| (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اْلآخِرِينَ # وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ) [الشعراء: 84-85] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
كان إبراهيم عليه السلام شخصا يدرك تمام الإدراك النعم التي أسبغها عليه ربه وألطاف ربه اللانهائية. فمثل صاحب هذا الإدراك السامي كان يعلم أن كل شيء من الله تعالى، فهو الذي يطعم ويسقي ويعطي القدرة على الكلام. أي هو وحده الحاكم المطلق وليس غيره. وإذا كان صاحب مثل هذا الإدراك يدعو فيقول (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي اْلآخِرِينَ) فلا بد بأن الله تعالى هو الذي ألهمه مثل هذا الدعاء. أي كان الله هو لسانه الناطق، وهو الذي أنطقه بهذا الدعاء، ثم هو الذي قبل هذا الدعاء. ولو لم يكن يريد قبول هذا الدعاء لما ألهمه إياه. أجل!... نقول إنه قبل هذا الدعاء، والدليل على هذا أن المسلمين يذكرونه على الدوام ويدعون له في صلواتـهم. هنا أمر مهم آخر وهو: كما هو معلوم فإن الأنبياء عندما يتوفون لا يتركون وراءهم أموالا وأملاكا للورثة. دعوتهم هي ميراثهم. وكان إبراهيم عليه السلام الذي وصلت إليه سلسلة النبوة (والذي غير أشياء كثيرة في عهده، أي كان نبيا مجددا ومصلحا كبيرا) يرغب بهمته الكبيرة أن ينفتح على الإنسانية جمعاء. وقد تحققت أمنيته هذه كنتيجة طبيعية لقبول دعائه. أي تحول إبراهيم عليه السلام نتيجة عيشه حياة النفي مرتين مهمتين في حياته إلى ظل وارف للإنسانية. ففي الخط الذي بدأ بابنه اسحق عليه السلام وصل إلى المسيح عليه السلام، وفي الخط الذي بدأ بابنه إسماعيل عليه السلام وصل إلى نبينا محمد صلى الله عليه و سلم. وكان في كلا الخطين قدوة وأسوة للجميع. وكان اسمه وذكراه على لسان كل نبي من هؤلاء الأنبياء. ومع أن رسولنا صلى الله عليه و سلم كان خاتم الأنبياء والرسل، إلا أن ذكرى إبراهيم عليه السلام استمرت. وكما ذكرنا أعلاه فإن حب إبراهيم عليه السلام الذي أشربت به قلوب المسلمين بتوجيه وتعليم من الرسول صلى الله عليه و سلم جعل المسلمين يذكرونه على الدوام في أدعيتهم في الصلاة. ويحتمل أن إبراهيم عليه السلام سيكون من ورثة جنة النعيم نتيجة هذه الأدعية والصلوات. وأمر أخير نود ذكره. إن المهمة التي يقوم الأنبياء بإنجازها، والدعوة التي يقومون بتبليغها ليست مجرد فكر أو مجرد هدف سام، أو مجرد غاية يسعون لتحقيقها. فهذه الأمور تبقى ثانوية جدا تجاه الدعوة العظيمة التي يمثلونها. والأنبياء الذين هم موظفون الهيون - ولا سيما إبراهيم عليه السلام- لم يكونوا يرغبون في انتهاء دعوتهم بوفاتهم، بل كانوا يدعون أن تعيش هذه الدعوة إلى الأبد. ومن هذا المنطلق يحتمل أن إبراهيم عليه السلام أراد أن تذكره الأجيال القادمة بالخير. أما دعاؤه (وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنّةِ النّعِيم) فهو لكي يبين بأنه على الرغم من كونه وسيلة لأنبياء عظام ساروا على هذا الصراط المستقيم، وعلى الرغم من كونه مرشداً ودليلا لهذا الصراط المستقيم، فهو يطلب دعاء الأنبياء الذين جاءوا من صلبه ودعاء ورثة هؤلاء الأنبياء، لأنه يعلم وجوب انتظار كل شيء وكل الآمال من مسبب الأسباب، وأن الجنة لطف من الله تعالى وإنعام منه ولا تستحصل بالأعمال، بل بالرحمة الواسعة لله تعالى ونتيجة الطلب والدعاء المستمر. وهذا أمر مهم يجب التأكيد عليه. |
| < السابق | التالى > |
|---|



