(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) [الأنعام : 124] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 1
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.26

ولادة الإسلام ورسالته في مكة ثم انتشاره في أرجاء العالم بعد ذلك مبنية على حكم عديدة. وكما يمكن تقييم الآية الكريمة (اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) من هذه الزاوية أيضاً، يمكن تقييمها أيضاً من الناحية الانتروبولوجية والجغرافية والتاريخية والإنسانية ومن ناحية المكان واللغة وسائر الأبعاد الأخرى للمسألة. أجل! إن الله تعالى هو أعلم لمن يعطي نبوته ورسالته وفي أي مجتمع يظهر رسوله. كما أنه هو الأعلم متى يظهر رسالته وفي ضمن أي جو من الصراع الدولي والديني والإنساني وبعد بلوغ هذا الصراع أي مستوى يرسل رسولاً جديداً وديناً جديداً. والآن لنتفحص هذه الأمور:

1- البعد الإنساني للرسالة:

تشير هذه الآية إلى أن الله تعالى هو الأعلم بالرسول الذي يختاره ويودع إليه أمانة تبليغ هذه الرسالة الإلهية، ولمن يتم توجيه هذه الرسالة. وفي العهد النبوي كان هناك من يظن أن وليد بن المغيرة وعروة بن مسعود الثقفي أولى بالرسالة وأنسب. وقد ذكر القرآن رأي هؤلاء في هذين الشخصين في آية أخرى فقال: (وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم). ورد القرآن عليهم فقال (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) [الزخرف: 32]. ولا شك أن قضية خطيرة جداً وأمراً خطيراً جداً مثل أمر النبوة لا يمكن تركه لرأي هذا أو ذاك. فاذا كان الله تعالى يعلم - وهو يعلم دون شك - اللطائف الإنسانية الموجودة في روح الإنسان وقلبه ويهدف إلى إحياء هذه اللطائف فيه فهو الادرى بلاشك بانسب شخص للقيام بـهذه المهمة. لذا فالشخص الذي يشرفه الله تعالى بالرسالة هو أنسب الأشخاص.

إن قيام الوليد بن المغيرة وغيره باستصغار نبينا صلى الله عليه و سلم والنظر إليه باعتباره غير أهل للرسالة يُعدّ اقترافاً لجرم كبير، وهم بـهذا العمل هبطوا في نظر الله تعالى إلى أوطأ درجة ومنـزلة واحقرها. والله تعالى يخبرنا بالهوان والصغار الذي سيصيب هؤلاء في سياق الآية نفسها (سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ) [الأنعام: 124].

والله تعالى يقول:(اللهُ يَصْطَفِي مِنْ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنْ النَّاسِ) [الحج: 75] فما علينا إلا توقير واحترام من اصطفاه الله تعالى واطاعته. وإلا فابداء أي تذمر وجداني ضد من اختاره الله يهبط بمنزلة ذلك الإنسان ويجعله حقيراً ومهاناً، ويكون محروماً من الفيوضات والبركات التي يتمتع بها الأنبياء والأولياء والأصفياء والمقربون.

أجل! مثل هذا الشخص - مهما كانت منـزلته - سيكون حبيس الهوان والصغار، ويحرم من كل الفيوضات الربانية.

ثم أن عظمة رسولنا صلى الله عليه و سلم ولياقته وقابلياته معروفة ومسلم بـها في جميع العصور والعهود ومن قبل الجميع. ومع أن الكتب المنزلة القديمة حرفت، فان علماء اجلاء من أمثال العلامة رحمة الله الهندي والعلامة الجسر وجدوا في هذه الكتب أربع عشرة ومئة بشارة ونصاً حول مجئ هذا الرسول الكريم. أجل! فقد أجمع الأنبياء - اعتباراً من داود وسليمان وموسى عليهم السلام وانتهاءً إلى يحيى وزكريا وعيسى عليهم السلام - على البشارة بقدوم هذا الرسول الكريم، واخبروا أممهم وأقوامهم بأنه سيكون جامعاً لجميع فضائل الأنبياء عليهم السلام. وبـهذا الاعتبار فالرسول صلى الله عليه و سلم هو صاحب "مقام الجمع".

أجل!... لقد تجلت فيه وحدة الأنبياء العظام، أي أن الرسول صلى الله عليه و سلم كان برسالته العالمية الشاملة جامعاً لأفكار جميع الأنبياء العظام للإنسانية ورسالاتهم. لذا فهو يعد من جهة تأسيس جميع قضايا الايمان الضرورية مؤسساً، ويعد من جهة تصحيحه للتحريفات مصححاً، ويعد مجدداً في الأمور التي احتاجت للتجديد والتكميل، لذا فلا رسول ولا نبي بعده. لأن قضايا العقيدة وصلت الى وحدة متكاملة، فمن يأتي بعده سيمزق هذه الوحدة المتكاملة. لذا فهو الرسول والنبي الأخير، أي هو خاتم الأنبياء والمرسلين. لأن الإنسانية وصلت به في الفكر والشعور وفي الدين والعقيدة وفي الإدارة والسلوك والطريق إلى جميع مفاتيح المغاليق في العقيدة والفكر والحياة بحيث لم تبق هناك حاجة لرسالة جديدة. لذا كان على الإنسانية جمعاء تنظيم جميع قضاياها الحيوية في ضوء هذه الرسالة الأخيرة وعلى هداها.

والجانب الآخر لهذا الموضوع هو أن نبوة محمد صلى الله عليه و سلم ورسالته كانت قبل جميع الأنبياء والمرسلين. فقد ورد في أحد الأحاديث: (أول ما خلق الله نوري)[1]، وفي حديث آخر (كنت نبياً وآدم منجدل في طينته)[2] أي أن تخطيط إرساله نبياً كان قبل الجميع، وقد تناول المتصوفة هذا الأمر تحت عنوان "الحقيقة الأحمدية" ووقفوا عندها كثيراً. وهم يرون أن الحقيقة الأحمدية هي في الوقت نفسه حقيقة الكون، وأرادوا به اظهار عظمة الرسول صلى الله عليه و سلم وانه كان مظهراً لأعظم رسالة.

من المفيد هنا أن نقف لحظة أمام هذا الأمر الآتي: أن الرسول صلى الله عليه و سلم وصل إلى مرتبة لم يصل إليها أحد. إذا أخذنا بنظر الاعتبار النور الذي نشره من ناحية الكم ومن ناحية الكيف أيضاً، ولا يستطيع أحد الوصول إليه. وهذا من الناحية العملية أكبر دليل وبرهان على عظمة الرسالة التي حملها ونشرها.

ذلك لأن مئات الأديان كالبوذية والبراهمية والطوطمية وغيرها وحتى الأديان السماوية كالمسيحية واليهودية قد أصابـها التحريف والتبديل بنسبة ما باستثناء الإسلام. قد تكون المسيحية اليوم أكثر انتشاراً من الاسلام، غير أنه من الصعب اليوم العثور على المسيحية الحقيقية حسبما جاء بـها السيد المسيح عليه السلام، ومن الصعب اليوم أن تفهم المسيحية التي غرقت في لجة تأويلات وتفسيرات معقدة. ولو لم نطلع في القرآن الكريم على الهوية الحقيقية للمسيح عليه السلام، لما كان بامكاننا قبوله بالشكل المقدم في الكتاب المقدس في خضم التناقضات العديدة الموجودة حوله. لأن عيسى عليه السلام الذي يظهر أمامنا في انجيل يوحنا وفي إنجيل متى ولوقا لا يختلف في شيء عن الله تعالى "حاشا لله"، فهو على العرش بجانب الله ويتقاسم معه الربوبية، ولا تتخلص الانسانية من خطيئتها المتوارثة - حسب زعمهم - ولا تستطيع أن تدخل الجنة التي فقدتها إلا بفضله. أجل!... أن ماهية المسيح عليه السلام معقدة ومضطربة وبعيدة عن التصديق إلى هذه الدرجة في النصوص الحالية للكتاب المقدس. ومثل جميع الحقائق الأخرى، فلم نعرف حقيقة المسيح عليه السلام إلا بفضل رسالة نبينا صلى الله عليه و سلم....؟

2- البعد المكاني للرسالة:

(اللهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ)، بنشأة رسولنا صلى الله عليه و سلم في مكة حكم عديدة ايضاً من ناحية الرسالة. فمعلوم أن مكة المكرمة تحبط بسرة الأرض. والكعبة سرة الأرض وقلب الوجود. ويقول بعض الأولياء من أرباب الكشف ان الكعبة والرسول صلى الله عليه و سلم خلقا معاً، وأن حقيقة الكعبة والحقيقة الاحمدية مترافقتان ومتقارنتان. ففي نزول الحقيقة الاحمدية اخطأ بعض الأولياء عندما قالوا أن حقيقة الكعبة متقدمة على الحقيقة الاحمدية. بينما الحقيقة الاحمدية لم تتأخر عن حقيقة الكعبة ابداً.. وهاتان الحقيقتان وجهان لوحدة واحدة. ولو اريد لأي دين عالمي أن يمثل في الأرض لكانت مكة المكرمة - التي نشأ فيها الرسول صلى الله عليه و سلم - هي أفضل مكان له. ثم ألا يصفها القرآن الكريم بأنـها "أم القرى"؟ أجل انـها أم المدن وأم القرى وقد عملت كحاضنة للرسول صلى الله عليه و سلم في نشأته، بل غذته كما يغذي رحم الأم الجنين. إن النبي موسى عليه السلام لم يتلق رسالته إلى بني اسرائيل من "الأيكة"، بل من الارض المباركة طور سيناء. وكما رنّت هذه الأرض بالدين الموسوي، وكما تلقى موسى عليه السلام رسالته الأولى إلى بني اسرائيل من هذه الأرض حسب مستواهم، كذلك ما كان لرسالة القرآن العالمية الشاملة في الزمان والمكان أن تنطلق إلا من البلدة التي توجد فيها الكعبة... وهكذا كان.

والجانب الآخر من المسألة هو ان مكة كانت بلدة استراتيجية من وجوه عدة، إذ كانت ملتقى عدة دول آنذاك... كانت كالساحل الذي تضربه الأمواج تتكسر عليه. كما كانت مكة والمدينة مهداً لمدنيات قديمة مثل مدنية سبأ وحضرموت وصنعاء، ويقال أن المسافر الذي كان يخرج من المدينة متوجهاً نحو حضرموت كان يسافر في ظلال وارفة ولا تمسه الشمس حتى وصوله إلى حضرموت. وألا يذكر القرآن هذه الجنان ويصفها بجنة الأرض أو جنة عدن؟. وهكذا كانت مكة والمدينة مهدين لمثل هذه الحضارات القديمة كما كانتا على علاقة بمدنية بيزنطة في روما ومدنية الساسانيين في إيران. وقد التقت ثقافة روما بواسطة مدينة انطاكيا، مع ثقافة مصر القديمة "أنتجت" أو "أتجبت" مدينة الإسكندرية التاريخية.. كانت روما تعد آنذاك القوة العالمية العظمى، وقد نزلت سورة "الروم" في حق القوى العظمى في تلك الأيام. وفي سنوات الولادة أسست الامبراطورية الساسانية حكمها في اليمن لفترة معينة. وقامت احياناً بتحريض اليمن ضد أهل مكة. ولم يكن مجئ جيش أصحاب الفيل إلى مكة لتخريبها إلا نتيجة تحريض الساسانيين ولكن الله تعالى لم يسمح أن يصيب مكة أي ضرر، وأبقاها بلدة آمنة.

لذا يمكن القول من هذه الزاوية بأن الجزيرة العربية كانت ارضاً ملائمة لتقديم رسالة الإسلام العالمية. أجل أن رسالة تخاطب العالم أجمع يجب أن تعطى من مكان بحيث ما أن تظهر هذه الرسالة للوجود حتى يكون بالامكان نشرها في العالم. وكانت مكة والمدينة صالحة من الناحية الاستراتيجية لهذا الأمر. فما أن وقفت دعوة هذه الرسالة على قدميها في هذه الأرض المباركة حتى واجهت هاتين الحضارتين وهاتين الثقافتين. ثم بواسطة هاتين الحضارتين وهاتين الثقافتين استطاعت هذه الرسالة الوصول إلى أمم وشعوب عديدة. فبواسطة إحداها وصلت إلى أبواب اوروبا، وبواسطة الأخرى وصلت إلى أقاصي آسيا لكي تؤدي مهمتها العالمية الشاملة.

كانت مكة آنذاك مركزاً تجارياً مهماً يأتي إليها التجار من مختلف البلدان للاستيراد وللتصدير وكانت مكة مدينة صالحة للتجارة صيفاً وشتاءً، وكما جاء في القرآن فان قوافل التجارة كانت تسير إلى الشام وإلى اليمن من مكة، حتى ان مكة اصبحت قلب التجارة في تلك المنطقة، حتى أن المسلمين عندما هاجروا من مكة إلى المدينة نافسوا تجار اليهود الذين كانوا يحتكرون التجارة في المدينة، وبعد فترة عجز التجار اليهود عن منافستهم. وهذا يرينا أن التجار المكيين كانوا بفضل تمرسهم بالتجارة الدولية على علم بالبنية الاجتماعية والثقافية للدول العظمى. ونعرف اليوم بشكل أفضل بان فهم الطابع الاجتماعي والخصائص الاجتماعية العامة لأمة والاطلاع على اهتماماتها، ومعرفة بنيتها الاقتصادية من أهم الأسس في إقامة العلاقات معها. كان أهل مكة في ذلك العهد على علم بثقافة وعادات الأمم المجاورة بفضل العلاقات التجارية التي اقاموها معها. وكان هذا الأمر ملائماً لتشكيل اساساً مناسباً للدعوة إلى الرسالة التي ظهرت هناك فيما بعد. أجل!... أن ظهور الرسول محمد صلى الله عليه و سلم برسالته العالمية الشاملة في ذلك المكان المبارك، في مكة المكرمة أمر هام جداً. ولو قمت بتغيير هذا المكان أي لو أخذت هذه الرسالة من مكة ومن المدينة ونقلتها إلى الطائف أو إلى الرياض أو إلى عمان لتغيرت موازين عديدة وخسرنا جميع المميزات التي كانت تتميز بها مكة، وهذا يعني اعاقة نمو هذه الرسالة وانتشارها. أجل!... أن مكة والمدينة كانتا مدينتين ضروريتين للدعوة وللرسالة.

ويجب ان نذكر ايضاً ان ظهور هذه الرسالة في جو صحراوي ملتهب يعد شيئاً ايجابياً. فمثل هذه الصحارى بلعت غزاة عديدين مثل نابليون وهتلر وقواد الرومان وغلبتهم. أما المجاهدون المسلمون الاوائل الذين كانوا قد تعودوا على مشاق هذا المناخ فقد انتصروا في كل معركة دخلوها. بينما كان الآخرون يتقدمون بصعوبة في هذه الربوع، أما المجاهدون المسلمون فقد كانوا - متأقلمين مع هذه الطبيعة المناخية والجغرافية - يستطيعون التقدم بكل سهولة وبكل سرعة كما كانوا يملكون تفوقاً لوجستيكياً. فمثلاً لو ان جيشاً متعوداً على مناخ تركيا او مناخ الشام دخل معركة تبوك لكان من المحتمل أن يكون التلف مصير مثل هذا الجيش.

وهناك مسألة أخرى، وهي أن جزيرة العرب لما كانت صحراء قاحلة لم تكن الدول الكبرى تطمع فيها، كما لم يكن البترول ولا الثروات الأخرى معروفة آنذاك. وكانت نباتاتها وأشجارها وأراضيها الخضراء قليلة جداً. لذا لم تكن مكة ولا المدينة - خارج أمور التجارة - مدناً يطمع فيها الآخرون أو يحبون استكشافها. لذا بقيتا مصونتين من احتلال الدول الأخرى. ومع أن الدول الكبرى آنذاك كانت تبعث من حين لآخر بعض الولاة إلى هذه الأماكن المباركة. ولكن هذه الدول كانت تعلم أنه لا يوجد لها ما تنتفع به في هذه الأماكن. لذا لم تنفذ ثقافات هذه الدول إلى هنا ولم تقم بإفساد فطرة الناس فيها. لذا وجد الإسلام الفرصة لكي يقوم بنشر عقائده الصافية والمصانة من تأثير المدنيات والثقافات الأخرى، في ربوع العالم بأسره. ولو حدث العكس، أي لو تعرضت مكة والمدينة لاحتلال فكري وثقافي اجنبي، لصادفت رسالة الإسلام صعوبات اضافية. لقد وجدت الثقافة الإسلامية في هذا المركز الأمين مهدها مثلما يجد المطر أرضه الصالحة التي تتفجر منها الينابيع الثرة التي لا تستطيع الدلاء تكديرها. لذا لم تستطع لا عقيدة الساسانيين ولا عقيدة روما الوثنية تكدير النبع الصافي لهذه الرسالة، فحسب مثل "لا تكدره الدلاء" لم تكن الدلاء المدلاة إلى هذا النبع الصافي - المستند إلى الفيض الاقدس وإلى الوحي والمحفوظ تحت أمن الجناح الألهي - قادرة على تكديره.

وهكذا فان مكة الحائزة على صفة مميزة وهي كونها بمثابة مسقط لسدرة المنتهى،[3] وكذلك بسبب موقعها الجغرافي المتميز كانت تملك أهمية كبيرة كمكان صالح للرسالة. وانتقلت أمانة حمل هذه الرسالة فيما بعد إلى مدن أخرى بعد تغير الموازنات الدولية والخصائص الاستراتيجية، ولكننا ننظر الآن إلى فترة ظهور الرسالة، وهي الفترة التي تشير إليها الآية الكريمة. لأننا نعلم أن مدينة بغداد والشام واستانبول اصبحت في عهود مختلفة مركزاً لانتشار الإسلام زمنا طويلاً. وحتى في العهد الذي كانت فيه استانبول تمثل الرسالة كانت مكة والمدينة محافظتين على مكانتيهما المباركتين كقرة عين للعالم الإسلامي وتاجاً على رأسه.

3- البعد اللغوي للرسالة:

يأتي في عدة آيات موضوع نزول القرآن باللغة العربية. وهذا يبين كمال اللغة العربية ولاسيما في ذلك العهد. أجل!.. كانت اللغة العربية تعيش عهدها الذهبي الزاهر في ذلك العهد. ان لكل لغة عهدها الذهبي، فمثلاً كان عهد الملكة اليزابيث والكاتب شكسبير العهد الزاهر للغة الانجليزية والظاهر انـهم لم يقعوا في اخطاء في موضوع اللغة مثل ما وقعنا نحن. كما أن الانفتاح عن علم على التكنولوجيا وعلى الثقافات المختلفة يكسب اللغة غنى وثروة. وقد نظر الانجليز على الدوام باحترام وتوقير إلى هذا العهد. ويعد العهد الذي نزل فيه القرآن العهد الذهبي للغة العربية إلى درجة ان أبسط بيان آنذاك كان يصاغ في آية من الروعة. لقد نزل القرآن بلغة قريش ولكنه كان مفتوحاً ايضاً على لهجات القبائل الأخرى كذلك.

لقد بحث العديدون وكتبوا حول الناحية الأدبية للقرآن الكريم، وقد ظهر عباقرة عديدون في هذا الموضوع من أمثال عبدالقاهر الجرجاني والسكاكي والزمخشري في الماضي وحتى مصطفى صادق الرافعي وسيد قطب في عصرنا الحالي والعلامة سعيد النورسي صاحب كتاب "إشارات الإعجاز".

لقد تحدى القرآن معارضيه منذ نزوله وحتى اليوم ببلاغته وإعجازه، فكم من أديب وبليغ حاول الإتيان بمثله أو تقليده، ولكنهم خابوا وفشلوا. وكم من محب له زين مقالاته واشعاره بآياته وببليغ بيانه. ولكن لم يكن بمقدور أحد الوصول، أو الاقتراب من قمته، ولا يزال القرآن حتى اليوم - وهو يقرأ من قبل البلايين - يهمس لنا وهو يبتسم من سماء الوحي باستحالة الوصول إلى بلاغة اسلوبه وبيانه. وفي عهد الجاهلية كم من شاعر وأديب استسلم للقرآن الكريم عند سماعه له مرة واحدة، بل أن الوليد بن المغيرة - على الرغم من عداوته للإسلام - بُهت أمام بلاغة القرآن.

كما سحرت بلاغة القرآن اعدى أعداء الإسلام من أمثال عتبة بن أبي ربيعة وأبي جهل، ولم يجرأ أحد على تحديه. انظروا مثلاً إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي كان مطلعاً على الأدب الجاهلي وعلى الشعر الجاهلي إلى درجة أنه قال مرة بانه يستطيع ان يقرأ ألف بيت من شعر العرب.. هذا العقل الكبير وبُهِتَ وسَحر عندما استمع إلى سورة طه فاستسلم للقرآن مع أنه كان قد قرر قتل الرسول صلى الله عليه و سلم.

وحسب بعض الروايات والنقول لو اوقفت في ذلك العهد أي شخص ماراً في درب من دروب مكة وطلبت منه قراءة بعض أبيات من الشعر لاستطاع ان يقرأ لك شعراً طوال أربع أو خمس ساعات... كان هذا هو مبلغ انتشار الأدب بينهم. وعندما نزل القرآن، نزل بهذه اللغة الغنية. وقد نزل بآيات يستطيع البدوي الإعتيادي فهمها، كما يستطيع الشاعر الفحل تذوق جمالها الأدبي. أجل!... فكما كان البدوي يحدو بايات من القرآن وهو يسوقُ أبله، كان أفصح البلغاء والأدباء يقرأونه بلذة ونشوة روحية وأدبية كبيرة.

هذا هو ضمن ما تعنيه آية (اللهُ أعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسَالَتَهُ) فهو الأعلم بأي لغة ينـزل هذه الرسالة. لقد نزل القرآن بلغة يستطيع القانوني مراجعته من زاوية علم القانوني فيجد فيه بغيته بسهولة، ويستطيع الاداري والمختص بعلم الكلام والمفسر مراجعته كل في ساحة اختصاصه فيجد فيه كل دقائق ساحة علمه واختصاصه ويستفيد منه. مع أنه من المعلوم أن لغة القانون شيء ولغة التفسير ولغة علم الكلام ولغة الأدب ولغة العقائد شيء آخر، وهذه اللغات يختلف بعضها عن البعض الآخر. ولكن القرآن يراعي جميع دقائق اللغة في جميع هذه الساحات المختلفة ولا يخل بأي قاعدة أو أساس فيها. وهاكم التاريخ الإسلامي وهاكم العلوم الشرعية وهاكم المدارس الفقهية "القانونية" المختلفة، وهاكم العشرات من المدارس الأدبية وهاكم آلاف المحققين والمدققين والمفسرين الذين انجبتهم هذه المدارس المختلفة... كل هؤلاء على آلاف مشاربهم وأذواقهم عدوا القرآن أهم مرجع لهم فكتبوا الآلاف من الكتب على ضوئه.

إذن فالله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته... لمن يعطي هذه الرسالة، وفي أي بلد وباي لغة ولا نقول ان الله أعلم بهذا من ناحية النسبة، بل نقول هذا ونعنى به انه العليم الوحيد، ولا يكون لأي أحد آخر أي نصيب من هذا العلم، ولا يملك أي أحد آخر مثل هذا التقدير، ولا يحقق له هذا أبدأ، ومن يدعي هذا يكون له الخزي في الدنيا وفي الآخرة.



[1] العجلوني، كشف الخفاء 1/265.
[2] العجلوني، كشف الخفاء 1/129-130، 132.
[3] عن ابن عباس قال قال رسول الله r : (... ثم البيت المعمور في السماء يقال له الضراح وهو على مثل بيت الله الحرام, لو سقط لسقط عليه...) المعجم الكبير للطبراني 11/417؛ شعب الإيمان للبيهقي 3/437؛ المصنف لعبد الرزاق
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri