه ‏الظاهري، وعمقه الداخلي، وغنى محتوياته مائدة آتية من وراء السماوات... مأدبة لا يستغني عنها أحد حتى الملائكة الكرام التي ‏حملتها وتسلمتها من يد ليد كباقة من الورود العطرة حتى وصولها إلينا.‏

‏ استقبلت الأرض وساكنوها هذه المائدة الإلهية بشاعرية عالية، وأشواق لهيفة، وبحاجة ملحة. وانقلبت أرجاء هذه الأرض ‏العجوز بورود هذه المائدة الإلهية ورياحينها إلى ما يشبه سفوح الجنة. عندما لم يكن موجوداً كانت أرضنا هذه أرضاً يلفها الظلام. ‏وعندما هلّ على الأرض غرقت سهولها وجبالها ووديانها بالنور الذي يشع منه إلى كل جهة، وأصبحت أرضنا كتاباً يُقرأ ويتأمل. ‏أما حقائق الأشياء التي يشرحها ويقدمها لنا فكأنها خطاب يملأ أرواحنا ويسقيها.‏

وُهبت لـه وحده نعمةُ الإرشاد إلى طريق سعادة الدارين، فالمفتاح الذهبي للسعادة في يده هو. لو لم يقم بحل الألغاز التي ‏تقابلنا في كل مكان وتحيرنا، لبقينا في دائرة الحيرة أمام هذه الألغاز التي لا تعد ولا تحصى، وفي دائرة التيه، ولما استطعنا الوصول إلى ‏انسجام بين أفكارنا وبين مشاهداتنا. ولو لم يهب لنجدتنا لضعنا في تيه هذه الصحارى الشاسعة التي لا يبلغ النظر مداها.‏

يا أيها الروح الذي أحيا موات دنيانا بأنفاسه الطاهرة... لو لم تكن لما كانت دنيانا إلا جحيماً لا يطاق... أنت من يمثل ‏رحمة الحق تعالى على هذه الأرض... أنت من يمسح ظلمات الإنكار والإلحاد من القلوب... لم تتعلم الإنسانية الهداية إلى الصراط ‏المستقيم وسلوكه إلا بك... تعلمت الإنسانية هذا فتخلصت من الفوضى، ومن الضياع في الدروب.‏

بك خفّ ظلام البشرية...‏
بك تنوَّر الوجود...‏
أيقاس بنورك البدر؟
يا نور الهداية!‏
أنت شمس ليلة القدر...
(الشاعر إسماعيل صفاء)‏

تكلم الآن واهدر بصوتك! لكي تحيا القلوب الضائعة والمتلهفة لكلامك. تكلم لكي يصل الشهد والعسل إلى الشفاه وإلى ‏الأفواه. ولكي تتفتح الأترج النضر في القلوب كأولى ثمرات النضج. ‏

ولكن أنظر ماذا جرى لهذا البلد الذي تشرف بنـزولك عليه شرفاً لا يدانى، والذي أنقلب بك إلى جنات عدن... لقد تعرض ‏لهجوم الأشواك وأشجار الزقوم. أما نورك الذي كان ينير أرجاءه فقد رحل إلى ما وراء البحار... لا ندري لماذا... ألكي نتعذب ‏ونمتحن؟

تعال أيها النور!.. تعال!.. لقد آن أوان انتهاء أحزاننا وآلامنا، فتعال!.. فقد طال فراقك وطال غروبك عنا... نحن لم ننسك ‏أبداً... في هذا البلد الذي أقفرت أرضه وأظلمت سماؤه لا تزال هناك معابد يؤمها الفقراء والمساكين... لا يزال عبيرك يملأ أجواء هذه ‏المعابد... ولا تزال القلوب تستضيء بنور مشاعلك.‏

أيها النور الذي نزل في مكة وفاض في المدينة المنورة... ليس من شأنك الاحتجاب، فلتفصح عن وجهك النوراني... انزع ‏النقاب لكي ترى العيون -التي حاصرتها مشاهد القبح- جمالك... ولكي نطوف ملهوفين حول شموعك مرة أخرى.‏
أيها الخطاب الأزلي...‏
أيها النازل من العرش...‏
أيتها النفحة الإلهية...‏
لقد نورت بنـزولك قلب محمد...
(الشاعر إسماعيل صفاء)‏

اِنزِل أيها الخطاب الأزلي الإلهي... انزل وكأنك نازل من العرش... انزل لكي تستفيق القلوب وتتفتح عيونها على العالم ‏الأحمدي النوراني مرة أخرى. أيها النور الذي تجليت في قلب فخر الكائنات، أيها الكتاب الذي كنت مرآة لوجهه الحقيقي الذي ‏تخجل منه الشموس... اهتف بأرجاء الأرض... اهتف لكي يتردد صوتك في الخافقين... ولكي تمتلئ السماوات بأنفاسك... ‏اهتف لكي يصمت الخطباء المزيفون، ولكي تخرس الألسن الزائفة.‏

مرت أعوام طوال عجاف والإنسانية تستمع إلى أوهام وضلالات حتى لم تعد تفهم الحقيقة ولا تدرك الصواب. ولطول سيرها ‏في الظلام أصبحت خليلة للخفافيش وعقدت صداقة معها. فمتى تحل عقال لسانك لتسمع أرواحنا الشلالات الهادرة بجواهر ‏كلامك... دع أنوارك تنهمر على دنيانا لتتخلص الإنسانية من الظلام الذي تعيش فيه منذ قرون وعصور. انفخ في صورك - ‏كنفخ إسرافيل في الصور- واملأ أرجاء الدنيا بهدير صوتك... افعل هذا لكي يستيقظ الغافلون من نومهم، ويرجع أصحاب ‏الأرواح الأنانية إلى صوابهم، ولكي يرتعب الذين تعودوا على الترف وعلى الكسل، ولكي تنفض الأرواح الخبيثة التي تسللت إلى ‏كل مكان، واحتلت كل موضع.‏

انهمر علينا كالمطر وكالغيث، فقد جفت نفوسنا وشفاهنا، وبلغت القلوب الحناجر. هبّ علينا كريح الصبا حاملا إلينا عطر ‏العرش، فقد تكدرت الأرواح من روائح المعصية حتى كادت تتقيأ.‏

اركبْ على متن الصواعق وأرسلْ دويّك إلى أرجاء الأرض لكي تهرب الحشرات التي استولت على الأرض وتدخل إلى ‏جحورها.‏

كيف ستكون حالنا إن لم تهطل كالغيث، ولم تهدر كالصاعقة، ولم تسحق سحق الصاعقة؟ وكيف ستكون حال الإنسانية؟ ‏وكيف تستفيق هذه الأمة وتنهض؟ وكيف تخطو المدارس إلى الأمام؟ وكيف تتنور المعابد؟ وأين سيجد القلب والروح والعقل ‏ضالتهم؟ وأي شيء يستطيع أن يكون بَلْسَماً لهذه الأرواح البائسة والقلوب المكلومة وشفاء لها؟ وكيف تستطيع هذه الأرواح ‏المشلولة أن تبسط أجنحتها وتطير؟ وكيف يستطيع العقل فتح الطرق المسدودة أمامه فيرشد الفكر إلى طريق الأبدية؟‏

العالم الذي لا توجد أنت فيه عالم قُصّت فيه أجنحة الإرادة. وضربت الفوضى اطنابها في عالم الأحاسيس، وتحولت فيه ‏العواطف البشرية إلى مستنقع. أما الموازين العقلية فدون ضوابط، والمنطق مهرج والعلم حماقة. في مثل هذا العالم يكون من العبث ‏البحث عن قيم إنسانية وينخدع كل من يركن إلى هذا البحث.‏

تعال!.. تعال!.. أرسل نفحة عطر من أنفاسك، وشتت جميع مقالب الشيطان وألاعيبه، ودُلّنا على طريق التوبة التي تم إرشاد ‏آدم عليه السلام إليها.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri