(...إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [إبراهيم: 5] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

هناك أربعة مواضع تنتهي بمثل هذه الآية، وهي الآية الخامسة من سورة إبراهيم والآية الواحدة والثلاثين من سورة لقمان والآية التاسعة عشرة من سورة سبأ والآية الثالثة والثلاثين من سورة الشورى. ولو تم تدقيق سياق هذه الآيات سيلاحظ بأنـها تأتي في أعقاب النعم التي أنعمها الله تعالى على الإنسان ثم يقال بأن هناك آيات حول وجود الله ووحدانيته لكل صبّار شكور، وهما صيغة مبالغة للصابر وللشاكر. وكما يقول القرآن فأن نعم الله على الإنسان كثيرة بحيث لو قمنا بعدها لا نستطيع ان نحصيها (وان تعدوا نعمة الله لاتحصوها)، ولكن الألفة والعادة التي يعيش في ظلها الإنسان المرتبط بجسده تجعله لا يحس بقدر هذه النعم وقيمتها إلا عندما تزول عنه. ولكن الأصل هو معرفة الإنسان بقيمة هذه النعم وهي بعد موجودة وقريبة، والتوجه إلى الله بكل جوارحه. وعندما تسلب هذه النعم منّا - بناء على حكم عديدة - تفرض عبوديتنا علينا الألتزام بالصبر الجميل في جميع الأحوال، وعلينا أن نقول على الدوام: "إن لطفك وقهرك يا ربنا سواء" وألا نتصرف أي تصرف سلبي ينافي عبوديتنا لله، وذلك تاييدا للحديث النبوي الشريف: (عجباً لأمر المؤمن إنّ أمرهُ كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن. إن أصابتهُ سرّاء شكرَ فكان خيراً له، وإن أصابتهُ ضرّاء صبر فكان خيراً له).[1]

صحيح أن القرآن ذكر صيغة المبالغة للصابر والشاكر، ولكن لماذا ؟

ذلك لأنه لا توجد هناك نعمة صغيرة من بين النعم التي أنعمها الله تعالى علــى الإنسان... فأي نعمة تعد صغيرة ؟ الأصابع الخمسة نعمة صغيرة ؟ أم الغدد اللعابية الموجودة في أفواهنا وعملها ؟ أم النعم المذكورة في هذه الآيات من تسيير السفن في البحار؟ أم الهواء ؟... أم الماء... أم الحياة... أم الإيمان؟... أي منها ؟... كلا... لا توجد هناك نعمة نستطيع أن نقول عليها أنـها نعمة صغيرة. إذن يجب أن يكون هناك شكر كثير لهذه النعم. وعندما تذهب هذه النعم - لحكمة من حكم الابتلاء - يستوجب هذا الذهابُ صبر جميل. والنبي أيوب عليه السلام مثال أنموذجي للصبر الجميل. والأستاذ بديع الزمان النورسي يقول عنه أنه كان "بطل الصبر". فبعد اخذ جميع النعم الدنيوية منه لم تتغير حاله أو طوره او توجهه نحو الله تعالى. ثم ان بطل الصبر والعرفان هذا الذي كان صبره نتيجة لأيمانه لم ينحرف إلى اليأس امام جميع المحن والشدائد التي تذهب بالصبر لأنه كان يدرك المعنى الحقيقي لأسباب المشقات والمحن، وكان يدرك جيدا أن للشرور جوانب خيّرة. لذا كان قلبه مفعما بالإيمان ولم ينـزلق إلى القلق بل إلى الشكر والحمد في أوقات صبره على المحن.

ثم أنه يجب أداء الصبر والشكر باحساس وعاطفة، وهذا يتناسب مع قوة إيمان وعرفان الإنسان وضمن اطار وظيفته ومسؤوليته. فالنبي الذي خوطب بـ (أخرج قومكَ من الظُلماتِ إلى النور) [إبراهيم: 5] كان مأموراً بإخراج قومه فقط من الظلمات إلى النور. بينما خوطب نبينا صلى الله عليه و سلم بـ (لتُخرجَ الناسَ من الظلمات إلى النور) [إبراهيم: 1] أي كلف بإخراج الناس من الظلمات إلى النور، وعاش صلى الله عليه و سلم جو هذه المُهمّة.



[1] مسلم، الزهد 64 ؛ المسند، 5/24 ؛ الدارمي ، الرقائق 61
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri