| (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ ...) [المائدة : 54] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.26 | |
|
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) [المائدة : 54] تحتوي هذه الآية في الحقيقة على أشياء مهمة جدا، على رأسـها التنبيه بإمكانية وقوع الارتداد بين المؤمنين، وأنه قد يعجز بعض من يمثلون الإسلام في المستقبل في إبداء الاهتمام والحساسية التي يقتضيها حمل هذه الأمانة. لذا عندما عجز الأمويون عن حمل هذه الأمانة - التي تصدوا لحملها زمناً- وضعفوا عنها انتقلت الأمانة إلى العباسيين، ثم إلى السلجوقيين ومنهم إلى العثمانيين. والقوم الذي سيأتي بـهم الله أتى بصيغة النكرة "قوم"، أي بقوم لم يكن الصحابة يعرفونه في وقت نزول الآية. ونرى أن الآية (فَسَوفَ يَأْتِي اللهُ بِقَومٍ) قد استعملت صيغة المستقبل البعيد "سوف"، وأن الصفة الأولى من صفات هؤلاء القوم الذين بشر الله بمجيئهم في المستقبل البعيد هي أن الله تعالى يحبهم. وهنا توجد نكتة دقيقة.فالحب الموجود بين العبـد وبين الله كما يمكن أن يكون بالتوجه من العبد إلى الله وفي مقابله يأتي الحب من الله نحو العبد، وهذا من صفات المريد، كذلك يمكن أن يكون من الله نحو العبد وفي مقابله يتوجه الحب من العبد لله. ويمكن أن يطلق على هذا صفة المراد. أجل! يختار الله بنفسه بعضهم لإعزاز دينه وكذلك لإعزاز هؤلاء بدينه. واختيار الأنبياء هو من هذا النوع من الاختيار. وكما جاء في حديث نبوي رواه عبد الله ابن مسعود فإن أصحاب الأنبياء أيضا يُختارون من قبل الله لإعزاز دينه وخدمته.[1] نستطيع توضيح ذلك فنقول إن الله تعالى يقول: "إنني سأختار محمداً صلى الله عليه و سلم - مثلاً - وأصحابه لإنجاز هذا العمل". وكما جاء في آخر الآية فهذا (فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). وتقول آية أخرى بأنه لا يحق لأحد الاعتراض على ما قسمه الله. وكما اختار الله تعالى رسولنا وأصحابه في وقت مهم سيقوم باختيار قوم آخرين لإعزاز دينه في هذا الزمن الذي تركت فيه خدمة هذا الدين وحوصرت قلاع الإسلام من جميع جهاتها. صحيح إن هذا الاختيار ربما تم في معنى مـن المعاني في عالم الأرواح. وعلى أي حال فإن الله تعالى سيعلي كلمة هذا الدين مرة أخرى بواسطة أناس وقوم يحبهم ويحبونه. لذا كانت أوصاف هذا القوم مهمة. ودوام الآية يبين أهمية هذا الموضوع. هذا القوم جماعة نزيهة وطاهرة إلى درجة أنه في مقابل أن الله تعالى عندما أحبهم واختارهم كجماعة، فهم يحبون الله تعالى من أعماق قلوبـهم، وتصف آية أخـرى هذا الحب فتقول بأنـهم لن يكونوا في صف أعداء الله حتى وإن كان هؤلاء الأعداء آباءهم أو أجدادهم أو إخوانـهم أو أبناءهم أو عشيرتهم. فحبهم معقود لله تعالى وحده: يحبون لله ويبغضون لله، يعطون لله ويأخذون لله. ولا يشغل قلوبـهم ولا معاملاتهم شـيء سوى حب الله، فلا شيء هناك يتقدم على هذا الحب، أو يحل محله. هـذه هي الصفة الأولى والصفة الأهم في الجماعة التي سـتأتي عندما يحين موعد قدومها والتي هـي على اثر مدرسـة الصحابة الكرام، أي صفة حب الله تعالى وابتغاء مرضاته على الدوام، وترجيح هذا الحب وهذا الرضا على ما عداهما. والصفة الثانية لهم هي أنهم أذلة على المؤمنين، ومتواضعون مع جميع المؤمنين غاية التواضع. واستنادا إلى نظرة الأستاذ النورسي الذي يقول: "الإكراه مع البدو والإقناع مع الحضر ومع المدنيين" نستطيع تقديم تقييم آخر فنقول: كانت جبهة الأعداء في وقـت الصحابة متكونة من البـدو، لذا كانت الغلبة عليهم تقتضي نوعا من اسـتعمال القوة ضدهم. كما كان الانشقاق قد بدأ بالظهور بين أفراد العائلة الواحـدة نتيجة لظهور الإسلام والإيمان. وكانت "العصبية الجاهلية" أي الرابطة القومية والقبلية عنصرا مهما من عنـاصر ربط المجتمع وتوحيده. لذا كان استعمال الشـدة مع تلك الظروف ضد الكفر والإلحاد ضروريا ومهما. لذا يجوز ان هذا هو الحكمة من وضع القدر الإلهي كإشارة وكرمز أبا بكر رضي الله عنه - المعروف برقته - في المقام الأول ويضع عمر بن الخطاب رضي الله عنه - المعروف بشدته ضد الكفار - في المقام الثاني. ولكن العالم الآن قد تمدن وتحضر في معظمه، لذا فالغلبة الآن تتم عن طريق الإقنـاع وعن طريق العلم وعن طريق المحاورة والكلام أكثر مما تتم عن طريق القوة والعنف. وفي مقابل هذا فقد نمت الفردية بين الناس وضعفت العلاقات الرابطة بينهم. وبما انه أصبح الدور الآن هو دور الجماعة والشـعور الجماعي أكثر من الأشـخاص ومن الأفراد المتميزين والفريدين، فان المطلوب ليـس التصرف برحمة وشفقة نحو المؤمنين بل بأسـلوب أكثر لينا وتواضعا، أي أذلة على المؤمنين،لا يقابل الشتم منهم إلا بالسكوت ولا يقابل عدوانهم إلا بالصبر، أي يضـع رأسـه تحت أقدام المؤمنين. ودرجة الرحمة المطلوب تأسيسها بين المؤمنين أعلى بكثير من درجة الشـدة المطلوبة نحو الكافرين والملحدين. علماً بأن أول شـرط في تأسيس الوفاق في هذه الخدمة المدنية بعد حب الله وابتغاء رضاه هو تأسيس جو هذا التذلل بين المؤمنين. أي حـال التواضع الشـديد. ومهما بذلنا من جهد في هذا السـبيل فلن يغلى على هذا الهدف. ونسـتطيع أن ننظر إلى نصيحة الأستاذ النورسي بضرورة قراءة رسالة الأخوة والإخلاص كل أسـبوعين مرة في الأقل من هذه الزاوية. ويحتمل أن أكبر امتحان لنـا سيكون في موضوع علاقات الأخوة الموجودة فيما بيننا. ثم تقول الآية بأن المؤمنين يكونون (أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) وهذا حسـبما نفهم شيء أقل من الشـدة. وكما قلنا أعلاه فإن مقابلة الأفكار المعادية في عصرنا الحالي والتغلب عليها يكون في الأكثر عن طريق الحوار والإقناع وليس عن طريق استعمال الشدة، لذا يكون حملنا لعزة الإسلام وكرامته كافيا تجاههم. وفي دوام الآية نجد أن صفة (يُجَاهِدُونَ في سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لاَئِمٍ) مرتبطة بهذه الملاحظة. وكما نعلم جميعا فقد جاء وقت استهين فيه بالمؤمنين، وأصبح قول "إنني مسلم" سببا للاستهانة والتحقير. لذا رجحنا في طريق خدمتنا الإيمانية عدم الالتفات للجاه أو المنصب أو البزات الرسمية أو العنـاوين والرتب، بـل اعتبرنا الإسلام السـبب الوحيد للعزة، لأن العزة لله ولرسـوله وللمؤمنين. لذا يجب ألا نشعر أمام الملحدين وغير المؤمنين بشعور النقص، على العكس من هذا يجب أن نحس تجاههم في أعماق نفوسـنا بعزة الإسلام، وبهذا الشـعور نقوم بوظيفتنا في الإرشـاد في البيت والمدرسـة وفي السوق والشارع، وفي أي مكان نوجد فيه، وأن نمثل ديننا في عملية الإرشاد دون أن نخشى لومة لائم. وعندما يعدد القرآن صفات هذه الجماعة يقوم بالإشارة إلى بعض الحوادث الجارية في زماننا بشكل إعجازي... أجل! لو تم تناول هذه الآية من هذه النقطة فقط لرأينا أنـها مفتوحة لمعانٍ كثيرة. وهناك جهة إخبـار غيبي في هذه الآية مما يشـكل موضوعاً مستقلاً بنفسه. ومهما كانت الحادثة التي نزلت بسببها هذه الآية، فإن حكمها حكم عام مثل العديد من الآيات الأخرى. فقد أُريد من هذه الآية لفت نظر المؤمنين إلى أمر في غاية الخطورة وبأسـلوب مؤثر يهز النفوس. وهذا الموضوع الذي تم تنبيه المؤمنين إليه بجانب كونه موضوعاً كبيراً ومتشعباً فإنه منتشر في كل زمان وعهد بمقيـاس واسع يكفي لهز أنفس المسلمين. وهو منتشر إلى درجة أن الارتداد الذي بدأه بنو مدلج بزعامة أسود العنسي، ثم بنو حنيفة بزعامة مسيلمة الكذاب وطليحة ابن خويلد الذي أشـعل نار الفتنة والانحراف بين بني أسـد والقبائل التي ارتدت في عهد أبي بكر رضي الله عنه وكان منها فزارة وغطفان وبنو سليم وبنو يربع وقسـم من بني تميم، وكندة، وبنو بكر وغسـان... كل هـذه القبائل أخذت نصيبها من هذا الارتداد. حتى أن الأمويين والعباسيين والعثمانيين ومن جاءوا من بعدهم أخذوا نصيبهم من هذا الأمر، وإن كان بشكل نسبي واضافي، وذاقوا مرارته. لذا فهذه الآية تقول لكل من يترأس الأمة الإسلامية: أيها المؤمنون! من يرتد تماما أو جزئياً عن هذا الدين فليعلم بأن الله سوف يقوم باستبداله بقوم آخرين لا يعلم أحد زمانـهم وفي أي عهد، ولا يعلم أحد مكانـهم ومن أين يأتون، ولكنهم قوم نجباء لهم صفات معروفة، يحبهم الله ويحبونه، وهم متواضعون وأذلة للمؤمنين، وأعزة على الكفار وعلى الملحدين المعتدين وثابتون على الإيمان ويشكلون عنصراً مهماً في التوازن الدولي. هدفهم رضاء الله ووظيفتهم إعلاء كلمة الله، فهم مجاهدون على الدوام في سبيل الله، لا يهمهم سخط الناس ولا لومهم بل يهتمون فقط بأداء مهمتهم على أحسن وجه. وهذا فضل من الله تعالى يختص به من يشاء. ويسـتفاد من هذا التوجيه العام بأن وقائع الارتداد عن الدين لن تبقى منحصرة في الأمثلة التاريخية السابقة بل ستتكرر على مدار التاريخ في جميع الأقوام التي تأخذ مكانـها في التاريخ، وأنـهم سوف يُستبدلون بقوم يحبهم الله ويحبونه. [1] عن عبدالله بن مسعود قال: إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد صلى الله عليه وسلم خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد فجعلهم وزراء نبيه يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً فهو ثم الله حسن وما رأوا سيئاً فهو ثم الله سيء. "المسند للإمام أحمد، 1/79؛ أبو نعيم، حلية الأولياء، 1/375. |
| < السابق | التالى > |
|---|



