| (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ ...) [الشعراء: 224 – 227] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
(وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمْ الْغَاوُونَ # أَلَمْ تَرَى أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ # وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ # إِلاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) [الشعراء: 224 - 227]
من أهم خصائص آيات القرآن الكريم هي أن الأشخاص الذين تستهدفهم الآيات مباشر، والأشخاص الذين تخاطبهم بصورة غير مباشرة مع كونهم مختلفين إلا أن كلا منهم يستطيعون استخراج الدروس والعبر التي مختلف بالنسبة لكل منهما. فمثلاً نرى أن شعراء الجاهلية هم المخاطبون المباشرون بـهذه الآيات. وكان شعراء ذلك العهد الجاهلي يدعون يتصلون بالجن ويستطيعون الإخبار عن الغيب، ويتكلمون كلاماً سجعاً يسحرون به قلوب سامعيهم، أي كانوا يشبهون الوسطاء الروحيين في أيامنا هذه، وكانوا معروفين بمعارضتهم للقرآن. والقرآن عندما ذكر الشعراء في هذه الآية إنما كان يعني هؤلاء الشعراء الجاهليين. وأن وصف القرآن للتابعين لهؤلاء الشعراء والمتأثرين بهم بأنهم "غاوون" يشير إلى مدى انحراف هؤلاء الشعراء. من جهة أخرى تخاطب هذه الآية بعض الشعراء في كل عهد وإن لم يكن بدرجة خطابه لشعراء العهد الجاهلي. فان قومنا آية (والشُّعَرَاء يَتْبَعُهُم الغَاوُون) ضمن هذا الإطار نراها تشير إلى الذين أبعدوا الدين وكل ما يتعلق به عن حياتهم، واتخذوا أهواءهـم أصناماً واتبعوا أمثـال هؤلاء الشـعراء. (ألَمْ تَر أنـّهُم فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُون) أي أنـهم يهملون المعنى والمحتوى والموضوع ويضعونه جانباً ويهيمون الأودية المختلفة للنظم وللنثر تحت اسم وشعار الرومانسية مرة والواقعية مرة والفعلية مرة أخرى. (وأنـّهُم يَقُولُون مَا لاَ يَفْعَلُون) أي أن الكذب ديدنهم، وهم كالصيادين الكذابين الذين يفتخرون بأنهم صيادون جيدون وهم كاذبون. لأنهم يقولون مالا يفعلون. قد يدعون الأدب ويدعون كتابة الروايات، ولكنهم يكذبون على الدوام. (إلاّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَات)... هؤلاء مؤمنون بجانب كونهم شعراء. لذا فالذين يتبعون هؤلاء يشاركونهم نفس الشعور ونفس الإيمان. ولكون هؤلاء قد اتخذوا الخط القرآني منهاجاً لحياتهم، لذا لا ينحرفون ولا يهيمون في كل واد. ولكونهم يعدون قول ما لم يفعلوه من اكبر الذنوب عند الله تعالى لا يكذبون أبداً، ولا يضحون بالقيم التي يؤمنون بها على مذبح الأدب أو الشعر أو الرواية، لسبب كونهم مؤمنين. أي يمثلون الأمن والأمان في الدنيا، ويوحدون بالثقة على الدوام لان القول والعمل عندهم ضمن إطار واحد ولا تناقض بينهما. ولم يكن ينتظر شيء آخر من هؤلاء الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم، والذين إذا ما تعرضوا للظلم هم ينتصرون، ويستعملون حقهم في الدفاع عن أنفسهم. وكما رأينا فان من أهم شروط الاستفادة من القرآن قبوله رسالة عالمية لكل العصور، وقراءة كل إنسان له وكأنه يخاطبه. في هذه الحالة فقط يستطيع القرآن التعبير عن نفسه. ونستطيع نحن الاستفادة منه. والخلاصة أن الشعر والنثر - كغيره من الأعمال ومن المهن الأخرى - يتجلى بشكل مختلف حسب اختلاف من يمثلونه. فبينما يقوم من آمن وعمل صالحاً بعكس أسس إيمانه في شعره ونثره ويهتف بالحق على الدوام، ولا يصرف قابلياته الفنية والأدبية في خيالات "فنطازية"، بل يستعملها لإقامة الحق ومادة لبنائه. قد ينتصر وقد يهزم ولكنه لا يتخلى أبداً عن مناصرة الحق. لقد كان الشعر والنثر والخطابة عند الخنساء وكعب بن زهير وكعب بن مالك وحسان بن ثابت وعبدالله بن رواحة - من الذين نصروا من قبل روح القدس - أداة مؤثرة، وسحراً حلالاً سحر الكثيرين واثر فيهم اكثر من تأثير السيوف القواطع. وبينما تكون صرخة مطلقة في سبيل الحق، أو مقالة تظهر الحقائق وسيلة من وسائل الانتصار للحق ، يمكن أن يكون الشعر والنثر أداة لإلهاب الأهواء والنـزوات. وأداة من أدوات الانحراف وتضليل الإنسان. فمثلاً قد يقوم يوماً أحد هؤلاء الأدباء بمدح الكرم، وفي اليوم الثاني يصفه بالتبذير، ومن يمدحه اليوم ويعلو به إلى السماء، يهاجمه غداً ويخسف به إلى تحت الأرض. تراهم مرة يصفون خيالاً باهتاً بأنه حقيقة باهرة أو تراهم يديرون ظهرهم للحقائق الساطعة ويصفونها بأنها مجموعة أوهام. عندما يتحدثون عن الجمال يثيرون الغرائز الجسدية، ولا يستطيعون رؤية الحسن المجرد. عندما يتحدثون عن الطبيعة يتحدثون عنها وكأنها خالق ومعبود. يتحدثون عن أمور لم تكن ولا يمكن أن تكون، ويستخدمون الأدب والفن وسيلة للكذب وللمبالغة وللديماغوغية. لذا فكل أحوالهم هذه ليست إلا أحوالاً شيطانية. |
| < السابق | التالى > |
|---|



