الـتـجـرد والـتـوجه إلـى الله وحـده طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 3
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22

عند قيام الأنبياء والمرسلين بمهمتهم لا ينتظرون أي أجر أو مقابل، مادياًّ كان أم معنوياً. فشعارهم الموحد كما بينه القرآن في آيات عديدة وفي مناسبات مختلفة على لسان معظم الأنبياء والرسل {إن أجري إلا على الله} (يونس: 72 وهود: 29). إننا قد ننتظر أجراً معنوياًّ إن لم ننتظر الأجر المادي. أما هذا الأمر غير وارد مطلقاً مع الأنبياء، فهم لا ينتظرون أجراً من أحد، إذ إن ما يفعلونه يكون لأنه أمر من الله تعالى. ولو فرضنا المستحيل وقلنا بأنهم عرفوا أن مصيرهم سيكون صلي لهيب جهنم لما ترددوا أبداً عن أداء مهمتهم لحظة واحدة. ولما انحرفوا عن غايتهم قيد شعرة.

إن الأنبياء والرسل أشخاص في الذروة، مستعدون للتضحية بكل مشاعرهم المادية والمعنوية في سبيل دعوتهم، فليس حب الجنة ونعيمها وخشية النار وجحيمها هما الحادي لهم لتنفيذ هذه المهمة الشاقة والقيام بهذه الوظيفة الصعبة؛ بل إن الحصول على رضا الله تعالى وحسن قبوله هو أسمى غاية لهم.

أجل، إن جميع أعمال الأنبياء خالصة لله عز و جل، ويبلغ هذا الأمر عند رسولنا صلى الله عليه و سلم مبلغ الذروة. ففي الدنيا قال «أمتي» وعند المحشر يوم القيامة يقول: «أمتي!.. أمتي!...»([1]) فتأملوا درجة إخلاصه أن أبواب الجنة مفتحة له على مصراعيها تنتظر تشريفه لها، غير أنه منشغل الفكر بمصير أمته يبتغي أن يوصلها إلى الجنة، من أجل ذلك يرجح البقاء في جو ذلك المحشر الرهيب على التنعم بنعيم الجنة. وهو لا يفعل هذا لأصهاره ولأقربائه فقط، بل لأمته جميعاً حتى المجرمين منها.

أجل، إن منافذ أرواحهم منفتحة على غاية واحدة لا غير، هي الحصول على رضا الله تعالى، ومغلقة أمام جميع المنافذ والأبواب الأخرى.

إن الذين يقومون بمهمة التبليغ والدعوة اليوم -وهي مهمة الأنبياء والمرسلين كما قلنا- يجب أن ينتبهوا لهذا الأمر ويكونوا شديدي الحساسية تجاهه، فهو في غاية الأهمية وشديد الخطورة. فتأثير الكلام والخطاب لا يرتبط بمدى بلاغته وفصاحته بل بمقدار ما يتضمنه من إخلاص وتجرد.

والقرآن الكريم يشير إلى هذا فيقول: {اِتّبعوا من لا يسألكم أجراً وهم مهتدون} (يس: 21).

أجل، اتبعوا الأنبياء الذين يحلقون في سماء التجرد والهداية؛ لأنهم لا يطلبون منكم أجراً دنيوياًّ. وفكِّروا مليا قبل أن تسيروا وراء أي شخص، فالشخص الذي تسيرون وراءه وتتبعون خطاه يجب أن يكون متجرداً لله، وأن يكون حب العمل في سبيل الله شاغله ليلا ونهارا لا يلتفت إلى زخرف الدنيا، بل يصب همه في تهيئة طرق النصر للأجيال القادمة. فلا يكون لحب الدنيا وزينتها أي ظل على قلبه المنطوي على التجرد لله... ومن ثم فلتفتشوا لزعامتكم وقيادتكم عن مثل هذا الشخص ولتسيروا وراءه.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم شخصاً متجرداً لله، لم يشبع حتى من خبز الشعير، وربما تمر أيام وأسابيع بل شهور فلا توقد في بيته نار لطبخ طعام أو عمل حُساء.([2])

يروي أبو هريرة رضي الله عنه: دخلت على النبي صلى الله عليه و سلم وهو يصلي جالساً، فقلت: يا رسول الله أراك تصلي جالساً فما أصابك؟ قال: «الجوع.» فبكيت، فقال: «لا تبكِ يا أبا هريرة، فإن شدة الحساب يوم القيامة لا تُصيب الجائع إذا احتسب في دار الدنيا.»([3])

وتروي أمنا عائشة رضي الله عنها فتقول:

دخلتْ عليّ امرأة من الأنصار فرأت فراش رسول الله عباءة مثنية، فانطلقتْ فبعثتْ إليّ بفراش حَشْوُه الصوف، فدخل عليّ رسول الله فقال: «ما هذا يا عائشة؟» قالت: قلت: يا رسول الله فلانة الأنصارية دخلتْ عليّ فرأت فراشك فذهبت فبعثت إليّ بهذا فقال: «رُدِّيه.» قالت: فلمْ أَرُدّه وأعجبني أن يكون في بيتي حتى قال. ذلك ثلاث مرات. قالت: فقال: «رُدِّيه يا عائشة فوالله لو شئتُ لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة.»([4])

أجل، فلو أراد الرسول صلى الله عليه و سلم لعاش حياة لينة ومرفهة ولكنه لم يرد ذلك.

يروي أبو هريرة رضي الله عنه: جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه و سلم فنظر إلى السماء فإذا ملك ينزل فقال جبريل هذا الملك ما نزل منذ خلق قبل الساعة. فلما نزل قال: "يا محمد! أرسلني إليك ربك أفملِكا نبياًّ أجعلك أوْ عبداً رسولاً؟" قال جبريل: "تواضعْ لربك يا محمد" قال: «بل عبداً رسولاً.»([5]) فما رُئيَ رسول الله صلى الله عليه و سلم أكل متكئاً حتى لحق بربه. وعن أبي أُمامة قال: كانت امرأة تُرافِث الرجال وكانت بذيئة فمرت بالنبي صلى الله عليه و سلم وهو يأكل ثريداً على طربال فقالت انظروا إليه يجلس كما يجلس العبد ويأكل كما يأكل العبد فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «وأيُّ عبدٍ أعبد مني؟.»([6])

إن صفحات حياة الرسول صلى الله عليه و سلم مملوءة بأمثلة التجرد لله، ومن أراد الاطلاع على هذه الأمثلة وتفاصليها فهناك مئات من الكتب حولها. أجل، لقد عاش جميع الأنبياء -وفي مقدمتهم رسول الله صلى الله عليه و سلم- حياة تجرد ووهبوا أنفسهم لله، ولم يطلبوا مقابل خدماتهم التي أدّوها أي أجر دنيوي أو أخروي؛ وهذا هو السر الذي يكمن وراء قابلية الإقناع عندهم وقابلية التأثير. إن من يرغب أن يكون لكلامه تأثير ومفعول كمفعول إكسير الحياة فعليه ألا يطلب أو ينتظر أجرا مقابل الخدمات التي يؤديها.


([1]) البخاري، التوحيد، 32؛ مسلم، الإيمان، 326
([2]) البخاري، الرقاق، 17؛ مسلم، الزهد، 28
([3]) «كنز العمال» للهندي 7/199
([4]) «البداية والنهاية» لابن كثير 6/60
([5]) «المسند» للإمام أحمد 2/231؛ «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/18-19
([6]) «مجمع الزوائد» للهيثمي 9/21

 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri