(وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى) [طه: 13] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

إن اختيار موسى عليه السلام للنبوة في بني إسرائيل مرتبة مشرفة لا يمكن الوصول إليها من جهة، وامتحان من جهة أخرى. ونال هذا المنصب الرفيع السامي مكافأة مقدمة وأجرة عاجلة على عزمه القوي وشجاعته وإقدامه في المستقبل، وعلى شعور تام بعظم المسؤولية الملقاة على عاتقه ولتواضعه وصدقه وإخلاصه ووقوفه بجانب الحق على الدوام مما خلد هذا الرأسمال الأخروي. فقد نشأ موسى عليه السلام في قصر فرعون كالأمراء تحوطه العناية والاهتمام ويلقى الاحترام والتبجيل.لذا فإن رجوع مثل هذا الشخص إلى الناس الذين كان فرعون يحتقرهم ويعدهم عبيدا له بل لا يتورع عن قتلهم بكل بساطة، ثم التمازج والائتلاف معهم ليس شيئا هينا على النفس أبدا، بل مشكلة كبيرة استطاع موسى عليه السلام تجاوزها، ووصل من هذه الزاوية الإنسانية - التي لم يستطعها أحد سوى أشخاص بعدد أصابع اليد الواحدة - إلى الذروة. وهذه الماهية والصورة الإنسانية التي كان يتمتع بها كانت ضمن أسباب الاختيار للنبوة "وأنا اخترتك" ومن بين أسباب المدح الإلهي له.

لم يكن هذا الاختيار من قبل بطانة القصر ولا من قبل بني إسرائيل، بل كان انتخاباً سماوياً من قبل الله تعالى، ليكون أهلاً للخطاب الإلهي وممثلاً له أولاً، ثم ليؤسس عالماً جديداً تحت رعاية وإشراف عالم الغيب. ولهذا ذكرت الآية الكريمة (وأنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى). فبجانب المدح واللطف الإلهي هناك توجيه وفتح باب لتشكيل أمة بناء على تلك الهمة الفردية العالية ومتناسبا معها.

في هذا الخطاب نرى أن الانتخاب والاختيار متداخل مع التنبيه للمسؤولية، ومع بشارة الاختيار نرى التذكير بالمسؤولية. وعندما يكون الكلام هو كلام الحق تعالى، والمخاطب هو النبي الكليم يكون من الطبيعي وصول العبارة إلى مثل هذا الظرف واللطف.

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri