(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ) [الحشر: 16] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

نفهم من هذه الآية الكريمة أن "الخوف من الله تعالى" موجود حتى في طبيعة الشيطان. وهذا يدل على معرفة الشيطان بالله تعالى وخوفه منه. ولكن مع علمه هذا فهو عاص له. وعندما يذكر القرآن الكريم تمرد الشيطان وعدم إطاعته للأمر يستعمل كلمة "العصيان". والعصيان لا يأتي إلا بعد الطاعة والانقياد أولاً.

والقرآن الكريم يشير إلى هذا في سورة الكهف عندما يقول:

(كَانَ مِنَ الْجِنّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّه). إذن فالشيطان باعتبار ماهيته كالجن مخلوق من النار. وكان بماهيته هذه يعرف الله، بل ويعبده في عهد من العهود لذا صدر إليه الأمر بالسجود. أجل!... كان الشيطان حسب أمره الظاهر من الذين يتوقع منهم السجود. ولكنه - بطبيعته - كان مستعداً وذا قابلية للعصيان وللانحراف أيضاً. وظهرت طبيعته هذه للعيان بشكل واضح عندما أمر بالسجود لآدم عليه السلام، وأصبح من الخاسرين.

وقد قمت مرة أو مرتين من قبل بشرح وجهة نظري حول ماهية الشيطان. لذا لو قمنا بشرح مختصر لهذا الرأي لقلنا بأن الشيطان انحرف عن الطريق عندما عصى ولم يرضخ لأمر السجود، وأظهر بذلك ماهيته الحقيقية. والشيء نفسه وارد في كل وقت بالنسبة لبعض الناس. فقد تأتي لحظات ينحرف فيها الإنسان عن الطريق بسبب مشاعر الغضب والحسد والشهوة المركوزة في طبيعته من أجل الامتحان. ويدخل في دوامة مخالفة لضميره فينحرف عن سواء السبيل. انظروا مثلا إلى مشاعر الحسد لدى بعض أهل الكتاب ضد خاتم الرسل ومفخرة الإنسانية فقد ساقتهم إلى التمرد وإلى الإنكار فلم يستطيعوا رؤية النور الذي كان يحمله هذا الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم. لأنهم كانوا يطمحون أن يكون خاتم الرسل من بينهم، ومن قومهم وقبيلتهم. والشيء نفسه وارد بالنسبة إلينا وإن كان بأبعاد مختلفة. هناك مواقف تتغلب فيها المشاعر على المنطق، والإنسان دون أن يشعر يجد نفسه ضمن هذيان وضمن حركة غير منطقية. والشيطان يعيش على الدوام حالة حقد ونفور وحسد وغيظ من الإنسان. وهو يقول - كما جاء في حديث نبوي - (أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فابيتُ فلي النار)[1].

ويجوز أنه يطلق صرخات الألم ويهذي كلما رأى إنساناً يسجد. وعندما يؤذن المؤذن في الجامع ويدوي اسم الله الجليل في الأرض ويهرع المسلمون إلى الجامع في خشوع ووجد، لا يدري الشيطان ماذا يعمل ولا كيف يهرب من سماع هذا الأذان.

والخلاصة إنه يزداد حقداً وغيظاً وحسداً من كل عمل يزيد ارتباط الإنسان وعلاقته بربه. فكما إن قيل لإنسان: "إن العصابة الفلانية قتلت ابنك" يكون في غضب دائم وتوتر وانفعال ضد تلك العصابة. ثم إن قيل له : "إن العصابة نفسها خطفت زوجتك" زاد غضبه وانفعاله. إن الإنسان الذي يتقلب ضمن مشاعر الانتقام هذه قريب من اقتراف كل شر، لأن صفة العفو والسماح تكون قد ذابت عنده تماماً.. والشيطان يتقلب في مشاعر الانتقام ضد الإنسان حتى يوم القيامة، ولا يستطيع الخلاص منها.

والنتيجة التي نخلص إليها هي أن الشيطان يعرف الله تعالى إلى درجة الخوف منه ولكنه بطبيعته القابلة للعصيان انحرف عن الطريق، لذا خسر الخسران الأبدي.

والذين انجرفوا في تيار الإلحاد فأصبح الكفر طبيعة راسخة عندهم وكذلك المنافقون هم مثل الشيطان تماماً. ففي ظروف معينة لا يترددون من ذكر الله والدين على لسانهم يريدون بذلك التقية واستغفال الآخرين. ويبدون في صورة المصلحين والصالحين، ولكنهم يحملون على الدوام حقدا لا ينطفئ ضد المؤمنين، ويبحثون على الدوام عن طرق ينفسون بها عن هذا الحقد والغيظ. وفي الأوقات التي لا يستطيعون فيها تنفيذ ما ينفس عما يعتلج في صدورهم من غل تراهم يخفون حقدهم وراء ابتسامة صفراء أو بيانات وأقوال لينة، ويتظاهرون أنهم ديمقراطيون. وعندما يصلون إلى القوة التي تمكنهم من فعل ما يريدون تراهم يقولون: "إن الحق للقوة". أما الديمقراطية فتصبح آنذاك أمراً خيالياً أو "فنطازياً"، ثم يرتكب من المساوئ ما لا يخطر على البال.

إن الثقة بمثل هؤلاء تعد عدم احترام لشعور الثقة. أما الخوف من هؤلاء فيعد عدم ثقة بالله تعالى. وعلى المؤمن أن يكون دائما مفتوح الصدر بالحب للجميع ، ولكنه لا يغفل ولا يدير ظهره لأمثال هؤلاء، وعليه في جميع الأحوال أن يلتجئ إلى الله تعالى من شر هؤلاء.

"اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدِّين وقهر الرجال".



[1] مسلم، الإيمان 133؛ ابن ماجة، الإقامة 201؛ مسند ابن حنبل 2/443.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri