| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
أصحاب الكهف أي أصحاب المغارة. ومع انه قيل انـهم من أتباع النبي عيسى عليه السلام وأتباع الإنجيل، أو أتباع نبي آخر. إلا أننا نستطيع القول - انطلاقا مما جاء في القرآن الكريم - بان أصحاب الكهف جماعة تمثل رمز البعث والإحياء حتى يوم القيامة. لأن جميع حركات البعث والإحياء مرت بفترات الضيق وفترات العيش في المغارات أو تحت الأرض، وسيتكرر هذا في المستقبل أيضا. وإذا أتينا إلى عددهم، فالقرآن ينفي انـهم كانوا ثلاثة، أما الادّعاء بأنـهم كانوا خمسة فيصفه بأنه رجم بالغيب، ويسكت عن كونـهم سبعة ثامنهم كلبهم. أي يدع الباب مفتوحا للعدد سبعة. ويحمل علماء التفسير هذه القناعة استنادا إلى أسلوب التعبير القرآني هنا. وهنا توجد نكتة لطيفة، فالقرآن الكريم بعدما يذكر أن عدد أصحاب الكهف كان سبعة يستعمل واو العطف فيقول (وثَامِنُهُمْ كَلْبُهُم) مشيرا إلى أن الإنسان والكلب لا يجمعان معا. إذن فلو دخل هذا الكلب الجنة مع أصحاب الكهف - كما ورد في رواية - فالناس يدخلون بوصفهم أناساً والكلب بوصفه كلبا. والآن لنرجع إلى البداية ولنطالع معا هذه الآية مرة أخرى. (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى) إنـهم فتية شجعان... شجعان بأفئدتـهم... شجعان بأفكارهم... شجعان بضمائرهم... شجعان بسلوكهم وتصرفاتـهم... انـهم فتية أقوياء الإيمان إلى درجة قيامهم بشق عصا الطاعة ضد الباطل. ومع انـهم كانوا فئة صغيرة فلم يترددوا في بدء هذه الحركة النابعة من اهتدائهم وإيمانـهم بربـهم الذي زادهم هدى من عنده على هداهم الذي كسبوه بجهدهم... زادهم هدى اعمق برحمته الواسعة الشاملة وجعل منهم عصبة من الفتية المؤمنة حق الإيمان. ونعلم حسب آية (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبـِهِم) أن التأييد الرباني لإيمانـهم وتقوية ربهم لهذا الإيمان وترسيخه في قلوبهم كان بنسبة إيمانهم السابق وبنسبة نيتهم الصالحة. بل إن تلقيهم مساعدة ومعونة واضحة وصريحة من الله تعالى وارد أحيانا، وهذا وسيلة مهمة للاطمئنان القلبي، لأنه يعني الارتباط مع الله تعالى. وهناك حديث نبوي شريف يشير إلى حال نوع من إيمان الفرد يكون ذكر الله تعالى عنده في كل آن... يذكره أبدا... يحس به على الدوام بقلبه، ويراه على الدوام بروحه، ويشعر بقوته وقدرته، ويبحث عن رضاه على الدوام.... ففي هذا الحديث يورد رسول الله صلى الله عليه و سلم حالات خاصة كالتوضؤ في شروط صعبة، والذهاب إلى مساجد بعيدة بحيث يكثر عدد خطواته، وانتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد ويختم الحديث بقوله صلى الله عليه و سلم: (فذلكم الرباط... فذلكم الرباط... فذلكم الرباط)[1]. والرباط هو المرابطة في الثغور. إذن فمعنى (وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِم) هو أننا أيدنا قلوبهم بالرباط الإلهي. ومن الطبيعي أن من وصل إلى مثل هذا الرباط وهذا الاطمئنان يكون متبعا للحق شجاعا غير وجل. مثل هؤلاء الناس المجهزين بمثل هذا الإيمان (إذ قاموا) قاموا ليرفعوا صوت الحق ضد موات القلب وضد الانحراف عن المنطق. وقد وَجَدَ سارتر وكامو وماركوس مكاناً لهم في الأدب العالمي بأدب التمرد المعبّر عن الفلسفة الوجودية التي اعتنقوها. تمردوا على جميع عادات وأعراف المجتمع وجميع القيم الدينية والأسرية واصفين إياها بالعبث. ولكن تمرد أصحاب الكهف لم يكن من هذا النمط. لقد تمردوا ولكن بعد أن عيّنوا البديل (رَبُّنَا رَبّ السَّمَوَات والأرْض). أي لم يكن تمردهم عملية هدم وقطع للجذور كما فعل الوجوديون. بل عملية إنشاء وتعمير وعملية ربط مع رب السماوات والأرض الذي خلق كل شيء في السماوات والأرض وقدره فاحسن تقديره. أي كانوا رواد حملة تجديدية بديلة. ومن ثم (لَنْ نَدْعُوَا مِنْ دُونِهِ إلهاً لَقَدْ قُلْنَا إِذاً شَطَطاً). إذن: 1- لا نستطيع النظر إلى انفصالهم عن مجتمعهم ولجوئهم إلى الكهف كأنه عملية هروب. أجل... إن ابتعادهم وانفصالهم عن مجتمعهم لم يكن كابتعاد وانفصال الجبناء. بل يحتمل ان هجرتهم من مدينتهم كانت مثل هجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما ذهب إلى الكعبة قبيل هجرته وقال للقوم: (من أراد أن يرمل امرأته وييتم أولاده فليتبعني).[2] أجـل لقد كان فرارا، ولكنه فرار من النـوع الذي ذكره القرآن الكريم (ففروا إلى الله) [الذاريات:50]... أي فرار إلى الله ولجوء إليه. 2- إن مثل هذا التمرد الذي أعقبه الابتعاد كان وسيلة لانعكاس جديد لأفكارهم ومبادئهم على مجتمعهم ضمن تفاسير مختلفة لاختلاف عامل الزمن. لقد أدت صيحتهم الشجاعة هذه إلى هز عقول الكثيرين في مجتمعهم وإلى تليين قلوب العديدين منهم. لقد تنوقلت أفكارهم ومبادؤهم وأنباء سلوكهم الشجاع من لسان إلى لسان ومن قلب إلى قلب حتى أحاطت بالمجتمع كله مثل بذور بذرت في التربة ثم نمت وترعرعت وأصبحت سنابل نضرة. 3- يروى أن أصحاب الكهف كانوا أناسا من منتسبي قصر الملك ولم يكن قيام أي إنسان منتسب إلى القصر بترك حياة السعادة والرفاهية والترف الذي يعيش فيه لينخرط في طريق مخالف للملك ولكل المجتمع... لم يكن مثل هذا التصرف شيئاً مشاهداً أو مألوفاً آنذاك. ولاشك ان هذا التصرف من أصحاب الكهف قد لفت إليهم الأنظار، وكان لقيامهم بتصرف غير مسبوق من قبل من اجل دين معين وفكر معين وتقبلهم بكل رحابة صدر تضحيات ما كانت تدور بخلد أحد منهم مما أحدثَ هزةً عنيفة في ذلك المجتمع، فحول الأنظار والانتباه إلى دعوتهم وإلى رسالتهم . 4- إن كان أصحاب الكهف قد قرروا الالتجاء إلى الكهف والبقاء فيه حتى يموت الملك ويزول ظلم الدولة وإرهابها ليرجعوا بعد ذلك إلى الناس من جديد والدعوة إلى دينهم الحق فإن مدة بقائهم في الكهف (أي مدة 309 سنوات "ثلاثمائة سنينَ وازدادوا تسعاً") بمثابة عبادة لهم ينالون ثوابها بسبب نيتهم الصالحة وعمق هذه النية، لذا يعدون فائزين على أي حال من الأحوال. لأن الشخص المتعب الذي ينام على نية القيام لأداء صلاة العشاء بشكل أفضل وفي حالة راحة فان نومه يعد له عبادة. لذا يجب النظر إلى قيام أصحاب الكهف بالاختفاء بان نيتهم كانت الرجوع مرة أخرى إلى نشر دعوتهم بعد انكسار حدة الكفر. فلو كنت متعودا على الحياة المرفهة للقصر والنوم على الفرش الوثيرة الناعمة وتركت تلك الحياة وفضلت عليها النوم على الصخور الصلدة، وفضلت صحبة كلب على صحبة أناس عديدين رجالا ونساء يقفون لك تحية وتبجيلا... إن كنت هكذا أليس من الطبيعي أن تنتظر مثل هذا الثواب؟... بلى.... لذا فمن الطبيعي أن يهبهم الله تعالى جزاء مكافئ عمق نيتهم الصالحة. 5- والحقيقة أن الكهف هو مكان لإتمام عملية الشحن، وموضع لاكتشاف الإنسان لنفسه... لَم؟ ذلك لأن النضال ضد الكفر (ولا سيما في الأوقات التي لا يوجد هناك أي توازن بين قوة الكفر وقوة الإيمان) وهزه ثم الانتصار عليه لا يتم إلا بعزم يقارب عزم الأنبياء. تأمل حياة الرسول صلى الله عليه و سلم: ألم يقض مدة ستة اشهر في تأمل وتحنث في مغارة لأجل استكمال الاستعداد اللازم لتلقي الوحي؟ ونجد أن من جاء من بعده صلى الله عليه و سلم ممن ساروا على نهجه لا بد وأن في حياتهم فترة غار أو كهف. أجل هناك فترة غار في حياة الإمام الغزالي والإمام السرهندي ومولانا خالد والأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي.... فترة شحن، وفترة رجوع إلى النفس... فترة انزواء لتجميع الطاقة والقوة لمواجهة الإلحاد والكفاح ضده أما مقدار هذه الفترة فقد كان ستة اشهر عند رسولنا صلى الله عليه و سلم وخمس سنوات أو عشر سنوات عند الأولياء والأصفياء بل كان منهم من عاش حياة انزواء مدة ستين سنة. والحقيقة أن الشيء نفسه وارد بالنسبة للجماعات التي تقوم بحركات التجديد وبإعادة الإنسانية إلى رشدها وإلى خط سيرها الصحيح في الحقب التاريخية المختلفة. أجل نحن نشاهد فترة الانزواء الكهفي عند جميع من مثلوا روح الفتوة هذه... إن الإنسان لكي يكون مظهرا لبعض النعم الالهية، والالهامات السماوية فلا بد له من فترة كهفية. وبعد هذا الذي عرضناه آنفاً في هذه المسألة لم يعد من الصواب إثارة تساؤلات أو الدخول في متاهات لم يشر إليها الكتاب أو السنة في هذه المسالة مثل تعيين موقع معين للكهف، أو تعيين أسماء الحكام الظالمين الذين ظلموا أصحاب الكهف وقومهم إنّ مثل هذا يُعَّد رجما بالغيب وفتات معلومات لا تكسب الروح والإيمان أي معرفة روحانية أو قلبية أو شوقية. ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا. وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أبداً. [1] مسلم، الطهارة 41؛ النسائي، الطهارة 106؛ الترمذي، الطهارة 39 ؛ الموطأ، السفر 55 [2] الحلبي، (إنسان العيون) الجزء الثاني، 183-184 |
| < السابق | التالى > |
|---|



