| (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبـِّـهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف: 24] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
يرتكب في العادة خطأن عند تقديم مآل وتفسير هذه الآية: 1) يتم تقديم شخص صالح ومخلص في جميع أحواله وأعماله مثل يوسف عليه السلام وكأنه شخص أسير لمشاعره وأهوائه كأي شخص عادي. لذا نرى هؤلاء يحسبون عند تفسير هذه الآية بان امرأة العزيز مالت إليه وأن يوسف عليه السلام مال إليها، ولكنه رأى برهان ربه. ولكن طراز حياته السابقة المتسمة بالصدق والصلاح، وكذلك المعنى الموجود في دوام الآية، أي صرف السؤء والفحشاء عنه وكونه من العباد المخلصين، حيث جاءت العبارة بصيغة اسم المفعول أي كونه شخصا مخلصا وواصلا إلى الإخلاص بالهبة الربانية وباللطف الرباني الذي لا خيار له فيه. لذا نفهم هذه الآية بـهذا المعنى الذي يمنع الذهاب إلى أي ظن سلبي في حق هذا النبي الكريم. 2) أما الذين يتناولون هذه الآية في صيغة معاكسة للفطرة الإنسانية وللطبيعة البشرية فيقولون بأن يوسف عليه السلام لم يكن يملك أي رغبة شهوية. لا شك في وجود نواقص في طراز هذين الفكرين. فالأنبياء أيضاً بشر ولكن من زاوية كونـهم معصومين ومصانين فهم فوق البشر من هذه الزاوية، أي من زاوية العصمة والصيانة. توجد الشهوات لديهم ولكنها شهوات تحت قيادة الإرادة النبوية الحازمة وأوهار سيطرتها وعزمها. والآية هنا تريد تسجيل براءة يوسف عليه السلام، لذا فعلى الرغم من وجود الشهوة لديه فانه التجأ إلى الصيانة الإلهية والحفظ الإلهي واستعمل إرادته القوية فلم يمل إلى المرأة أبدا. وعندما يرسم القرآن الكريم ما حدث هناك يستعمل تعبير (ولقد هَمّتْ به) وهو يدل صراحة على ميل المرأة نحوه، ولا يمكن تفسير هذا الميل بالدعابة أو بالامتحان. أي أن المجال كان مفتوحاً ليوسف عليه السلام حتى النهاية في ذلك المكان المقفل. ولكنه كان على الدوام ضمن برهان ربه... أي كان ضمن دائرة الإيمان والمعرفة والإتصال المخلص بالله مع مخافة منه ومهابة تلف كل كيانه، فقدم أفضل انموذج للإرادة القوية الصلبة. مع أن كل الظروف والشروط كانت مواتية وتغوي الجسد إلا أنه سد كل منافذ هذه الظروف هوله (معاذ الله). وسما فوق كل تلك الظروف وبددها وفتتها مظهراً عمقه الخاص اللائق بالعظماء. إن ما صانه في تلك اللحظة التي توافرت كل الشروط لجر الإنسان إلى هاوية الإثم لم يكن سوى عفته وعصمته وإرادته المتوجهة - بفكره المخلص - نحو الإنسان الكامل. ثم أنه كان إماماً مختاراً في موضوع طاعة الله ودعوة الناس إلى هذه الطاعة، ورجل دعوة ورسالة. والحقيقة أنه عندما حان الوقت المناسب شهدت زليخا بعفته وعصمته فقالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم). وعندما يرسم القرآن الكريم ما حدث هناك يقول: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَ مِنَ الصَّاغِرِينَ) [يوسف: 32] كان يوسف عليه السلام مثالا للشاب الوسيم الممتلئ رجولة، كما كان يملك - مثل سائر الإنبياء الآخرين - جمالا نفسيا وجمالا داخليا أي كان جماله الخارجي متمما ومكملا وموازيا لجماله الداخلي العميق. أما زليخا فلم تستطع الوصول إلى مستوى الناس الذين يحولون نظرهم من الفاني إلى الباقي، ومن الزائل إلى الخالد، بل غلبت من قبل أهوائها ورغباتـها، وبقيت هذه الرغبة المشتعلة والحب المضطرم منحصرا في إطار الجسد فقط. فاذا أضفنا إلى هذا الجمال الداخلي والخارجي ليوسف عليه السلام، نرى أن الخطأ الذي استمر منذ آدم عليه السلام تكرر وانخدع ابن آدم مرة أخرى. وفي الآية أعلاه نرى أن إمرأة العزيز بعد أن رأت كيف قطّعت النسوه أيديهن، قالت مدافعة عن نفسها ومبررة ضعفها ولائمة هؤلاء النسوة اللواتي تناقلن فيما بينهن من أنـها قد شغفت به حبا، فقالت (فذلكن الذي لمتني فيه). وكانت حال هذه النسوه شاهدة على الجمال الخارجي الذي يأخذ بالألباب ليوسف عليه السلام وأول إعتراف نسائي. أما الإعتراف الثاني فكان من قبل إمرأة العزيز عندما قالت (ولقد راودته عن نفسه فاستعصم). وهو أيضا شهادة على عفة هذا النبي ورصانته وعصمته وطهارته. |
| < السابق | التالى > |
|---|



