| (ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوْا الآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ) [يوسف: 35] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
يمكن تفسير هذه الآية من عدة زوايا: 1) إن هذا الموضوع الذي تناقلته هؤلاء النسوة في ذلك اليوم قد شاع وانتشر في مصر. لذا كان من الضروري لقطع هذه الشائعات في ذلك المجتمع القيام بإتـهام يوسف عليه السلام وسجنه وإن كان بريئا، وذلك على حساب البراءة الظاهرية لإمرأة العزيز وقد اعتادت النظم القانونية في كل عهد ان تنحني أمام قوة الطبقة الحاكمة. 2) لم يدافع يوسف عليه السلام عن نفسه عندما قاموا بسجنه. لأن أي دفاع عن نفسه كان يعني في الوقت نفسه رسم علامات استفهام كثيرة حول شرف الطرف المقابل وعفته. بينما على كل نبي ان يصون شرفه وعفة الطرف المقابل وكرامته من الهوان أيضا. أي بينما يصون نفسه من الزنا يصون لسانه من الغيبة. وقد فعل هذا فعلا. وبعد ان قضى في السجن من عمره خمساً إلى عشر سنوات كانت تلك الشائعات قد نسيت منذ مدة طويلة، كما لم يكن الجيل الجديد على علم بـها. وعندما خرج يوسف عليه السلام من السجن لم يكن أي اثر من تلك الشائعات. وبتعبير آخر فضّل يوسف عليه السلام قضاء خمس او عشر سنوات من عمره في السجن في سبيل الحفاظ على سمعة وعرض الطرف الآخر. وفي النتيجة، وبعد عشر سنوات قال الذين اتـهموا يوسف عليه السلام ظلما (الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ) واعلنوا برأءته. وكما يسلم به الجميع فان هناك فرقا كبيرا جدا بين قيام الشخص بإعلان براءته وبين قيام الآخرين بإعلان هذه البراءة، وكانت برأءة يوسف عليه السلام تعلن من قبل الطرف الآخر. هذا الإعلان الذي كان أكثر تأثيرا ومفعولا بين الناس. وعلى الرغم من توافر الأدلة على برآءة يوسف عليه السلام حسب تقييمهم من كون القميص قد قدّ من قبل او من دبر، والنساء اللائي قطعن ايديهن وشهادتهن ببراءته فيما بعد... على الرغم من هذا فقد سجن هذا النبي الكريم كمثال وقدوة للمسجونين الأبرياء لكي يقاسي الآم السجن وينضج هناك، ثم يخرج من السجن الذي دخله كأسير وخادم حسب الظاهر وكحبيب للقلوب والأفكار وكحبيب للشعب المصري في الواقع. والحقيقة أنه في اللحظة التي دخل فيها السجن وفقد حريته كان قد دخل مرحلة حكم القلوب والنفوذ فيها. وبينما كانت الاهواء والأنانية تدفعه نحو ظلام السجن، كان يسير نحو بعث جديد لحياة الروح والقلب. وبجانب قيامه بتحقيق كماله الإنساني كان يقوم بنفث روح الحياة إلى مجتمع ميت، وإضاءة درب يمتد إلى موسى وداود وسليمان وعيسى عليهم السلام وإلى فخر الكائنات صلى الله عليه وسلم... اضاءة هذا الدرب من فوق اهرام الفراعنة. وقد تحقق كل هذا وبقي يوسف عليه السلام ذكرى جميلة لمن جاء من بعده. |
| < السابق | التالى > |
|---|



