(قَالَ نَكِّرُوا لَهَا عَرْشَهَا نَنظُرْ أَتَهْتَدِي أَمْ تَكُونُ مِنَ الَّذِينَ لاَ يَهْتَدُونَ) [النمل: 41] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

قال بعض المفسرين في تفسير هذه الآية: "سنرى هل ستهدي الملكة إلى الإيمان أم تبقى ضالة وبعيدة عن الهداية". وأنا أرى أن هذا غير منسجم مع سياق الآية. وتفسير الآية كما أرى هو: غيروا معالم عرشها لنرى هل ستعرف أنه عرشها أم لا".

ولكن كلمة "الهداية" هنا لا تعني مجرد معرفة بسيطة بأن المعروض أمامها هو عرشها. فالسياق لا يلائم هذا. فهل هذا العرش - الذي تعرض للتبديل - هو عرشها، أم عرش جديد؟... كان من الممكن أن يقوم النبي سليمان عليه السلام بقياس فطنتها بهذا الامتحان. ولكن الظاهر أن المسألة لم تكن محصورة في هذا فقط. تأملوا امرأة وثنية أو عابدة للشمس، وقد صنعت لنفسها عرشا وحسب عقيدتها. إذن فلا بد أن مثل هذه المرأة زينت عرشها بصور للشمس ولما تعبد من دون الله من نجوم أو قمر... الخ. وقام النبي سليمان عليه السلام بإجراء تغييرات وتبديلات وتزيينات تهيؤها للهداية وتقربها لها. ولا يذكر القرآن الكريم أن النبي سليمان عليه السلام أجرى زيادات أو نقصانا في عرشها وإنما قال: (نكروا لها عرشها). فماذا نفهم من هذا؟ أنفهم أنه أمرهم بتغيير شكل عرشها أم تزيينه بإضافة بعض الزينات الإسلامية؟... نرى أن الاحتمال الثاني هو الأقوى، وهو إزالة كل ما يشير إلى الوثنية من صور وزينات. ثم الانتظار ومشاهدة عما إن كانت ستفهم الرسالة والإشارة الموجهة لها عندما ترى عرشها وتهتدي أم لا... وفي النتيجة نرى أن بلقيس عندما ترى عرشها تهتدي لكونها تملك فطرة سليمة وذات ذكاء وفطنة وفكر رحب. لأنها ما أن ترى عرشها لا تملك نفسها من العجب، وتفهم الرسالة والإيماءة الموجودة هنا وتعلن هدايتها وإسلامها لرب العالمين.

لا شك أنها كانت بفطرة مهيأة لتلقي رسائل الوحدانية الموجودة في هذا الكون. ولكن ملكة سبأ هذه على الرغم من فطرتها السليمة وذكائها وبصيرتها لم تكن قد اهتدت من قبل، لأنها نشأت وترعرعت بين قوم وثنيين وتشربت بالعقائد الباطلة لقومها، مما كانت حائلة بينها وبين الهداية وتقييم رسائل التوحيد المبثوثة في العالم.

لا شك إن إحضار هذا العرش إلى هناك يعد معجزة لسليمان عليه السلام، وكرامة لفرد من أفراد أمته أوتي علماً لدُنّياً. وكانت هذه كافية لها للإيمان وللتصديق بالنبي سليمان عليه السلام. ولكن كان الأصل في الإيمان هو إعمال العقل واستخدامه والتفكر الآفاقي والأنفسي(*) والمشيئة الإلهية الخاصة. لقد كانت هذه هي وسائل الإيمان حتى ذلك اليوم، وما كان لها أن تتبدل في عهد النبي سليمان عليه السلام ولا من بعده.

اللهم صل وسلم وبارك على من أرسلته رحمة للعالمين وعلى إخوانه من النبيين والمرسلين وعلى أصحابه والتابعين أجمعين.



(*) أي التفكر في الآفاق وفي الأنفس حسب ما ورد في القرآن الكريم )سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ..( ]فصلت: 53[ (المترجم)
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri