| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
(هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْـكُنَ إِلَيْـهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلاً خَفِيفاً فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوا اللهَ رَبَّهُمَا لَئِـنْ آتَيْتَنَا صَالِحاً لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ # فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [الاعراف: 189-190] هناك حقيقة واقعية وهي أن بعض المؤمنين يدخلون أحياناً في دائرة الشرك وإن لم يكن هذا الدخول بقطعية أهل الشرك. وكما تبين هذه الآية الكريمة فان الحب المفرط للأولاد درب من دروب الشرك. فبدلاً من النظر إلى أولادنا وأحفادنا بأنـهم نعمة ولطف وأمانة من قبل الله مودعة في رقابنا، ننظر إليهم وكاننا مالكون لهم، بل يقوم البعض بترك الصلاة والعبادة بسببهم فكأن حبهم للأولاد أكثر من حبهم لله تعالى. وبدلاً من حبنا للأولاد من أجل الله، نقوم بحبهم دون التفكير في الله "ان كان هذا التعبير جائزاً" ونحس بمستوى من العلاقة ومن العاطفة والحب يؤدي إلى درجة شرك ضمني دون قصد. اذن يجب التصرف حسب قاعدة "لا يسع قلب واحد حبين".[1] ونكون على أهبة دائمة ضد الشرك. طبعاً أن هذا سهل جداً من ناحية القول ومن ناحية مجرد الكلام، ولكن تطبيقه في الحياة أصعب مما يبدو. ومع ذلك فيجب أن نفعل كل ما في وسعنا للتطهر من الشرك، وبذل كل عناية لعدم الإقتراب من أماكن تشم على البعد منها رائحة الشرك. فان فعلنا هذا يأتي دعاء الرسول صلى الله عليه و سلم كوصفة مهمة وضرورية (اللهم إني أعوذ بك من أن أشرك بك شيئاً وأنا أعلم، واستغفرك لما لا أعلم)[2]. ويمكن النظر في موضوع حب الأولاد من زاوية مختلفة: قد لا يؤاخذ الإنسان في المسائل العاطفية. غير أنه مكلف من الناحية الدينية بتعديل مشاعره الفطرية. فمثلاً قد يكون أحدهم نـهما في الأكل والشرب وقد يتمنى عيش حياة ارستقراطية، ويظهر رغبة وحرصاً شـديدين في هذا الأمر، فيتصرف دون أن يحسب حساباً لعواقب هذا السلوك. لأن الإنسان بفطرته خلق ضعيفاً أمام رغباته وبخيلا وعجولاً. فهذا موجود في فطرته. كما أنه يحمل بين جنباته بجانب مشاعر الحقد والكره والعداء مشاعر محبة ومشاعر إنسانية. وهذه الخصال بمثابة ممرين يؤديان إلى الشر وإلى الخير. لذا كان عليه القيام بسد المنافذ والأبواب المفتوحة في ماهيته على الشر، وأن يسيطر على مشاعره العدوانية بأفكاره وبمشاعره الدينية، وهذا ما ندعوه بالتعبير الديني "إكتساب الفطرة الثانية"، لكي يصل إلى الكمال المقدر له. أي أن يجعل من فطرته - التي يفتح لها البـاب على كل شيء - باباً واحداً فقط مؤدياً به إلى الله تعالى وتقوية صلته به. وحب الأولاد من هذا القبيل، فهو موجود في فطرة الإنسان، ولولا هذا الحب لما تلقى الأطفال اي رعاية، ولما اهتم احد بـهم وبتربيتهم وتعليمهم. ولما تقدم لا البلد ولا الإنسانية. نرى حوالينا العديد من الأولاد الشـقاة والعصاة، ومع ذلك يبقون في رعاية آبائهم وأمهاتهم. ولولا هذا الحب الموجود في فطرة الإنسان نحو الأولاد لامتلأت الشوارع بالاولاد المطرودين من البيوت. ولكن يجب ملاحظة ضرورة تعديل القلوب من ناحية هذه العاطفة - كغيرها من العواطف الأخرى - بعاطفة حب الله تعالى لكي يتم الوصول إلى الإستقامة المطلوبة. لأن الإرتباط بالله إن لم يكن هو محور الحياة فلا مناص من الإنحراف. لذا وجب نمو وتجذر حب الله تعالى في كل قلب. وهذا مرتبط برياضة وبتدريب معينين. أي إن قال أي إنسان لم يعرف في حياته أي رياضة روحية "إنني أهب مالي وولدي في سبيلك يارب!" كان هذا أحياناً رياءً وأحياناً كذباً. لأن من الضروري قبل هذا طرد الخصال القبيحة من الروح واستنبات الخصال الحميدة خصلة خصلة مكانها لكي تتشرب اعماق نفوسنا بالاسلام ويصبح قطعة من طبيعتنا ومن فطرتنا فتكون تصرفاتنا الجميلة طبيعية آنذاك. وإلا لما استطعنا التخلص من الثنائية في التفكير ومن الثنائية في العيش وفي التصرف. والآية تنتقل من آدم عليه السلام إلى بني آدم فرداً فرداً وجماعة جماعة، وتمتد كسلسلة طويلة حيث تظهر ضمن وحدتها العامة وضمن نوعها تمايزاً واختلافاً، وغنى في محتواها. هذا الإنسان الذي ان افلح في بلوغ الهدف سبق وبزّ بثوابه الملائكة، وان أخلد إلى الأرض كان أدنى من الشيطان الملعون وأحقر. وعندما تذكر الآية هذه الحلقات الصالحة أو الفاسدة من هذه السلسلة للسلالة الإنسانية تستعمل أسلوباً معيناً في شرح هيئتها العامة لذا عندما ندرك هذا لا نحتاج إلى طرح سؤال: من هذه الأزواج؟ أهي آدم عليه السلام زوجته حواء؟ أم قصي وزوجته من قريش؟ أم غيرهم؟ إن هذا الإنسان بروحه واستعداداته ومحتواه وخلقه وغناه مخلوق مع زوجه من نفس واحدة نستطيع أن نطلق عليها اسم "الفرد الحقيقي"، ثم خلق من هذا الانسان - أو من جنسه - مخلوقات أخرى، بشكل أزواج. أي أنه خلق زوج الإنسان وشكّله من العناصر الرئيسة لماهيته، وجعل أحدهما محتاجاً للآخر. ومتمماً له، ويجد الطمأنينة والراحة معه، يفهم احدهما الآخر ويشعر به ويستطيع ان يبثه ما يعتلج في قلبه... أي كل منهما وجه لوحدة واحدة من الخلق، فيتم التذكير هنا بوحدة الخلق، ويتم التذكير باننا كنا مظهراً للخلق ونعمته، أي عندما تمتليء قلوبنا بمشاعر الشكر تمتليء كذلك عقولنا وإدراكنا بأحاسيس الحمد أيضاً. [1] أو حسب ما جاء في القرآن (ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.....) [2] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن. |
| < السابق | التالى > |
|---|



