(رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) [النمل: 19] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 2
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هناك أهمية كبيرة للكلمات وللأفعال وللأساليب التي يختارها القرآن لبيان قصده وهدفه. فقد يأتي بمعانٍ يحتاج بيانها إلى صفحات كما هو وارد في هذه الآيات. فمثلا تم استعمال فعل "أنعمت" هنا،ويقصد مه "الهي! لقد وهبت لي نعما عديدة، وطوقت عنقي بإحسانك ".

أي: "إلهي!... لم أبق سجيناً، في سجن العدم بل خرجت إلى الوجود... وجدت... لبست قالب الوجود ولباسه، وأصبحت مرآة مجلوة لك.. من يشاهدني، ومن ينظر إليّ يدرك أنني إشارة إليك، وعلامة منك... لقد أنعمت علي إذ رفعتني لهذا المستوى. وعندما وهبت لي الحياة يسرت لأي إمكانية أوسع للأفصاح عنك. أصبحت أحياناً ناياً يئن، وأحياناً وتراً صادحاً، أو عوداً يرسل نغماته للإشارة إليك. ثم جعلتني إنساناً... ولم تكتف بهذا بل رفعتني وجعلتني إنساناً مؤمناً. فيسرت لي مشاهدة الوجود ومعرفته من زاوية النظرة الإنسانية، كمن يشاهد معرضاً، أو يقرأ صفحات هذا المعرض كمن يقرأ كتاباً مفتوحاً... لقد كان هذا تشريفاً كبيراً لي. أجل!... إن النظر إلى الكون مثل هذه النظرة لا يمكن أن تتم إلا بالقابليات والاستعدادات الخاصة بالإنسان... ربِّ!.. إن هذه النظرة التي أنعمت بها عليّ جعلتني لا أتقيد بمكان، بل بتحريك قابلية التفكير أستطيع التجول في ساحات الذات والصفات والأسماء الحسنى، وفي تجولي في هذه الدائرة الواسعة أقف مبهوراً أمامك ومذهولاً ".

أجل!.. كان سليمان عليه السلام يقصد كل هذا، "بل أكثر بكثير من هذه المعاني باعتبار مقامه الرفيع والسامي" عندما استعمل كلمة "أنعمت".

والأمر الثاني في هذا الصدد هو استعطاف النبي سليمان عليه السلام بفعل "أنعمت فكأنه يقول: "يا رب! إن ما سأطلبه بعد قليل ليس مغايراً لعادتك السبحانية، فكم من لطف تلطفت به علي دون أن أسألك إياه، لذا أعتقد بأنك ستعطيني ما أطلبه منك الآن لأنك قادر على العطاء وعلى الإجابة". وهو يحاول استدرار رحمته وشفقته. ولو قمنا بالتعبير عن هذا بأسلوب الإمام "آلوارلي أفه" لكان الطلب كما يأتي "ماذا يحدث يا رب لو استجبت؟... ماذا يحدث؟... لن ينقص منك شيء يا رب!". وبتعبير آخر: "لقد أعطيتني حتى الآن على الدوام... الهبة صفة من صفات مجدك. لذا لا أطلب منك شيئا خارج ما أعطيته ووهبته حتى الآن، بل أدعو فقط لإتمام نعمك".

في مثل هذا الدعاء كان نسيان أو إهمال الدعاء للوالدين جحوداً، وغفلة عن رؤية الأشياء التي أنعمها عليه بواسطتهما. أجل! كان النبي داود عليه السلام هو والد النبي سليمان عليه السلام، وكان نبيا وصل إلى الذروة ضمن خط النبي إبراهيم عليه السلام، ومظهرا للمدح الذي ذكره الله في القرآن حول بعض الأنبياء، وهو "إنه أواب". لقد وصل إلى هذا المقام الرفيع. أي كان من عباد الله الأجلاء المتوجهين بكل كيانهم نحو الله. ولو قيل له - من هذه الزاوي - إنه النبي "الأواه" لكان هذا في محله. لذا كان من غير المنتظر أبدا من النبي سليمان عليه السلام الذي جاء من صلب مثل هذا النبي ونشأ في حضنه أن ينسى أن لوالديه نصيبا في هذا المقام الذي وصل إليه. وإذا كان لنا أن نعبر بعبارة أوضح لقلنا بأن سليمان عليه السلام كان يدرك أنه لو لم ينشأ في جو مثل هذه العائلة ولم ير تربية كتربية هذه العائلة لكان سليماناً اعتيادياً وفرداً كأفراد آخرين. لذا لم يهمل الدعاء لوالديه.

ويمكن الاقتراب من الموضوع هكذا أيضاً: إن الوالدين هما أقرب الناس إلى الإنسان، ولهما الأولوية في صلة الرحم. والقرآن الكريم يعلمنا هذا الأدب بالأدعية التي يختارها (رَبَّنا اغْفِرْ لي وَلِوالِديَّ وَلِلْمؤمِنينَ يَوْمَ يَقومُ الحِسابُ).

إذن تأتي نفس الإنسان أولا ثم الوالدان. وهذا في الحقيقة شرط من شروط الإنسانية وشرط من شروط التزين بالصفات الإنسانية. والإنسان الحقيقي هو من يتلذذ بتلذذ الآخرين - حسب درجة قربهم منه - ويتألم لألمهم. فهذا شرط من شروط كونه إنسانا. تأملوا مثلا حال النبي إبراهيم عليه السلام فهو - كما ورد في الأحاديث - متألم من حال والده في الدنيا وفي الآخرة[1]. لذا نجد النبي سليمان عليه السلام يتبع جده الأمجد في هذا المر ويشرك والديه في دعائه وكأنه يقول: "إن سعادتهم من سعادتي".

ونقطة أخرى، وهي كما أن استغفار الشخص لوالديه وارد - مثلما سجلنا في الدعاء أعلاه - كذلك يكون شكره للسعادة التي يصل إليها والداه وارداً. أي أن الإنسان إن لم يستطع إيفاء حق والديه في حياتهما، فهناك شيء أخير يستطيع القيام به وهو استعمال لسانه في الخير في حقهما مثل: "اللهم اجعل لوالدي نصيبا من التسبيحات والحمد والاستغفار الذي أقوم به". ونبي مثل سليمان عليه السلام الذي كان يعرف حتى لغة الطير "وعلمنا منطق الطير" كان يستطيع إيفاء هذا الأمر حَقّه على أحسن وجه.

(وأن أعمل صالحاً ترضاه): يجب أن ننظر إلى هذه الآية من زاوية مدى ثقة الأنبياء العظام بمصيرهم وعاقبتهم. إنهم يخشون الله حق خشيته، ولكنهم مطمئنون من ناحية صيانتهم بالرحمة الإلهية. أو أنه قال هذا بالهام من الله تعالى. والنبي سليمان عليه السلام يؤكد هنا بأن الوصول إلى رضا الله يكون بالعمل الصالح، لذا يدعو الله أن يوفقه للعمل الصالح. وهو يعلم بأن العمل الصالح سيولد عملا صالحا آخر في الغالب. ولكن هناك بعض الأعمال التي تبدو صالحة ولكنها لا توصل صاحبها على مقام الرضا الإلهي، ولا تستطيع ذلك أبدا.

والخلاصة أن سليمان عليه السلام عندما مر من وادي النملة وسمع كلام النملة وتبسم منه وشعر بسعة دائرة الإنعام الإلهي المهداة له قال (رَبّ أوْزِعْنِي أنْ اَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الّتِي أنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأنْ أعْمَل صَالِحاً تَرْضَاهُ وَأدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصّالِحِين) فكان مثل النبي يوسف عليه السلام عندما اشتاق إلى لقاء الله وهو في ذروة المقامات المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة. وكذلك النبي سليمان عليه السلام الذي وصل إلى مقام النبوة وسخر له كل شيء من الإنسان إلى النمل ... في هذه اللحظة توجه بكيانه كله إلى الله، ووسيلته في هذا التوجه هي الشكر الذي هو التعبير الجامع للعبودية، والعمل الصالح الذي يرضى عنه مولاه الحق ليدخله الله تعالى برحمته في عباده الصالحين. وقد عبر بهذا عن شوقه للقاء ربه.

إذا كان العمل الصالح هو العمل الذي أمر به الحق تعالى، وفي سبيله ومن أجله فقط، ولم يقصد منه سوى الدار الآخرة فهو العمل الذي طلبه يوسف عليه السلام وطلبه كذلك سليمان عليه السلام.

ربّ أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت عليّ وعلى عبادك المخلصين وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين وصلّ وسلم على من أرسلته رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه أجمعين.


[1] البخاري، الأنبياء 8

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri