| (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) [الأنبياء: 87] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
هذه الآية بخصوص النبي يونس عليه السلام. وحسب روايات عديدة فان هذا النبي الكريم - بعد أن آمن قومه رأى بعض آيات البلاء التي أهلكت كثيرا من الأمم السابقة وإشارات قدومها فترك بلدته قبل أن يتلقى امرا واضحا من الله تعالى. ولأن هذا العمل يعد - بالنسبة للمقربين إلى الله تعالى من أمثاله هفوة فقد ألقى إلى البحر نتيجة قدر الهي مخطط ومدبر، وابتلعه الحوت. وبعد أن انقطعت الأسباب كلها ولم يعد لها أي تأثير، توجه يونس عليه السلام بإدراكه النبوي إلى مسبب الأسباب كلها... توجه إليه وبدأ يدعوه ويسأله. والقرآن يخبرنا عنه فيقول (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أنْ لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ...). لا شريك لك ولا شبيه، وكل ما يجري في العالم يجري بأمرك وبإذنك... لقد قذفت في البحر بإذنك، ولن يكون خلاصي إلا بإذنك وبأمرك وبمشيئتك (سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِين). والحقيقة أن كل نبي صدرت منه هفوة أو زلة سرعان ما كان يتوب أو ينوب إلى الله ويستغفره. فهذا آدم عليه السلام يقول هو وزوجه. (قَالاَ رَبّنَا ظَلَمْنَا أنْفُسَنَا وَإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين) [الأعراف: 23]. وقال موسى عليه السلام متضرعاً: (رَبّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لي) [القصص: 28]. ولا أعلم شيئاً في هذا الخصوص عن نبينا الكريم صلى الله عليه و سلم. ولكن هناك دعاء علمه لأبي بكر الصديق رضي الله عنه استعمل فيه الكلمات نفسها: "اللّهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً". إذا تناولنا هذه الآية مرة ثانية نراها تعلن عظمة الله ووحدانيته بكل قوة "لاَ إلَهَ إلاّ أنْتَ". وبعد غياب الأسباب كلها وزوالها نرى يونس عليه السلام وهو ينبذ هذه الأسباب تماما، وهذا شئ مهم جداً. والحقيقة انه عندما لا تنفع الأسباب يتوجه كل إنسان - شاء أم أبى - إلى الله وحده وهذا هو المعنى الذي تشير إليه الآية (سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِين). هنا يتركز الموضوع حول الاعتراف بعجز الإنسان وبظلمه، ثم التوجه إلى الله وطلب رحمته وشفقته. والحقيقة أن أفضل طريق لجلب رحمة الله ومغفرته هو اعتراف الإنسان بتقصيره، وهذا هو طريق الأنبياء العظام عليهم السلام. وهنا أمر أشار إليه بديع الزمان سعيد النورسي، وهو كون جملة "لا اله إلا أنت" جملة مشيرة إلى مستقبلنا. أجل! فلو تناولنا الموضوع ضمن قاعدة "الانطباق مع مقتضى الحال"، فإن الله تعالى وحده هو الذي يستطيع أن ينقذنا - سواء على مستوى الفرد أم على مستوى المجتمع - من الظلام إلى النور وأن يوصلنا إلى شاطئ السلامة. ويكون هذا بشعار "لا إله إلا أنت" الذي يحتوي على جميع أنواع التوحيد. ولكن يجب هنا الإشارة إلى أمر آخر. وهو أن النبي يونس عليه السلام نادى "لا اله إلا أنت" بسبب الظرف الخاص المحيط به. أما نحن فنقول "لا اله إلا الله" بدلا من "لا اله إلا أنت" بسبب الظروف المحيطة بنا. ويحسن كذاك الإشارة إلى الأمور الآتية، وهي أن دعاء النبي يونس عليه السلام وتضرعه وقع وتحقق في جوف الليل فهناك ظلمات عديدة كما في آية (الله وَلِي الّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظّلُمُاتِ إلى النُّورِ) [البقرة: 257] وآية (وتركهم في ظُلُمات....) [البقرة: 17]. فهناك عدة ظلمات هنا عند الابتعاد عن النور. ولكن الظلمة الأولى التي تعرض لها النبي يونس عليه السلام هي زلته التي ضببت عالمه الداخلي، ثم كانت هناك الظلمة الحقيقية لليل وظلمة ووحشة بطن الحوت... أي ظلمات عديدة. وقبل أن يتعرض النبي يونس عليه السلام لهذه المحنة كان - وهو النبي العارف بالله - عارفا بالتوحيد العميق التجريدي، وكان يعني بتضرعه "سبحانك". يا رب! إنني التجئ إليك وأنا مدرك ومعلن حق ألوهيتك وحكمتها ومقتضى هذه الحكمة، وأعلن عن عجزي وضعفي تجاهك. أما قوله (إني كنت من الظالمين) فليس سوى عد الأنبياء العظام للهفوات الصغيرة الصادرة منهم أموراً أجساماً، وهو مثل قول: "هذه حالي وأنت أدرى بها". وهو مثل قول شاعر كبير: حاجتي كبيرة وأنت أعلم بها صمتي كلام ناطق وهو خطابي حقيقي لمثل هذا النبي المختار، ولمثل هذا التضرع المختار جاء الجواب من وراء السماوات: (وَنَجّيْنَاهُ مِنَ الْغَمّ) [الأنبياء: 88]. اللهم كما نجيته فنجنّا من الغمّ بحرمة من أرسلته رحمة للعالمين، وصلى الله عليه وعلى آله أجمعين. |
| < السابق | التالى > |
|---|



