|
لم يدخل الأنبياء في المراء أبدا أثناء قيامهم بمهمتهم في التبليغ والدعوة، بل كانوا يقتربون من الناس بالحكمة والموعظة الحسنة. والقرآن الكريم يوجه الرسول صلى الله عليه و سلم قائلاً له: {اُدْعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن} (النحل: 125). أي اشرح حِكَم الأشياء وأسرار الخلق بشكل هين لين، وبأسلوب مقنع دون أن تمس مشاعرهم بأذى، محاولا إشباع عقولهم.
لم يُقبل الأنبياء على الجدل والمراء والنقاش، ولم يهتموا بالأسلوب الفلسفي، إذ لم تؤد هذه الأساليب -لا في الماضي ولا في الحاضر- إلى هداية أي شخص، ولا إلى تقديم أي فائدة للإنسان، وقد صانهم الله تعالى من الانشغال بأي عبث، ومن ثم كانت مهمتهم في التبليغ تنحصر في الدعوة إلى الله بالحكمة وبالموعظة الحسنة. إن الإنسان ليس عقلاً وفكراً فقط، بل له قلب وروح... فيه سرّ وخفيّ وأخفى... وكل لطيفة من لطائفه تحتاج إلى إشباعها؛ ومن هنا يتناول الأنبياء الإنسان بكل جوانبه محاولين إشباع جميع هذه الأحاسيس والمشاعر عند قيامهم بمهمة الدعوة. وهذه الدعوة التي لا تُهمِل أيَّ جانب من جوانب الإنسان وأي شعور من مشاعره أو لطيفة من لطائفه تفضي في النهاية إلى إزالة جميع الشبه أمام الإنسان المخاطب ليصل إلى وحدة الإيمان التي هي غاية الوجود الإنساني. إن الذين يتخرجون من مدارس الأنبياء يحملون إيماناً متميزاً ويقيناً ثابتا؛ فأعينهم التي تُطلّ على العالم تنفتح بجانبها بصائر أخرى يرون بها ما لا يرى الناس. فلو امتلأت الدنيا بالشبه والشكوك لَما أثّرت فيهم ولَما أثارت لديهم سوى مشاعر الإشفاق؛ لأن هذه الشبه والشكوك لا تستطيع النفوذ إلى ضمائرهم وقلوبهم المملوءة بالمعرفة الحقة والعلم اليقين.. والله تعالى يبارك علمهم ويضاعفه لهم ويعلّمهم ما لم يكونوا يعلمون. ([1]) فنسيم الإلهام السماوي يهبّ على قلوبهم فيحوّلها إلى سماء؛ وعندما يعمل هؤلاء بما يعلمون يجدون أنفسهم على مركب "الكلمة الطيبة" المنطلقة في أبعاد السماء... فتسمو بهم وترقَى... ([2]) حتى إنه ينشأ من بينهم شخصٌ مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الذي قال: "لو كُشف الغِطاء ما ازددتُ يقيناً"([3]). فيفرج أبواب السر، أي لو رفع ستار الغيب وشاهدت كل ما يمكن مشاهدته لما كان هناك احتمال وصولي إلى مرتبة أعلى في الإيمان والمعرفة، ذلك لأنني على يقين بأني في ذروة الإيمان بالغيب. وهذا الكلام الذي قاله رجل كعلي بن أبي طالب رضي الله عنه هو من باب التحدث بنعم الله، وقد أعلنه رسول الله صلى الله عليه و سلم -بتقدير من الله- أباً للأولياء حتى يوم القيامة، فقد رباه في كنفه وزوَّجه أفضل النساء وأجملَهنّ وأظرفهنّ وزهرة حديقة النبوة التي فاقت الحور العين في جمالها وهي ابنته فاطمة رضي الله عنها. ومن هذا الزواج المبارك جاء ريحانتا الجنة الحسن والحسين، ومن هذا النسل المبارك جاء جميع الأولياء وجميع الأقطاب. ومثلما كان علي رضي الله عنه بهذه المنزلة، فإن كل حلقة من حلقات سلالته، وكل حفيد من أحفاده يعد كل واحد منهم مثال البطولة في التاريخ؛ ولا يَبلُغ هذه المرتبة إلا منْ بلَغ مرتبة الإحسان بإيمانه وإسلامه، وعند ذلك يكون من الذين تَصدُق عليهم هذه الآية الكريمة وهم في الدنيا {فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد} (ق: 33).([4]) وهذه الفراسة التي يُطلِق عليها الغربيون اصطلاح "Sihashsti" عندما تبدأ بالعمل داخل الإنسان انقطع عمل العالم الخارجي عنده، حيث يستولي عليه هذا الإلهام الداخلي وقابلية الحدس؛ ذلك لأن الحقيقة آنذاك تكون قد استقرت داخل النفس فما الحاجة إلى البحث عنها في الخارج؟ والنبي صلى الله عليه و سلم الذي سما بطلابه وجعلهم يبلغون هذه المرتبة العالية كان قد اتخذ من الموعظة الحسنة أساساً في دعوته وفي بنائه للنفوس. وما نحاول نحن أن نشرحه في هذا الصدد قامت هذه الآية الكريمة ببيانه بأوجز صورة وأعمقها {كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون} (البقرة: 151). وإننا نرى من الأفضل عدم الإطالة هنا؛ لأننا قمنا بإيراد الأمثلة حول مدى اهتمام رسولنا الكريم صلى الله عليه و سلم ومدى حساسيته في هذه الناحية. ولكن إن أردنا تلخيص الموضوع في جملتين أو ثلاث فيمكننا أن نقول: لقد كان صلى الله عليه و سلم يخاطب كل إنسان حسب مستواه العقلي ووضعه النفسي دون زيادة ولا نقصان، وبأسلوب حكيم بحيث لا يترك ذلك الإنسانُ مجلسه إلا وهو مطمئن القلب مكتسب الإيمان. وكثير من الأشخاص الذين عاندوا في الإيمان كأبي جهل والوليد بن المغيرة وعُتبة بن ربيعة كانوا أسرى غرورهم وعنادهم، وبعضهم أسرى خوفهم، أي أن سبب الإنكار كان يعود إليهم وليس إلى أي قصور في طريقة تبليغ الرسول صلى الله عليه و سلم. وكان منهم -مثل الشاعر الأعشى- من قبِل كل شيء إلاّ أنه لم يكن يستطيع التخلّي عن كل ما ألفه سابقاً من عادات، لذا طلبوا منه إمهالهم، ولو مات أحد من هؤلاء قبل وصولهم إلى الهداية التامة لكان معنى ذلك أن كتاب القضاء والقدر سبق إليهم؛ وهنا أيضاً لا نجد قصوراً أو إهمالاً في التبليغ عند رسول الله صلى الله عليه و سلم.
([1]) انظر إلى هذا الحديث: «من عمل بما يعلم ورّثه الله عِلْمَ ما لم يعلم.» («حلية الأولياء» لأبي نعيم 10/15) ([2]) انظر: {إليه يَصعَد الكَلِم الطيِّب والعمل الصالح يَرفعه} (فاطر: 10). ([3]) «الأسرار المرفوعة» لعلي القاري ص193 ([4]) مسلم، فضائل الصحابة، 61 |