(فَتَبَسَّمَ ضَاحِكاً مِنْ قَوْلِهَا) [النمل: 19] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

كلمة الضحك الواردة في الآية الكريمة لا تعني القهقهة بصوت عال، بل تفيد التبسم، أي ظهور خطوط تبسم على شفتيه لبرهة قصيرة من الوقت.

أولاً جرى حوار إعجازي بين النبي سليمان عليه السلام وبين النمل، وذلك بفضل ما وهبه الله تعالى من لطف ومرتبة عالية. لذا نراه يبتسم ابتسامة الشكر، للتعبير عن امتنانه لهذه النعمة. أي قام بالتحدث بنعم الله عليه.

ثانياً قامت النملة بواسطة بعض الإشارات والإشعارات للنبي سليمان عليه السلام ببيان فكرها حول تعيين الحدود النهائية للعدل وللتعامل بالحق فقالت:

(يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) [النمل: 18].

أي قالت هذه النملة لرفيقاتها: إن هؤلاء الناس قد يقومون بالإضرار بكم دون قصد أو تفكير منهم حسب الطبيعة المركبة فيهم. وتبسم سليمان عليه السلام بسبب هذا اللطف الإلهي الممنوح له، وفتح مثل هذا الباب أمامه. لأنه كان لطفاً خاصاً لنبوته. وكان هذا يقتضي منه شكراً حالاً وقولاً، وهذا ما قام به بتبسمه وبشكره.

ومثل هذا التبسم المعبر عن الرضا نجده في السيرة السنية لرسولنا صلى الله عليه و سلم أيضاً. (حدّثنا مسدّد حدثنا حماد بن زيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس بن مالك ويونس بن عبيد عن ثابت عن أنس قال أصاب أهل المدينة قحط على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم فبينما هو يخطبنا يوم جمعة إذ قام رجل فقال يا رسول الله هلك الكراع هلك الشاءُ فادع الله أن يسقينا فمد يديه ودعا قال أنس وإن السماء لمثل الزجاجة فهاجت ريح ثم أنشأت سحابة ثم اجتمعت ثم أرسلت السماء عزاليها فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى فقام إليه ذلك الرجل أو غيره فقال يا رسول الله تهدمت البيوت فادع الله أن يحبسه فتبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم ثم قال حوالينا ولا علينا فنظرت إلى السحاب يتصدع حول المدينة كأنه إكليل حدثنا عيسى بن حماد أخبرنا الليث عن سعيد المقبري عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن انس أنه سمعه يقول فذكر نحو حديث عبد العزيز قال فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه بحذاء وجهه فقال اللهم اسقنا وساق نحوه)[1] أي تبسم رسول الله صلى الله عليه و سلم كعنوان شكر لله تعالى وكتصديق لرسالته وكونه نبيا مستجاب الدعوة.

وقد عبر عن كلتا الابتسامتين بـ "الضحك".لم تكن هذه قهقهة من النبي سليمان عليه السلام، بل ابتسامة خفيفة بدت فوق شفتيه، ويجوز أن أحدا ممن كان حواليه لم ينتبه إليها.

ويمكن النظر إلى آية (يَا أيُّهَا النّملُ ادْخُلُوا مَسَاكِنِكُم لاَ يَحْطِمَنّكُم سُلَيْمَان وَجُنُودَهُ وَهُم لاَ يَشْعُرون) من زاوية أخرى وهي أن النملة تسجل وتقول بأن شخصاً في مستوى النبي سليمان عليه السلام ليس مكلفاً بإقامة العدل بين الناس فقط، بل عليه أن يعدل حتى مع النمل. وبينما تبين النملة صعوبة تحقيق الإنسان للعدل التام فيما بينهم تحذر طائفتها فتقول بأن وجودهم على طريق الجنود شيء محفوف بالمخاطر وبالتهلكة. بينما كان الهدهد الطائر فوق الرؤوس يخبر النبي سليمان عليه السلام عن ملكة سبأ وعن قومها وعبادتهم للشمس. ويبدي عجبه ودهشته من قيامهم بهذه العبادة قائلاً (ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما كنتم تُعلنون), يتعجب من عبادتهم للشمس التي ليست سوى مخلوق من مخلوقات الله تعالى.

والشيء الذي يجلب النظر أن كلا من النملة والملكة بلقيس التي جاء الهدهد بخبرها... كلا منهما أنثى. والأنوثة رمز للخصب. وبجانب كون النملة إشارة إلى ملكة سبأ، فإن كثرة زوجات النبي سليمان عليه السلام واستهدافه كثرة الأبناء من أجل الجهاد وإعلاء كلمة الله أمر جدير بالوقوف عنده.

وأحسب هنا وجود إشارة إلى أن الإنسان الكامل يهتم بعالم الحيوان أيضاً. وقد يكون هذا مهما من زاوية أخرى. فلو كنا على صلة بعالم الحيوان وقدرنا إدراك بعض الحقائق المتعلقة بهذا العالم، لكان هناك الكثير من الحقائق التي كانت المخلوقات توصلها إلينا بلغتها الخاصة بها. وأنا أعتقد أن تسمية بعض سور القرآن بأسماء الحيوانات "مثل: النمل، النحل" إشارة إلى أهمية وجود العلاقة بين عالم الإنسان وعالم الحيوان. فلا بد أن لأحياء كالنمل والنحل - التي تعيش في نظام جمهوري - بعض الحقائق التي تستطيع إلهامها لنا. غير أن هذه العلاقة الدقيقة لا يمكن تحقيقها وشرحها إلا من قبل شُعُورٍ مُدْرِكٍ لإنسانٍ مؤمنٍ.

لقد بين الله تعالى في القرآن إمكانية تخاطب الإنسان مع حيوان تخاطباً مباشراً وتفاهمه معه بمعجزة نبوية. وأن لغة التخاطب هذه لغة فصيحة وبليغة وإنْ لم يتم استعمال الكلمات فيها، وأنها كافية لتكون وسيلة حوار مفتوح بينهما.

وقد يكون أحد أسباب تبسم النبي سليمان عليه السلام هو أن هذا التسخيـر بـ "القوة"قابل للانقلاب إلى تسخيـر بـ "الفعل"، وأنه سيتحقق عندما يأتي أوانه المناسب. الله أعلم بحقيقة الحال والصواب، وإليه المرجع والمآب...



[1] سنن أبي داود، الصلاة 993؛ صحيح البخاري، الجمعة 880.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri