‏ (وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلاً وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللهُ أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً) [الأنفال: 44] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

حدث هذا في معركة بدر. فالذين اشتركوا من المسلمين في هذه الحرب لم يكونوا حتى ذلك اليوم قد شاهدوا حرباً حقيقية. ‏ويجب ألاّ ننسى أنـهم عندما خرجوا من المدينة لم تكن نيتهم الدخول في حرب، بل تعقب القافلة. لذا فلو رأى المسلمون الاعداء ‏بكامل قوتهم وعددهم لربما خافوا وارتعبوا. ولكن عندما بدأت الحرب ولم يعد هناك أي مجال للتراجع أراهم الله الوضع الحقيقي ‏لاعدائهم، لكي يتوكلوا على الله ويلتجئوا إلى عنـايته. ولو دام المسلمون في رؤية أعدائهم قلة لاستهانوا بـهم ولم يأخذوهم ‏مأخذ الجد، لأن الإنسان عادة ما ينسى العناية الربانية في أوقات الراحة والرخاء والإرتخاء.

من المفيد هنا التعرض لأمر آخر. إن الملائكة الذين ارسلوا للمساعدة في معركة بدر لم يقاتلوا مقاتلة البشر، لأنـهم أرسلوا من ‏أجل تحطيم الروح المعنوية للجبهة المعادية وتقوية الروح المعنوية لدى المسلمين. ولو اشتركت الملائكة في الحرب اشتراكاً فعلياً ‏لاختل عالم الأسباب، ولما كان يتاح لأحد الوصول إلى مرتبة "الغازي" ولفترت الهمم واعتمد الناس على العناية الإلهية ‏ومساعدتـها. أما العناية الإلهية في هذه الدنيا التي هي دار إمتحان فهي تأتي تحت نقاب وتحت ستار.‏

إن تقليل الله لعدد المشركين في أعين المسلمين قبل بدء الحرب واشتداد أوارها لمنع حدوث أي يأس في القلوب وكذلك لتحقيق ‏التهيئة الروحية والشوق الروحي للشهادة في القلوب... كان هذا هو العناية الربانية الأولى والرحمة الربانية الأولى. كما كان تقليل ‏عدد المسلمين في أعين الأعداء ضرباً آخر من العناية الربانية. وبذلك فقط تيسر استخدام أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم ‏لبلوغ المرام الإلهي. ثم شاهد كل طرف العدد الحقيقي للطرف المقابل، ولكن القدر الإلهي كان قد بدأ، حيث وجد المؤمنون ‏أنفسهم في خضم الحرب وفي وسطها. وبينما وصل المؤمنون - بعناية من الله وتأييده وبخطة إستراتيجية جيدة للحرب - إلى ‏النصر، ذاق المشركون - البعيدون عن التأييد والنصر الإلهي - مرارة الهزيمة وانقلبوا على أعقابـهم خائبين خاسرين.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri