| تحليل باقة من الأحاديث |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.22 | |
|
إن أبرز صفة في كلام نبينا صلى الله عليه و سلم هو أنه أوجز كلام قيل في موضوعه، وهناك آلاف الأمثلة الممكن إبرازها في هذا المجال، ولا يسعنا هنا إلا إيراد بعض هذه الأمثلة التي يمكن إيرادها في كل عصر كأنموذج على "جوامع الكلم". ولاننسى هنا أن نذكر ونكرر بأن كل أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم بهذه الصفة. أ - بضع كلمات هي ذروة التوحيد يورد الترمذي عن ابن عباس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم: «يا غلام! إني أعلِّمك كلمات: اِحْفظ الله يَحْفظْك. اِحْفظ الله تجده تجاهك. إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله. واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك. ولو اجتمعوا على أن يَضرّوك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك. رُفِعَت الأقلام وجَفَّت الصُّحُف.»[1] إنه بهذه الجمل الموجزة الفياضة بالمعاني استطاع أن يشرح أعقد مواضيع القدر وتسليم الأمور لله في أسلوب سهل وبسيط. كما أوضح بكلماته القليلة معنى العبادة في مجال الدعوة والحركة. بـ - الإنسان شخص مسافر يروى عن ابن عمر رضي الله عنه الحديث التالي: «كُنْ في الدنيا كأنكَ غريب أو عابرُ سبيل وَعُدّ نفسَك في أهل القبور.»[2] إن هذه الجمل الثلاث أوجز كلام في موضوع الزهد والتقوى وفي حفظ التوازن بين الدنيا والآخرة وأكثرها ثراء بالمعنى. ولوكانت هناك جملة أوجز من هذه فلا بد أن يكون هو صاحبها أيضاً. إن الإنسان غريب في هذه الدنيا، فهو -حسب تعبير جلال الدين الرومي- ناي مقطوع من نبتة القصب، ولأنه أبعد عن صاحبه الحقيقي، فإنه في أنين دائم طوال الحياة. الإنسان شخص مسافر... بدأ بسفره من عالم الأرواح إلى رحم الأم ثم إلى الدنيا فمرحلة الطفولة ثم الشباب فالشيخوخة فالقبر ومنه إما إلى الجنة أو إلى النار... ولكن يا ترى أيعي الإنسان أنه مسافر..؟ لو كان واعياً ومتذكراً على الدوام أنه مسافر لما تعثر في طريق الحياة ولما تهالك على لذائذ الدنيا التي لا تساوي شروى نقير، بل لسار في طريقه بقدم ثابتة مطمئنة. نعم، إن لم يَعُدّ الإنسان نفسه من أصحاب القبور، أي بتعبير القدماء "موتوا قبل أن تموتوا"،[3] ولم يمزج حياته بهذه الحقيقة السامية لا يستطيع أن يتخلص من دسائس الشيطان وحيله أبداً... أجل، يجب على الإنسان أن يموت من ناحية النفس الأمّارة بالسوء ومن ناحية شهوات الجسد حتى يحيا من الجانب الروحي. أليس الذين يرون الحياة عبارة عن النفس وشهواتها فقط مساكين انسحقوا تحت أثقال الجسد؟ جـ - عاقبة الصدق والكذب يروي البخاري ومسلم وأبو داود عن عبد الله بن مسعود الحديث التالي: «عليكم بالصدق، فإنّ الصدق يَهدي إلى البر، وإنّ البر يهدي إلى الجنة وما يزال الرجل يَصْدُق ويَتَحرَّى الصدق حتى يُكتَب عند الله صِدِّيقاً. وإياكم والكذبَ، فإن الكذب يَهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار. وما يزال الرجل يَكذِب ويَتَحرَّى الكذب حتى يُكتب عند الله كذّاباً.»[4] الصدق شعار الأنبياء، والكذب شعار الكفار والمنافقين.. الصدق أساس مهم يحتضن الحاضر والمستقبل، والكذب لطخة سوداء على جبين الزمن. ليس هناك فرد واحد عاش سعيداً ووصل إلى السعادة الأبدية في ظل الكذب أبداً. وليس هناك فرد واحد مشى في طريق الصدق المنير وباتجاه السعادة الأبدية فأصابه نكد الحظ وشقي في الدنيا وفي الآخرة. الكذب من أبرز أسس الكفر ومن أوضح علامات النفاق، وهو ادعاء مخالف لعلم الله تعالى. لقد خرّب الكذب كل شيء في أيامنا الحالية.. خرب الناس وجعل الدنيا داراً ومسكناً للكذابين، إنه علة اجتماعية خطيرة ومفزعة إلى درجة أنك لو أعطيته حق الحياة وفتحت له أبواب الوطن والبيت والسوق والبرلمان والمعسكر، وأعطيته حرية التجول فيها لخابت الأمة وما أفلحت أبداً. وعلى النقيض من هذا فإن الصدق أهم أسس الإسلام وأبرز صفة في الخلق المحمدي وحجره الأساسي والصفة المميزة للأنبياء وللأولياء والمحور الأساسي للرقي المادي والمعنوي. الأول صفة الملائكة والآخر صفة الشياطين. الأول صفة العبيد المكرمين عند الله، والآخر صفة الأرواح الخبيثة. الأول صفة فخر الكائنات عليه أكمل الصلوات وأتم التسليمات والآخر صفة الدجالين. وكلمة "البرّ" الواردة في متن الحديث تعني جماع الخير، وهي كلمة شاملة تعني صدق التفكير وصدق الحديث وصدق النية وصدق السلوك وصدق العيش... أي يمكن جمع الكثير من صور الخير تحت عنوانه وإرجاعها إليه. أما كلمة "الفجور" فعلى عكس الكلمة الأولى تعني جماع الشر، ولأنها ضد كل صفات الخير والصلاح فهذا يعني أنها تعني كل الأفكار المنحرفة وكل الكلام المنحرف والسلوك المنحرف، فكأنها بذرة جهنمية. وفي الحديث هناك مقابلة بين "الصديق" و"الكذاب". ففي الأول نرى الصدق وقد أصبح طبيعة وفطرة لديه فأصبح مثالاً للصدق. أما الثاني فقد عجن الكذب في طبيعته فأصبح من الكذابين المحترفين. وقد استعملت صيغة المبالغة عند وصف كلتا الصفتين، فالذي نذر نفسه للصدق يكون رمزاً لصدق التفكير وصدق الحديث وصدق السلوك في الدنيا وفي الآخرة ورمزاً للقرب من الله، إن لم يكن اليوم فغدا، أما الذي ترك نفسه للكذب، فسيكون رمزاً لكذب التفكير وكذب الحديث وكذب السلوك في الدنيا وفي الآخرة، إن لم يكن الآن فغداً. وهذان الطريقان: أحدهما طويل والآخر قصير، أحدهما نير والآخر مضبب، أحدهما خطير والآخر أمين... هذان الطريقان لابد أن ينتهي أحدهما إلى الجنة والآخر إلى الجحيم... في كل محطة من محطات الطريق الأول هناك مكافآت وجوائز لصاحبه ثم ينتهي الطريق إلى الجنة. وفي الطريق الثاني الخيبة والسوء ثم ينتهي الطريق إلى جهنم وإلى الخسران الأبدي. كنا قد ذكرنا هذا الحديث في موضوع صدق رسولنا صلى الله عليه و سلم. غير أننا نريد أن نقف هنا على نتائج الصدق في الدنيا وفي الآخرة، وعلى أضرار الكذب على مستوى الفرد وعلى مستوى الحياة الاجتماعية، وكيف أن الحديث النبوي استطاع أن يغطي كل هذه المعاني في جمل قصيرة ومركزة. أجل، إن المدقق لهذا الحديث فقط يدرك ويتأكد تماماً بأن جَمْع كل هذه المعاني الطويلة والمفصلة في مثل هذه الجمل القليلة والقصيرة وإظهار هذه المعاني بهذه الطريقة الساحرة للنفوس ليس إلا ميزة خاصة برسول الله صلى الله عليه و سلم فما من أحد غيره يستطيع ذلك. د - المرء مع من أحب يروي البخاري ومسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود الحديث التالي: «المرء مع من أحب.»[5] إن شرح وإيضاح معاني هذا الحديث يتطلب مجلداً كاملاً على الأقل. فالمرء الذي تعثر وظل في منتصف الطريق... الذي لم يستطع السير تماماً وراء مرشده... الذي لم يستطع إنجاز ما كان يحب أن ينجزه... هذا الحديث هو بمثابة قدح كوثر لمثل هؤلاء المنكسرة قلوبهم. هذا الحديث يوضح أن الإنسان -سواء أكان في جانب الخير أم في جانب الشر- سيكون مع من أحب، فالإنسان هنا أو هناك يكون دائماً مع من يحب. فمن كان يريد أن يكون مع الأنبياء والصديقين والشهداء عليه أولاً أن يحبهم وبتعبير آخر فإن الذين يكونون يوم القيامة مع الأنبياء والصديقين والشهداء هم أولئك الأشخاص الذين كانوا يحبونهم في الدنيا. كما يسري معنى الحديث فيشمل الذين يمثلون الشر والفساد أيضاً؛ ومن ثم فإن الحديث المكون من جملة واحدة فقط يشمل كل هذه المعاني ومعاني أخرى كثيرة وبكل هذا الإيجاز الشديد... وليس هذا في وسع أحد إلا من كانت فطنته مفتوحة للإلهام الرباني والوحي الإلهي. لقد كان نُعَيْمان يشرب الخمر أحيانا، وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يطبق عليه الحد الشرعي. نعم لقد كان ما يقترفه ذنبا، ولكن لـمّا تلفظ أحد الصحابة بكلمة توبيخ في حقه وسمع هذا رسول الله صلى الله عليه و سلم قطّب حاجبيه وقال: «لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم فوالله ما علمتُ أنه يحب الله ورسوله.»[6] فلمّا كان حب الله ورسوله يؤدي إلى كونه معهم لذا، فليس من اللائق شتمهم وإن اقترفوا بعض الذنوب. ويكفي لهذا الحب أن يؤدي الإنسان الفرائض الواجبة ويتجنب اقتراف الكبائر لكي يكون مع رسول الله صلى الله عليه و سلم، ذلك لأن المرء مع من أحب. هـ - التـقـوى يروي الإمام أحمد بن حنبل عن معاذ بن جبل رضي الله عنه الحديث التالي: «اِتّقِ اللهَ حيثما كنتَ وَأَتْبِع السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها وخالِق الناس بخُلق حَسن.»[7] ليس هناك شيء آخر مثل الخلق الحسن يرفع الإنسان. فالخلق الحسن هو خُلق الله، والخلق الحسن هو التخلق بخلق الله تعالى. فنحن أمام حديث يشرح التقوى وكيفية المحافظة عليه وهو موضوع يمكن أن يكتب في حقه المجلدات. ونظراً لأن هدفنا هنا هو إعطاء بعض الأمثلة، فإننا لن نشرح هنا هذه الحقائق السامية المتعلقة بالتقوى. و - كما تكونوا يُوَلَّى عليكم في حديث آخر يقول رسولنا صلى الله عليه و سلم: «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم.»[8] حسب نوعيتكم يكون نوع رؤسائكم... من أي نبع كنتم فرؤساؤكم محصول هذا النبع... هذا كلام يمكن أن تصنف فيه مجلدات وخاصة في موضوع الإدارة. وإذا سمحتم لي فسنتناول هذا الموضوع قليلاً بالشرح: طبقا لحديث: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤولٌ عن رعيته.»[9] فلكل واحد حدود لمسؤوليته... ويستمر هذا حتى نصل إلى رئيس الدولة الذي تشمل مسؤوليته كل البلد الذي هو على رأسه. غير أن حديث «كما تكونوا يُوَلَّى عليكم» يكسب هذا الموضوع بُعدا آخر من زاوية القانون الاجتماعي. أولاً: يقول الحديث منذ البداية للمواطنين: إنكم في غاية الأهمية. لأن الذين سيحكمونكم لا بد أن يطرقوا بابكم ويكونوا في حاجة إليكم مهما كان الطريق الذي سيسلكونه في هذا، أي أنتم الذين تقومون برسم الطريق أمامهم. إن لعلم الاجتماع قوانينه التي لا تتغير ولا تتبدل، فكما توجد لعلوم الفيزياء والكيمياء وعلم الفلك قوانينها الفطرية (أو شريعتها الفطرية) ومبادؤها التي لا تتغير، كذلك توجد لعلم الاجتماع قوانينه ومبادئه التي لا تتغير إلى يوم القيامة. فإذا رأينا الناس يسمحون بتواجد الشر ونموه فما ذلك إلا لأنهم سمحوا لهذا الشر أن يستوطن قلوبهم وصدورهم، فكان من الطبيعي أن يداروا ويحكموا بوساطة الأشرار... لأن هذا ناموس إلهي لا يتغير. أجل، لنتساءل: هل يعيش الشر في نفوس الناس وهل يجد فيها تربة صالحة للنمو والانتشار؟ وهل ينبت الفساد في هذه النفوس؟ إن كان الجواب "نعم" فإن الله تعالى سيأتي لهؤلاء بحكام من نفس طينتهم، ليقوموا بإدارة وحكم هؤلاء الناس. ثانياً: يقول هذا الحديث أيضاً إن القوانين والأنظمة ما هي إلا مدونات في السطور، وليس لها تأثير كبير، فلو اجتمع الناس وتعاونوا ليكتبوا أفضل القوانين فليس هذا مهماًّ، بل المهم هو مدى تطبيق هذه القوانين؛ لأن أخلاق هؤلاء الناس هي المعيار الأول؛ لأنهم إن كانوا على خلق وحَلُّوا مسائلهم وما يعرض لهم من مشاكل بصيغة أخلاقية فإن الذين سيأتون لإدارتهم لن يكونوا أشخاصاً سيئين. ولأنقل لكم هنا حادثة واقعية تتعلق بهذا الموضوع: كان "طاهر أفندي" أحد النواب في المجلس النيابي الأول. وكان عالماً فاضلاً. وبينما كان النواب الآخرون منهمكين في إلقاء الخطب الرنانة في الساحات، كان طاهر أفندي يفضل لزوم الصمت. غير أن محبيه وأنصاره ألحوا عليه كثيراً لإلقاء خطبة في أحد الميادين وأقنعوه بذلك، ولكونه شخصاً لا يحب الثرثرة، بل يفضل الكلام الموجز المفيد فقد قال لهم في خطبته تلك: "أيها الحاضرون! اعلموا أنكم منتخِبون وأننا منتخَبون ومجلسنا هو منتخَب إليه. وإن ما قمتم به يدعى عملية الانتخاب وكلمة الانتخاب مشتقة من كلمة "النخبة". والنخبة تعنى زبدة الشيء فلا تنسوا أن زبدة كل شيء ترجع إلى نوعية ذلك الشيء. ففوق الحليب تتكون زبدة الحليب، وفوق اللبن تتكون زبدة اللبن، وفوق مادة الشب تتكون زبدة الشب." ويضاهي هذا الجواب الذي أجابه الحَجّاج بن يوسف الثقفي للشخص الذي حدثه عن عدالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذ قال الحجاج: "لو كنتم أنتم مثل أصحاب عمر رضي الله عنه لكنتُ أنا مثل عمر بن الخطاب." ثالثاً: إن على كل إنسان أن يبحث عن التقصير في نفسه. فما دام كل إنسان يحامي عن نفسه ويدافع عنها فقط، ويبحث عن التقصير عند غيره، فلن يمكنه إحراز أي تقدم إيجابي. فلو لم يغير الناس أنفسهم فإن الله لا يغير ما بهم.[10] فإذا كان هناك فساد في الداخل فلابد أن يسري ذلك الفساد إلى كل مكان حتى يصل إلى القمة. ويمكن أن نقول نفس الشيء حول صلاح الناس الداخلي واستقامتهم. إذن، يمكن القول بأن وضع ولاة الأمور مرتبط بوضع المواطنين ارتباط النتيجة بالسبب. ومن يدري ماذا يحتوي هذا القول الموجز من جواهر أخرى، وماذا يستطيع أهل العلم من استخراج وحدس المعاني الأخرى منه. فليس هناك قول بشري آخر يشير ويحث إلى وجوب بناء المجتمع بناء صالحاً بكلمات في غاية الوجازة مثل هذا القول... ولا عجب فإنه من صاحب الفطنة العظمى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم الذي يحلق كل بيان له في سماء الفصاحة والبلاغة. أجل، إنه يحتل أسمى مكان بين الناس جميعاً في ميدان البيان والفصاحة، فليس هناك من أديب يستطيع أن يبلغ تلك الذروة. صحيح أن أقواله ليست آيات من القرآن، ولكنها بمجملها تحمل صفة الإلهام، ولهذا السبب فإن جميع الأدباء والفصحاء -كما قلنا في بداية الموضوع- لن يصلوا إلى درجة الخدم عنده. لقد كان حَسّان بن ثابت شاعراً كبيراً... دعا له الرسول صلى الله عليه و سلم ومدحه وأيده جبريل عليه السلام. ومع هذا فقد استطاعت الخنساء أن تجد ثمانية أخطاء في أربع أبيات من شعره... هذه الشاعرة العظيمة التي أسلمت عندما استمعت إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم، وأصبح كل همها هو الاستماع إلى سلطان البيان الذي سحرها كلامه إلى درجة أنها عندما بلغها استشهاد أربعة من أولادها في معركة القادسية لم تنطق بكلمة شكوى واحدة، وهي نفسها التي أغرقت عهد الجاهلية بأشعار الرثاء لأخيها صَخْر والبكاء عليه. ولكن عندما يبلغها نبأ استشهاد أولادها الأربعة في معركة القادسية لا تشتكي بل تقول: "الحمد لله الذي شرّفني بقتلهم."[11] كانت الخنساء من الملهمات... فكلما سقط ابن لها شهيداً في المعركة تلوَّتْ من الألم وهي تحس كأن السهم أصاب صدرها هي، ولكن ارتباطها بالرسول صلى الله عليه و سلم كان قويا إلى درجة أنها لم تتلفظ بكلمة شكوى واحدة. ز - الأعمال بالنيات يروي البخاري ومسلم وأبو داود عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه هذا الحديث: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه.»[12] لما كانت الهجرة هي السبب وراء هذا الحديث فقد كانت الهجرة هي صلب الموضوع فيه، ذلك لأن سبب هذا الحديث كان الحادثة التالية حسب إحدى الروايات: كان الجميع يهاجرون من مكة إلى المدينة في سبيل الله، ولكن صحابياًّ لا نعرف اسمه هاجر من أجل امرأة اسمها أم قيس...[13] لقد كان هذا الصحابي مؤمنا، غير أن نيته في الهجرة لم تكن مثل الآخرين. كان مهاجراً أيضاً... ولكن في سبيل "أم قيس"، التي عانى كل مشقات الهجرة في سبيلها، لذا أصبح هذا العمل موضوع حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم دون ذكر أي اسم؛ فحكم هذا الحديث عام يشمل كل شيء وكل شخص، لأن العبرة بعموم الحكم لا بخصوص السبب. 1- الـنـيـة أجل، إن جميع الأعمال حسب النيات، وليست الهجرة وحدها. فإن كانت نية الشخص المهاجر متوجهة إلى الله ورسوله وجد مقابل هجرته الله ورسوله. والشيء نفسه نجده في الصلاة وفي الصيام والزكاة. وكما ورد في حديث سابق فمن يحفظ حقوق الله يجده تجاهه «اِحْفَظ اللهَ يَحفظْكَ»؛ وهذا يعني أنه سيجد أمامه عناية الله وكرمه ورحمته. وعندما يجد الإنسان أمامه هذه العناية والكرم تجيش عواطفه ويخر ساجداً لربه فيزداد قرباً منه... وكلما ازداد قرباً من الله كلما صفت نياته في جميع أعماله وأفكاره... وفي ظل إخلاص النية هذه وعندما ينتقل إلى العالم الآخر الذي يتبدل فيه كل شي... أي في القبر وفي البرزخ وفي الحشر وفي الصراط سيجد الله تعالى أمامه، فإن استطاعت أعماله أن توصله إلى درجة "لواء الحمد" فسيجد أمامه رسول الله صلى الله عليه و سلم وسيسعد بصحبته فيلقى صحبة وراء كل تصور أو خيال. أما من كانت نيته لغير الله، بل كانت هجرته وتعبه ومشقته من أجل امرأة أي أن نيته كانت للذة مادية، فهذا يعني في نهاية الأمر أن جميع جهوده والمشقات التي عاناها تكون هباء منثوراً. إن من يعيش لجسده، ولملذات بدنه، ولا يستمع لصوت روحه ووجدانه سيقضي حياة فارغة لامعنى لها، ولن يجني أبداً النتائج التي يجنيها من نظم حياته في سبيل مرضاة الله تعالى. وقد ورد في حديث آخر: «نية المؤمن خير من عمله.»[14] ذلك لأن الإنسان مهما جهد فلن يصل إلى الهدف الذي نوى الوصول إليه. فكان من رحمة الله الواسعة أن يعامل المؤمن حسب نيته، لأن نيته ستكسب المؤمن أكثر من عمله. ومن ثم كانت نية المؤمن خيراً من عمله من هذه الجهة. وأنا أود لفت نظركم إلى حديث آخر له علاقة بهذا الموضوع إذ يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «ألا وإن في الجسد مُضْغَةً إذا صلَحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب.»[15] إذا كنت خالص النية ووجدت تربة صالحة، فإن كل بذرة تبذرها ستنبت نباتاً حسناً. ومع أنها ستكون نبتة ضعيفة في بداية الأمر إلا أنها ستصبح فيما بعد شجرة باسقة نتفيأ تحت ظلالها في الدار الآخرة. وكلما كانت نيتنا صافية كلما بسقت هذه الشجرة وأعطت ثمارها لنا في الجنة. بالنية تنقلب عادات الإنسان وحركاته الاعتيادية إلى عبادة خالصة، فالشخص الذي ينام ناوياً قيام الليل تكون أنفاسه وهو يغط في النوم بمثابة ذكر لله. ولولا ذلك كيف كان يمكن للإنسان وهو بهذا العمر القصير وبهذه الأعمال القليلة أن ينال الجنة؟ أجل، إن كانت الحياة الأبدية مهداة إلى المؤمن، فهي لطف ونعمة مهداة لنيته في العبودية الأبدية مما يكسب بها الجنة الخالدة. والشيء نفسه وارد في القطب المقابل أي قطب الكافر الذي يستحق النار الأبدية. أجل، إننا نكسب الجنة بسبب نيتنا في العبودية الأبدية. ويكسب الكافر النار بسبب الجحود الأبدي الموجود في نيته. إن النية وحدها هي التي تعطي القيمة لجميع الأعمال بلا أي استثناء سواء أكانت هذه الأعمال كبيرة أم صغيرة، وتنفخ فيها الحياة فتحييها. بل إن النية وحدها في أعمال الخير والبر تكسب الإنسان الكثير من الأجر؛ فمثلاً إنْ همّ الإنسان بحسنة مّا ولم يعملها فِعْلاً فإنه يكتسب أجراً من جراء نيته، فإنْ عملها اكتسب أجر عشر حسنات أو مائة أو أكثر كما يشاء الله تعالى. أما إن هم بسيئة ثم لم ينفذ ذلك السوء فلا تكتب له سيئة من جراء نيته السيئة تلك، وإن قام بذلك العمل السيء كُتبت له سيئة واحدة فقط.[16] ولا شك أن كل سيئة لها عقاب من جنسها. 2- الـهـجـرة ومن الجدير بالملاحظة مدى إشارة الحديث لأهمية الهجرة... صحيح أن الهجرة بمعناها الخاص قد انتهت، لأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: «لا هجرة بعد الفتح»[17] ولكن الهجرة في معناها العام مستمرة حتى يوم القيامة، ذلك لأن الهجرة توأم للجهاد، وُلِدا معاً ويعيشان معاً. والنبي صلى الله عليه و سلم يخبرنا بأن الجهاد مستمر حتى يوم القيامة إذ يقول: «الجهاد ماضٍ إلى يوم القيامة.»[18] أجل، إن الشخص الذي يترك أباه وأمه ودياره ووطنه قاصداً ديار الغربة من أجل إيصال دعوة الله إلى الناس... هذا الرجل الداعية وكل إنسان مؤمن هو في هجرة دائمة وسينال ثوابها. ومن جهة أخرى لم يعيّن الله ثوابا محدَّداً للهجرة في سبيل الله ورسوله، مما يشير إلى أن ثواب مثل هذه الأعمال تعطى يوم القيامة على شكل مفاجأة سارة؛ فالملائكة تسجل هذه الأعمال كما هي، والله سبحانه و تعالى هو الذي يقدر ثوابها. إن أداة "إنما" الواردة في بداية الحديث تفيد الحصر، وهذا معناه أن العمل لا يكون عملاً إلا بالنية... فأي عبادة دون نية لا تعد عبادة، لذا فإنْ صلَّى أحدهم ركعة دون نية، أو بقي جائعاً لسنوات أو وهب جميع أمواله، أو قام بجميع مناسك الحج دون نية لا يعد هذا الشخص مصلياً أو صائماً أو مزكياً أو حاجاًّ؛ لأن النية هي التي تحول جميع هذه الأعمال إلى عبادة. أ - الهجرة من الذنوب وعندما ندقق النظر في الحديث نرى أن رسول الله صلى الله عليه و سلم شرح موضوع النية وهو موضوع واسع بثلاث كلمات، ثم أشار إلى موضوع الهجرة وهو موضوع متشعب بجملتين أو ثلاث مبتدئاً بذكر الهجرة التي تعني ترك المعاصي والذنوب ومتناولاً جميع الهجرات في سبيل الحق حتى يوم القيامة بجملتين أو ثلاث وبأسلوب "السهل الممتنع"، وهذا لا يتيسر إلا لسيد الفصحاء والبلغاء، ومن المفيد القول بأن أفضل المهاجرين هو من هجر المعاصي والذنوب وأخلى قلبه من جميع أنواع الحب عدا حب الله تعالى.[19] دعا إبراهيم بن أدهم ربه يوماً فقال: "يا رب! لقد فَنِيتُ في حبك، هجرتُ كل شيء وجئت إليك، لم تَعُدْ عيوني ترى شيئاً غيرك..." وبينما كان مستغرقاً في جو هذا الدعاء الحار، رأى ابنَه بجوار الكعبة، ورآه ابنُه كذلك، فدَفعتْ لَوعة فراق السنين كلاًّ منهما نحو الآخر... وفي لحظة العناق الحار سمع إبراهيم بن أدهم هاتفاً: "يا إبراهيم..! لا يجتمع حبان في قلب واحد" فصرخ إبراهيم: "خذ إليك يا رب من كان حائلاً بيني وبين حبك" فهوى ابنه تحت قدميه ميتا.[20] ب - الهجرة إلى الرحمة الإلهية من الهجرة الفرار من المعاصي إلى باب الرحمة الإلهية، ولزوم هذا الباب حتى مجيئ العفو الإلهي. وما أحسن قول القائل معبراً عن هذا المعنى: إلهي عبدك الـعـاصـي أتـاك إن الإنسان الذي يكره العودة إلى المعاصي والذنوب التي تاب منها، أكثر مما يكره إلقاءه في النار هو الإنسان الذي يسلك طريق الهجرة بحق وصدق. إن الإنسان الذي ينظر إلى حمى الله في أرضه نظرته إلى ساحة ملغومة بالمتفجرات، والذي يصون يده ورجله وعينه وأذنه وفمه وشفته عن المعاصي يعد مهاجراً في سبيل الله طوال حياته سواء أكان بين الناس، أم كان منزوياً ومعتكفا، فالهجرة مستقرة في أعماق قلبه وهي رفيقته، غير أن الهجرة في الاعتكاف لها طعم آخر وبعد آخر، إذ يصل الإنسان فيه إلى "الأنس بالله" ويستقبل النفحات الإلهية. وإذا أردنا تلخيص هذا الموضوع يمكنا أن نقول إن هذا الحديث الشريف يومئ إلى عدة مسائل: أ- أن النية هي روح العمل، والعمل يعد ميتاً إن كان بغير نية. ب- أن النية إكسير نوراني حافل بالأسرار يحول الحسنات إلى سيئات والسيئات إلى حسنات. ج- أن ارتباط العمل بالنية هو الذي يجعله عملا، فالهجرة دون نية تعد سياحة، والجهاد دون نية يعد بغيا، والحج دون نية نزهة، والصلاة دون نية رياضة، والصوم دون نية حمية لغاية صحية... ولكي تكون كل هذه العبادات أجنحة تطير بالإنسان إلى الجنة فلابد من النية الخالصة. د- أن الجنة الخالدة الأبدية نتيجة لنية العبودية الأبدية، والنار الأبدية نتيجة لنية الجحود والإنكار الأبدي. هـ- أن الإنسان يستطيع بنيته الحصول على نتائج كبيرة وجوائز ثمينة بجهد صغير وبثمن قليل. و- أن من يستعمل سر النية كما ينبغي يستطيع أن يطالب بالدنيا كلها. ز- أن الدنيا والمرأة رغم كونهما من نعم الله إلا أن سوء استعمال هذه النعم، وعدم مراعاة الموازين الشرعية عند التعامل معهما يعني إقامتهما بديلين لرضا الله ورسوله، وذلك يجر إلى خسارة الإنسان كل شيء في مجال الكسب. وفي النهاية لقد استطاع هذا الحديث في ثلاث أو خمس جمل أن يضم كل هذه المعاني الكبيرة وغيرها والذي يحتاج كل معنى فيها إلى كتاب كامل لشرحه. أي استطاع سيد البيان صلى الله عليه و سلم أن يرينا الشمس في ذرة، والبحر الزاخر في قطرة. ح - بلاء اليد واللسان يروي البخاري من صاحب جوامع الكلم صلى الله عليه و سلم هذا الحديث: «المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.»[21] 1- المسلم الـمثالـي والآن لنحلل هذا الحديث باختصار: للام التعريف في كلمتي "المسلم" و"المسلمون" هنا معنى محدد. فالمسلم المثالي هو الذي دخل إلى جو السلم والسلامة والثقة وأذاب كيانه فيه. وهو المؤمن الذي لا يمد لسانه ولا يده بالأذى للمؤمنين من أمثاله، وليس الذي مكتوب في هويته أو بطاقته الشخصية أنه مسلم أي المسلم بالجنسية، فالموضوع هنا يتعلق بصفات المسلم الحقيقي والمؤمن المثالي. فلام التعريف هنا للعهد، والقاعدة تقول: إن إطلاق الذكر يصرف نحو كمال الوصف. لذا، فعندما ترد كلمة المؤمن فإن الذهن ينصرف إلى معنى "المؤمن الكامل" والمؤمن أو المسلم المذكور في الحديث الشريف هو من هذا النوع. والإنسان لا يعلم عادة هذه الأمور اللغوية الدقيقة، فلا يعلمها سوى من تعلم في المدارس أو في حلقات التدريس أو عند أحد العلماء فيتعلم دقائق النحو ودقائق اللغة. ولم يكن هذا وارداً بالنسبة لرسول الله، فكلامه لم يكن من عنده، بل من عند المعلم الأزلي. لذا، نرى في بيان الرسول صلى الله عليه و سلم جميع دقائق اللغة، وإضافة إلى هذا لا نجد فيه أي قصور أو مخالفة أو خطإ لغوي في كلامه. والآن لنرجع إلى الحديث: المسلم هو إنسان السلام والأمن إلى درجة أن المسلمين الآخرين يستطيعون أن يديروا له ظهورهم بكل أمن لأنهم يعلمون بأنه لن يؤذي أي أحد. وعندما يضطرون إلى إيداع أهلهم أمانة عنده يستطيعون ذلك دون أن يخالجهم أي خوف، لأنهم يعلمون عدم صدور أي أذى منه، لا من لسانه ولا من يده، وعندما يتركون مجلساً ضمهم معه، فإنهم يتركونه وهم مطمئنون بأنه لن يغتابهم في غيابهم، ولن يستمع إلى غيبتهم من أحد الحاضرين. وهو يراعي كرامة وعرض الآخرين كما يراعي كرامته وعرضه تماماً. قد لا يأكل ولكنه يُطْعِم. قد لا يشرب ولكنه يسقي، وقد يفتدي الآخرين بروحه، بل قد يضحي بأحاسيس فيوضاته الروحية من أجل الآخرين. ونحن نستخرج كل هذه المعاني من لام التعريف التي تفيد معنى الحصر. 2- السلم والمسلم من جانب آخر هناك جناس بين هاتين الكلمتين. فكلمة "المسلم" وفعل "سلم" يأتي كلاهما من جذر "س ل م" ونظراً لوجود بعض التشابه بين حروفهما فالجناس هنا جناس ناقص. غير أن صيغة كل من هاتين الكلمتين مختلفتان فهذا التشابه والاختلاف يذكرنا بالمعنى التالي: المسلم هو الإنسان الذي تجري جميع الأمور عنده في "سلم" وفي "سلامة" و"سلام" فقد ترك نفسه إلى الشوق الإلهي بحيث أصبحت جميع حركاته وسكناته حول هذه القوة المركزية. هو يسلم على الجميع.. على من يعرفه وعلى من لا يعرفه.. لذا، تستقر محبته في القلوب.[22] عندما ينهي صلاته ينهيها بالسلام فتتلقى الكائنات العاقلة جميعها هذا السلام من إنسها وجنِّها وملائكتها. فهو يسلم على هذه الكائنات وإن لم يكن يراها. وليس هناك عدا المؤمنين من أفشى السلام بهذه الصورة الواسعة. يتم الدخول إلى الإسلام بأداء أركان الفرائض: الصلاة والصوم والزكاة والحج والنطق بالشهادتين، وهذا يتم بالدخول إلى السلم حسب أوامر الآية الكريمة: {اُدخلوا في السِّلْم كافّةً} (البقرة: 208). أي ينشر شراعه في بحر السلم ويبحر فيه. ومثل هذا الشخص يفوح سلماً وسلاماً في كل حركة من حركاته، ولن يجد أي أحد فيه شيئا سوى الخير ولن يتوقع أو ينتظر منه سوى الخير. 3- لِـمَ اليد واللسان؟ كما هي العادة في كلام رسولنا صلى الله عليه و سلم فإن جميع الكلمات المتعلقة بالموضوع مختارة بعناية فائقة. وكما يلاحظ فإن الحديث يشير إلى اليد وإلى اللسان، إذن، فلا بد من وجود حكم عديدة في ذكرهما دون سائر الأعضاء، ذلك لأن الإنسان يستطيع أن يضر إنساناً آخر بطريقتين... إما يضره وجهاً لوجه، أو يضره غيابياً أي من وراء ظهره. فالضرر الذي يقترفه وجهاً لوجه يمثله الضرر باليد، والضرر الذي يقترفه غيابياً يمثله الضرر باللسان. أي إما أن يعتدي الإنسان بنفسه على حقوق الشخص الموجود أمامه أو يعتدي على حقوقه في غيابه بأن يغتابه ويهينه ويحقره. وكلا الأمرين قبيحان ولا يمكن صدورهما من المؤمن أبداً، لأنه يتصرف دائما بمروءة حيال الآخرين سواء أكانوا في حضوره أم لم يكونوا. ثم إن رسولنا صلى الله عليه و سلم يذكر اللسان قبل اليد، ذلك لأن من المحتمل أن يقوم الشخص الآخر بمقابلة الاعتداء اليدوي، غير أن الغيبة الصادرة في غياب الشخص أو الافتراءات الواقعة عليه تبقى في معظم الأحوال دون مقابل. لذلك فإن مثل هذا التصرف يؤدي إلى زرع العداوات بكل سهولة بين الأفراد بل حتى بين الأمم. فتعقب أضرار اللسان أصعب من إزالة الأضرار التي تحصل وجهاً لوجه، لذا قدم الرسول صلى الله عليه و سلم اللسان على اليد. ومن ناحية أخرى تجد في هذا الحديث قيمة المنزلة التي يحتلها المسلم عند الله، بحيث أن أي مسلم آخر لا يستطيع أن يمد له لسانه أو يده. إن أحد الأبعاد الخلقية المهمة للدين الإسلامي الذي جاء لتأسيس الأمن والسلام هو أن الفرد المسلم مثلما يجب عليه الابتعاد عن كل ما يضره ماديا أو معنويا كذلك يجب عليه الابتعاد عن الإضرار بالآخرين أي ضرر. وليس هذا فحسب بل عليه أن يكون ممثلاً للأمن والأمان في كل شريحة من شرائح المجتمع. أجل، إن المسلم مسلم حقيقي بدرجة شعور الأمن والأمان الذي يضمه في جوانحه. وهو في غدوه ورواحه، وحركاته وسكناته وقيامه وقعوده ترجمان للشعور النابع من "السلام"[23]: فعند مقابلته للمؤمنين يسلم عليهم، وعندما يفارقهم يتمنى لهم السلامة... يزين تحيات صلاته بالسلام، ويختم صلاته بالسلام على المؤمنين قبل مغادرة الحضور الإلهي. لذا، فإن من المحال لمثل هذا الشخص الذي أرسى حياته حول محور السلام أن يسير في طريق معاكس لفكره الأساسي، ومضاد للأمن وللسلام المادي أو المعنوي.. الدنيوي أو الأخروي. وبعد هذه النظرة من شاهق على هذا الحديث، لنذكر هذه الخصائص المنبثقة من روح الحديث: أ - إن المسلم الحقيقي أفضل ممثل للسلام العالمي في الأرض. بـ- إن المسلم أينما وجد ينشر حواليه روح السلام هذا الذي تشربت به أعماق نفسه. جـ- لا يبتعد المسلم عن إلحاق الأذى أو الضرر بالآخرين فحسب، بل يكون رمزاً للأمن والاطمئنان في كل مكان يذكر فيه. د- لا فرق عند مثل هذا المسلم بين الاعتداء الذي يتم باليد، أو الاعتداء الذي يتم باللسان غيبة ونميمة، أو بالافتراء والبهتان أو بالإهانة والتحقير. بل يكون ذنب الاعتداء باللسان أكبر من ذنب الاعتداء باليد. هـ- إنْ اقترف المؤمن بعض هذه الذنوب فسيبقى مؤمنا ولا يخرج عن ملة الإسلام، أي لا تكون هذه الذنوب حداًّ فاصلاً بين الإيمان والكفر حسب عقيدتنا. ويشير هذا الحديث ذو البيان المعجز في سطر واحد فقط إلى أن الإنسان يجب أن يسعى في موضوع الإسلام والإيمان -كما في غيرهما من المسائل- ليس إلى الإسلام أو الإيمان الاعتيادي بل إلى مراتبها العليا. ويضع الحب والشوق في القلوب لبلوغ هذه الغايات. ط - من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه بعد شرحنا الموجز لمعنى الهجرة ننتقل إلى حديث مضيء آخر لرسولنا صلى الله عليه و سلم حيث يقول صلى الله عليه و سلم: «مِنْ حُسْنِ إسلام المرء تَرْكُه ما لا يَعْنِيه.»[24] يبين الحديث سر وصول المؤمن بإسلامه إلى درجة الإحسان والإتقان، أي الوصول إلى إسلام متين ودون شروخ أو قصورمن ناحية المظهر الخارجي وإلى درجة سر الإحسان من ناحية الباطن. فالواصل إلى هذه الدرجة عليه أن يترك ما لايعنيه... وهو لا بد تاركه. 1- الوقار الداخلي يـنعكس على المظهر إن عبادات الأشخاص المتسمين باللامبالاة وعدم الجدية تكون كذلك أيضاً غير جدية. وشخص من هذا الطراز قد يقوم للصلاة مُظْهِراً الجدية والوقار، ولكن إن لم تكن الجدية والوقار واصلان إلى أعماق قلبه ووجدانه وإلى عالمه الداخلي كيراعة تحاول أن تظهر نفسها نجمة لامعة، لذا لا ينجح في الاستمرار في مثل هذا التمثيل وذلك لاستحالة إخفاء الخُلق والسلوك. فكل إنسان سيتصرف -إن عأجلاً أو أجلاً- حسب طبيعته وحسب خلقه، إلا إذا أصبحت الجدية والوقار طبيعة ملازمة له إذ يمكن الوصول إلى هذا المستوى بالتمرين والتدريب والرياضة الجادة للنفس؛ فإن كانت هذه الرياضة موجودة أصبح الجد خلقاً وتراجع "التظاهر" ولكن الإنسان ابن للاشعوره لا يستطيع التخلص منه، فالعصفور لا يستطيع تقليد مشية الطاووس مدة طويلة. ونستطيع جمع أطراف هذا الموضوع كما يأتي: حتى يبرز الإتقان خارج النفس فلا بد أن يوجد داخلها الإحسان، أي أن المظهر الخارجي يجب أن يستمد العون من الداخل... فيجب أن يكون داخل النفس جاداًّ وقوراً لكي يسري ذلك إلى المظهر الخارجي. عندما ذكر أحد الصحابة الكبار أمام عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقيل إنه يستحق أن يكون خليفة قال عمر رضي الله عنه: "إنه أهل للخلافة غير أنه فيه بعض المزاح، والخلافة جِدٌّ لا هزل فيها."[25] فإذا كانت الخلافة التي تقتضي إدارة الناس تتطلب الجدية، ألا تتطلب خلافة الله في الأرض جدية؟ إن الإنسان الذي لا يتسم بالجد والوقار وهو بين يدي خالقه ومولاه، كيف يستطيع أن يكون شخصا جاداًّ في المواضيع الأخرى؟ 2- شعور الإحسان والجد إن كلمة "مِنْ" الوارد في بداية الحديث تفيد الحصر، أي هنا شرح للطريق الذي يوصل المسلم إلى مرتبة الإحسان وهو تركه اللامبالاة. فطالما لم يكتسب الإنسان الجد ولم يترك اللامبالاة فلا يمكنه البلوغ أبداً إلى مرتبة الإحسان. في حديث جبريل عليه السلام يتم تناول مرتبة الإحسان في المرحلة الأخيرة. فعندما جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه و سلم سأله أولاً عن الإيمان ثم عن الإسلام وبعد أن صدّق أجوبة رسول الله صلى الله عليه و سلم سأله: ما الإحسان؟ فأجابه نبينا: «أن تَعْبد اللهَ كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك»[26].[27] والوصول إلى هذه المرتبة لا يتم إلا بعميق التقوى والزهد والولاية. وعلى الإنسان أن يعيِّن الوصول إلى هذه المرتبة كهدف مثالي وأن يجرب الطرق المؤدية إليها. إن الله أقرب إلى الإنسان من حبل الوريد. أجل، إن قلب الإنسان بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبهما كيف يشاء وكل شيء تجلٍّ من تجلياته؛ فمن العبث البحث عنه في الخارج، ذلك لأنه أقرب إليه من نفسه، وانكشاف هذا السر يكون في مرتبة الإحسان. 3- الإتـقان في كل شيء عندما يغمر الإحسان قلب ووجدان الإنسان يسود الإتقان جميع تصرفاته. والحقيقة أن الله تعالى يحب العمل المتقن، إذ يقول في القرآن الكريم: {وقل اعملوا فسيرى اللهُ عملكم ورسولُه والمؤمنون وستُرَدّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون} (التوبة: 105). أي أن جميع الأعمال ستعرض على الله وعلى رسوله وعلى المؤمنين من ذوي القلوب النيرة والعقول الأريبة وتمر من تدقيقهم وتفتيشهم. لذا، يجب أن يضع الإنسان نصب عينيه أن كل عمل سيؤدى فإنه سيمر من التفتيش والتمحيص، ولذا، فعليه أن يعمل عملاً لا يستحيي ولا يخجل منه؛ ولا يتأتى ذلك إلا بإتقان ذلك العمل. ولكي يوفق الإنسان لأداء مثل هذا العمل عليه أن يكون واصلاً لمرتبة الإحسان. وعندما يتعمق العالم الداخلي للإنسان ترتفع درجة الإتقان في عمله فلا يسقط مثل هذا الإنسان في وهدة اللامبالاة، وهكذا يحصل على محاسن الإسلام، أو بتعبير آخر يعيش الإسلام الحقيقي، ويصل إلى منزلة ملائمة للإسلام الحقيقي الجميل في ذاته. و"ما لا يعنيه" هي الأمور التي لا علاقة له بها وغير الضرورية وغيرالمفيدة له لا في حاضره ولا في مستقبله، بحيث لو انشغل بها فلن يستفيد منها لا هو ولا عائلته ولا أمته أي فائدة. وهكذا فالذي استطاع إدراك جمال الإسلام والوصول إليه يكون قد ابتعد في الوقت نفسه عن اللامبالاة وعدم الجدية. فهذا الحديث يعلم الإنسان ما يعمله أيضاً. إذ أن على الإنسان أن ينشغل فقط بالمسائل العلوية، بحيث أن كل مسألة منها تكون ذات فائدة له ولأسرته ولمجتمعه وهذا في الحقيقة هو تعريف للإنسان الجدي. ولا أتمالك نفسي هنا من عرض أمر دقيق أتحسسه من خلال هذا الحديث: ما المقصود بـ"ما لا يعنيه"؟ إن الشخص المشغول بما لا يعنيه لا يجد الفرصة أمامه لكي ينشغل بما يعنيه حقا، إذ لا يجد الوقت الضروري والكافي لذلك. إن الشخص الذي لم يجد نفسه بعد، ولم يجد الجو والاتجاه المناسب لا يمكن أن يقدم على إنجاز عمل إيجابي أو عمل جيد. فالإنسان المغمور حتى ذقنه بما لا يعنيه لا يمكن أن يكون منفتحا على ما يعنيه؛ لأن قلبه ورأسه مليئان بأمور تافهة وعرجاء، فكيف ننتظر من مثل هذا الشخص الانشغال بشيء ذي قيمة؟ وهكذا استطاع رسول الله صلى الله عليه و سلم التعبير عن كل هذه المعاني بجملة واحدة مؤلفة من بضعة كلمات. وعندما قمت بشرح معانيه لم أقل شيئا أكثر. كل ما قمت به هو أنني حاولت أن أهوي بمعول التعبير على البنية الرصينة الصلبة لذلك الحديث، فكان كل ما وصلكم عبارة عن بعض القطع المتناثرة منها. وقد لا أكون موفقاً في شرح تلك المعاني كما يجب. غير أن عجزي وعجز أمثالي ليس إلا برهاناً لمدى قوة التعبير عند رسول الله صلى الله عليه و سلم وقوة بيانه وفصاحته، ذلك لأننا قد لانحيط علماً بكل معاني أقواله صلى الله عليه و سلم التي كان يرسلها ارتجالاً دون تحضير سابق. فالمعاني التي يضيق عنها عالمنا الفكري كانت المعاني الاعتيادية التي يتحدث بها كل يوم. فهل يمكن تفسير هذا إلا بالفطنة؟ إن كلمة العبقرية تبقى هزيلة وعاجزة في شرح هذه الخصلة. يـ - الـصـبـر يتفق مسلم والبخاري في رواية هذا الحديث: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى.»[28] عندما شاهد رسول الله صلى الله عليه و سلم استمرار بعض العادات الجاهلية عند زيارة القبور، منع المؤمنين من هذه الزيارة. ولكنه عاد بعد ذلك وأباحها ودعا إليها إذ قال: «قد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أُذِنَ لمحمد في زيارة قبر أمه، فزوروها فإنها تُذَكِّر بالآخرة.»[29] ذلك لأن أفضل نصيحة للإنسان وأكثرها تأثيراً في إنقاذه من طول الأمل موجودة في القبر. ولقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي كان رمزاً للوفاء يزور القبور كثيراً ويزور شهداء أحد مرة في الأسبوع على الأقل. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال مرّ النبي صلى الله عليه و سلم بامرأة تبكي عند قبر فقال: «اِتَّقي الله واصبري»، قالت: إليكَ عني فإنك لم تُصَب بمصيبتي ولم تعرفه. فقيل لها إنه النبي -في رواية: فأخذها مثل الموت- فأتت باب النبي صلى الله عليه و سلم فلم تجد عنده بوّابِين. فقالت: لم أعرفك... فقال: «إنما الصبر عند الصدمة الأولى.»[30] فقد شرح في أربع كلمات بليغة معجزة مسألة يحتاج بيانها إلى مجلدات. إن للصبر أنواعا متعددة: الصبر على المصيبة، والصبر في مقاومة الذنوب والآثام، والصبر على العبادة والاستقامة عليها؛ فأداء الصلاة خمس مرات في اليوم وصيام شهر واحد كل عام على الأقل وأداء الزكاة وإيفاء الأوامر الأخرى المتعلقة بالعبودية.. كل هذه الأمور تتطلب الصبر وتنظم حياة الإنسان وتصبغ حياته صبغة أخروية. وتنقضي مثل هذه الحياة في درب نوراني وجو تغمره البركة مثمراً الجنة في نهاية المطاف. لذا، كان على الإنسان أن يعض بالنواجذ على هذه العبادات ويصبر عليها لكي ينور حياته ويضيئها. فالصبر مُرّ مثل تناول "عشب الصبر" المرّ المذاق الذي يستعمله الأطباء في تحضير بعض الأدوية؛ غير أن هذه المرارة ليست إلا في البداية، ثم تكون نتائجها بعد ذلك حلوة على الدوام. إنه ليس من السهل الصبر على الحوادث المرة الأليمة والصرُّ على الأسنان وتَحمُّل كل المصائب دون فقد للأعصاب ودون اهتزاز أو شلل للفكر وللإرادة. غير أن تحمل هذه الآلام يكون عند الصدمة الأولى. ذلك لأن أي تغيير أو انتقال إلى وضع آخر يؤدي إلى تغيير في الحالة النفسية للإنسان ويخفف عنه ويؤدي إلى نسيان الإنسان للحوادث التي هزته. لنفرض أن مصيبة مّا أصابتنا... سنعتقد في الوهلة الأولى استحالة تحملنا لها.. علينا أولاً أن نزيل أثر الصدمة الأولى، وهذا يكون بتغيير وضعنا الموجودين فيه.. فإن كنا وقوفاً علينا أن نجلس، وإن كنا قاعدين علينا أن نتمدد، أو نغير شيئا في نوع فعاليتنا.. أن نتوضأ مثلاً أو نصلي أو نبتعد عن موضوع الحديث الذي كنا نتحدث فيه.. أو أن نترك موضعنا ونذهب إلى أي موضع آخر أو إلى أي مكان آخر للالتجاء إلى جو آخر. وأحيانا يكون أخذ سِنة من النوم مفيداً في التخلص من أثر الصدمة الأولى. وعلى أي حال فإن تغيير الوضع أو الحال أو المكان يقلل من تأثير الصدمة ويخفف من أثر المصيبة التي حسبنا أننا لن نستطيع تحملها. كما أن الصبر ضروري أيضا في قضية الاستقامة على أداء العبادات. فالصلاة مثلاً قد تبدو للمبتدئ عبادة صعبة جدا، ولكن ما إن يصبر قليلاً وما إن تمتزج الصلاة بروحه، حتى يكون عدم أدائه لصلاة وقت واحد جحيماً لا يطاق. ويمكن ذكر نفس الشيء بالنسبة للعبادات الأخرى كالصوم والزكاة والحج. تأملوا معي كيف أن الشخص المؤدي لعبادة شاقة مثل الحج يملأه شوق عارم كل سنة لأداء الحج مرة أخرى، حتى أنه ليكاد أن يجن من التحديدات التي توضع في موضوع الحج.[31] فمثل هذا الحب للعبادة يعني تجاوز صعوبة الصدمة الأولى.. وهذا ينطبق على سائر العبادات الأخرى تقريباً. وعلى الإنسان أن يتذرع بالصبر نفسه أمام المحرمات أيضاً. لأن المقاومة المعلنة عند الصدمة الأولى لهجوم الإثم على النفس تخمد شرارته وتضعف طاقته، فيتخلص الإنسان من صدمته. لذا، قال رسولنا صلى الله عليه و سلم لعلي رضي الله عنه: «يا عليّ! لا تُتْبِع النظرةَ النظرةَ، فإن لك الأولى وليست لك الآخِرة.»[32] أي إن نظر الإنسان قد ينزلق إلى الحرام، فإذا حول الإنسان وجهه ونظره حالاً فلا يُعَدّ ذلك ذنبا له بل يعد حسنة لأنه لم ينظر إلى حرام. ولكن النظرة الثانية والنظرات الأخرى تنغرز في قلب الإنسان وروحه كسهام مسمومة فتعكر صفو خياله وتضعف القوة المعنوية لإرادته؛ لأن كل نظرة إلى الحرام إنما هي بمثابة دعوة لتيسير الولوج إلى دروب الإثم والمعصية. فكل نظرة تشوق؛ وتدعو إلى نظرة أخرى، وهنا يبدأ الإنسان بفتح أشرعته للإبحار نحو الحرام ويبدأ رحلة يصعب الرجوع عنها. فقبل الوصول إلى هذه المرحلة يجب الصبر عند الصدمة الأولى للحرام وعدم التوجه إليه، بل إغماض العين عنه، وهذا من الوصايا الذهبية لرسول الله صلى الله عليه و سلم لنا. وقديما قال "أبكتيتوس (Epiktetos)": "عندما تحيط بك الخيالات الضارة حاول الهروب منها في أول فرصة. وإلا فلن تستطيع الرجوع من الموضع الذي ستقودك إليه هذه الخيالات" وهذا قول ملهم، ولو عاش هذا الرجل بعد رسول الله صلى الله عليه و سلم لقلنا إنه أخذ إلهامه منه صلى الله عليه و سلم. وعندما يتصرف الإنسان هذا التصرف تجاه الحرام، يكون هذا طبعه وديدنه، ذلك لأن النور الذي يتولد في قلبه من جراء هذه التمارين التي يمارسها يكون ستراً له من الذنوب والمعاصي التي هي بمثابة شرارات من جهنم، إلى درجة أن غضه البصر عن الحرام يدخل ضمن سلوكه الفطري الأصيل. ولو هجس بباله هاجس مخالف لَغمس يدَه في خلية عسل الإيمان الموجودة في قلبه ونأى بنفسه في ظل هذه اللذة الإيمانية عن كل ما يبعده عن هذا الجو الإيماني والمعنوي. لذا، يمكننا القول بأنه من المستبعد جداًّ أن يدخل مثل هذا الشخص ساحة الحرام بإرادته. لكل مصيبة صدمة خاصة بها. وعندما يتم تجاوزها تنقلب المصيبة إلى رحمة، والألم إلى لذة، والهموم إلى أذواق... وآلام مثل هذا الإنسان تكون قد سكنت وهدأت وتركت مكانها للنشوة، غير أن كل هذا مرتبط بتجاوز الصدمة الأولى بنجاح. وهكذا بين وعبر رسول الله صلى الله عليه و سلم عن هذا الموضوع العميق بأربع كلمات فقط «الصبر عند الصدمة الأولى» كـ - الـيـد الـعـلـيـا يقول نبينا صلى الله عليه و سلم في حديث رواه البخاري ومسلم وأحمد بن حنبل رضي الله عنه: «اليد العليا خير من اليد السفلى.»[33] واليد العليا هي التي تنفق وتعطي، واليد السفلى هي اليد التي تأخذ، وذلك كما فسره النبي صلى الله عليه و سلم في أحاديث أخرى.[34] وكما أن اليد التي تعطي هي في الحقيقة أعلى من اليد التي تأخذ، كذلك فإن في الحديث إشارة إلى أن الثواب الناتج من الإنفاق يجعل اليد التي تنفق أعلى من اليد التي تأخذ. كما أن فيه اثتثارة للكرامة الإنسانية لحث وتشجيع ذوي النفوس السليمة على الإنفاق وتنفيرهم من الأخذ. وقد بيّن الحديث كل هذا بأسلوب رائع وموجز لا تنبو كل كلمة فيه عن موضعها، فكل كلمة في مكانها وفي موضعها الصحيح. وحتى لا تبقى عملية الإعطاء والإنفاق معلقة في الهواء فقد جعل هناك يدا تأخذ مقابل اليد التي تعطي، وقد وصف الحديث اليد المعطاءة بالخير، ولم يصف اليد التي تأخذ بالشر، ومع هذا فإن في الحديث إشارة من طرف خفي إلى أنها "أقل خيرا" وتنبيه إلى عدم ضرر الأخذ في بعض الظروف. ومع ورود كل هذه المعاني فإن حديث «اليد العليا خير من اليد السفلى» لا يعني مجرد اليد فالرسول صلى الله عليه و سلم قد استعمل الكلمات بمعانيها المجازية. أولاً: لقد عبر بالجزء وأراد الكل، فالمقصود من اليد هنا الإنسان نفسه أي أن معنى الحديث هو الإنسان المعطي خير من الإنسان الآخذ. ثانياً: إن الذي ينفق هو المعطي والذي ينفق عليه هو الآخذ، فلو كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد استعمل هذه الكلمات لشرح صفات اليد لكان يجب أن يقول "اليد التي تعطي خير من اليد التي تأخذ"، غير أنه لم يستعمل كلمة "المعطي" ولا كلمة "الآخذ" بل استعمل كلمة "العليا" وكلمة "السفلى" في وصف كلمة اليد؛ لذا، يرد إلى الخاطر نكتة دقيقة وهي: أن اليد التي تعطي ليست أفضل من اليد التي تأخذ في جميع الأحوال. ففي بعض الأحيان قد تكون اليد الآخذة أفضل بكثير من اليد المعطية، وذلك إذا كانت مضطرة أو كانت تحمل نية إثابة اليد المعطية بإنفاق هذا المال في مواضعه الصحيحة، أو عندما يكون صاحب اليد المعطية مناناً، ففي كل هذه الأحوال تكون اليد الآخذة هي اليد العليا، وإن كانت اليد المعطية هي العليا في الظاهر غير أنها تكون السفلى في الحقيقة. فقد ترى البعض من الفقراء الصابرين.. شُعثاً غُبراً.. لا يوقرهم الناس في المجالس.. وتغلق في وجوههم الأبواب.. هؤلاء يصفهم الرسول صلى الله عليه و سلم فيقول: «لو أقسموا على الله لأبرّهم...» كان البراء بن مالك من هؤلاء.[35] وكان المسلمون إذا وقعوا في ضيق في أي معركة، ذهبوا إلى البراء وطلبوا منه أن يقسم بأن ينتصروا، فيقسم فينتصر المسلمون،[36] وقد تكون يد مثل هذا الشخص يداً آخذة. وكان ثَوْبان من فقراء الصحابة، ومع ذلك أوصاه الرسول صلى الله عليه و سلم بألا يسأل الناس شيئا، ومن ذلك اليوم لم يسأل ثوبان من أي إنسان شيئا حتى إن السوط كان يسقط منه وهو يسير بناقته فينزل عنها ويأخذ سوطه بنفسه لكي لا يسأل أحداً شيئاً ثم يركب ناقته.[37] فقد يكون من الناس من أعطى لمثل هذا شيئاً.. وذلك كمن يعطي جبريل عليه السلام المتمثل في شكل إنسان شيئا أو صدقة، فمثل هؤلاء الأشخاص لا يكونون أبداً في وضع أقل أو مرتبة أدنى من مرتبة المعطين والواهبين، ذلك لأننا نعلم من حديث يرويه أبو هريرة أنه عندما يتم إعطاء صدقة لمثل هؤلاء الأشخاص فكأنما أعطاها لله تعالى، وكأن الله تعالى هو الذي أعطى هذه الصدقة لهم.[38] 1- الـوصايـا كأن رسول الله صلى الله عليه و سلم يوصينا بعباراته تلك هذه الوصايا: كونوا أعزاء النفوس، ولا تذلوا أنفسكم بالتسول. ولا تهبطوا أبداً أفرادا كنتم أو أمة إلى مستوى اليد الآخذة، بل كونوا دائما اليد المعطاء، وبمثل هذا تُبقون على مكانتكم المرموقة وتحافظون على عزتكم؛ ولا تنسوا بأن اليد العليا تكون دائماً في أمن وهي تعطي وتبذل، واليد السفلى تكون دائماً في قلق وهي تلتقط العطايا. كونوا أنتم اليد الحاكمة، ولا تكونوا اليد المحكومة، فإن كنتم فوق كنتم اليد العليا. 2- المـقـيـاس الدولي يشكل هذا الحديث مقياساً وقسطاساً لنا لا يخطئ في المناسبات الدولية؛ فإن كنا يداً عليا كانت لنا مكانتنا في التوازن الدولي. عند ذلك تجد جماهيرنا الفرصة السانحة للتخلص من استغلال القوى العظمى لها ولثرواتها. وإلا لما تخلصت من وضع الجماهير المهانة والمستغلة؛ والمنظر العام الذي نراه اليوم في عالمنا هو مصداق ما نقول فالقوى العظمى تقوم بامتصاص دماء الأمم والشعوب مقابل ما تعطيه لهم من دراهم معدودة غايتها الدعاية، تسترجع فيما بعد أضعاف أضعافها. ونحن الآن نعيش ذلة كوننا "اليد السفلى" لذا، فواجبنا الآن هو السعي على المستويين الفردي والجماعي لتحقيق ما ينتظره العالم الإسلامي بل الإنسانية كلها منا. هذه المعاني -ومعانٍ أخرى قد لا نعلمها- موجودة في هذا الحديث الوجيز والبليغ لرسولنا صلى الله عليه و سلم. لـ - زمر ثلاث لا تُزَكّى يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ثلاثة لا يكلِّمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكِّيهم ولهم عذاب أليم: الْمُسْبِل إزارَه والمنّان الذي لا يعطي شيئاً إلا مَنَّه، والمنفِق سِلْعته بالحَلِف الكاذب.»[39] كلمة "ثلاثة" ذكرت مطلقة، أي قد تعني ثلاثة رجال أو ثلاث نساء أو ثلاث جماعات، وقد يكون هؤلاء الرجال علماء أو جهلاء. لأن هوية هؤلاء الأشخاص ليست مهمة بل أوصافهم هي الأهم، لذا أطلقت هذه الكلمة ولم تقيد. و"ثلاثة" هنا كلمة نكرة، والتنوين في آخرها يفيد النكور أي أن هولاء الأشخاص مجهولون وغير معروفين ولا يملكون هوية يعرفون بها، لذا فهم وضيعون ومحتقرون إلى درجة لا يستحقون إعطاء أي قيمة أو منزلة لهم، فكما لا ينظر الله إلى وجوههم ولا يكلمهم، كذلك لن تجدوا أنتم فيهم قيمة أو فضلاً لكي تتعرفوا عليهم وتتحدثوا معهم.. هؤلاء لم يسقطوا بأجسادهم بل سقطوا وهزموا بأرواحهم وقلوبهم. فانسحق وجدانهم تحت ثقل أجسادهم فلا يملكون أي استعداد للارتقاء فهم يتدحرجون إلى الدركات السفلى. وبعد كلمة "ثلاثة" هذه تأتي ثلاثة أفعال تشير إلى المستقبل وترسم أمام الأنظار لوحة قاتمة لهذه الزمر الثلاثة. 1- محروميات ثلاث: أ - المحرومية من التكلم الفعل الأول هو الفعل المضارع الموجود في بداية جملة "لا يكلمهم الله". والفعل المضارع كما يدل على المستقبل فإنه يدل على الحال. والمصيبة تبدأ بخبر أن الله تعالى لن يكلم هذا الإنسان الذي أعطاه ومنحه قابلية الكلام، ولن يخاطبه؛ هذه هي المصيبة الكبرى التي تبدأ بالجملة الأولى. ومع أن الله تعالى يَمُنّ على الإنسان في سورة الرحمن بتعليمه البيان ويَعد ذلك من نعمه، إلا أنه لا يكلم مثل هذا الإنسان، مع أن تكلم الإنسان وتحدثه دليل على صفة الكلام عند الباري عز و جل؛ ولكن هذا الإنسان هبط إلى مستوى لا يقبل فيه الله تعالى التكلم معه، ولا يعطيه هذا الشرف. أهناك عذاب أكبر من عذاب الإنسان الذي يمنع من الكلام والذي لا يُستمع إليه في يومٍ هو فيه في أشد الحاجة إلى الكلام وفي أشد الحاجة إلى شرح حاله والدفاع عن نفسه..؟ إنه يطلب النجدة والغوث.. ويتقلب ألماً وهو يبحث عمن يشرح له حاله.. غير أن الواحد الأحد الذي يستطيع أن ينجده ويغيثه لا يستمع إليه أبداً. وعندما يشرح القران الكريم هذا المنظر يقول {قال اخسؤا فيها ولا تكلّمون} (المؤمنون: 108). ذلك لأن الدنيا كانت هي محل وموضع كلامكم.. كنتم تستطيعون التكلم هناك والوصول إلى الأنس بالله.. لم تأنسوا بالله في الدنيا واليوم لا يكون هو أنيسكم. ب - المحرومية من النظر الإلهي المنظر الثاني أو اللوحة الثانية هي لوحة "ولا ينظر إليهم" إذ لا ينظر الله تعالى إليهم نظرة الرحمة في ذلك اليوم الذي هم فيه أشد الحاجة إلى نظرة عطف ورحمة. وبينما تشرق بعض الوجوه النضرة فرحاً وبشاشة، تعبس بعض الوجوه وتقتم، وهذه هي الوجوه التي لا ينظر الله تعالى إليها يوم القيامة. ويوم يُدعى كل إنسان باسمه ويصل كل إنسان إلى بَرّ النجاة.. في هذا اليوم ما أتعس حال هؤلاء الذين لا يُنظر إليهم.. إن الجلود لتقشعر من هول هذا المصير المفجع. لقد علمنا مدى الألم الفظيع لهذا الأمر من حادثة كعب بن مالك عندما قاطعه النبي صلى الله عليه و سلم والمؤمنون لمدة قصيرة نوعاً ما، فضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم،[40] أما هؤلاء فسيستحقون هذا العقاب إلى أبد الآبدين.. رُحْماك يارب! إن هذا لأفظع من عذاب جهنم.. فما أفظع عاقبة من لا ينظر إليه الرب الرحيم ولو نظرة واحدة، وما أشد عذابه! ماذا نستطيع أن نقول..؟ لا نستطيع إلا أن نقول بأن الإنسان سيجني ما زرعه، وسيلقى ما عمله.. إن خيراً فخير.. وإن شراًّ فشر. ج - المحرومية من التزكية الوضع الثالث أو المحرومية الثالثة هي "ولا يزكيهم". عملية تزكية الإنسان، أي عملية تنظيفه وتطهيره من الذنوب تكون في الدنيا.. لأن على الإنسان أن يذهب للآخرة وهو نظيف طاهر، أما في الآخرة فلا ينظف الإنسانَ سوى جهنم... لذا، فإن الله تعالى لا يزكيهم أيضاً. إن للإنسان فرصة امتحان واحدة.. فرصة واحدة يستطيع أن ينتهزها وينجح فيها نجاحاً باهراً.. من استغل هذه الفرصة جيداً ربح وكسب، ومن أهملها خاب وخسر، فليس هناك احتمال ثالث. إن الإنسان المسكين الذي تلوّث وتقرّح قلبه ووجدانه وروحه ومشاعره وجميع اللطائف الربانية الممنوحة له مثل تقرّح جسد النبي أيوب عليه السلام... هذا الإنسان المسكين سينظر إلى حاله يوم القيامة ويسائل نفسه: أأستطيع أن أطهر نفسي..؟ قد تبرق له بارقة أمل غير أن الله تعالى لن يطهر هذه الزمر الثلاث.[41] 2- العاقبة: عذاب أليم والعاقبة هي «ولهم عذاب أليم...» فما أن يخطو هؤلاء خطوة واحدة حتى يجدوا العذاب الأليم أمامهم.. عذاب يحرق النفس ويسرى إلى جميع أوصال الإنسان، فلا يلبثوا أن يجدوا أنفسهم وقد أنحدروا إلى هوة وادي العذاب. من هؤلاء الذين تنتظرهم مثل هذه العاقبة المرعبة؟ من هؤلاء الذين لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم؟ ومن هؤلاء الذين أعد لهم هذا العذاب الأليم؟ سيبلغ الفضول مداه لدى قارئ هذا الجزء من الحديث.. وسينقلب كيانه كله ويتحول إلى كتلة من الاهتمام ليرى من هم هؤلاء الزمر الثلاث... يستمر الرسول صلى الله عليه و سلم في حديثه فيقول: "المسبِل إزارَه" وهذا كناية عن الغرور والكبرياء.. لقد رأيتم ولا شك صور الرومانيين واليونانيين وهم يجرون أرديتهم وأثوابهم. ويمكن مشاهدة هذا بشكل أوضح في الأفلام المتعلقة بهؤلاء القوم. غير أن المهم هنا ليس في إسبال الإزار، بل جعل هذا الشيء رمزاً للغرور والكبرياء، فهذا هو القصد من الحديث. 3- الغرور والكبرياء تناولت العديد من الآيات والأحاديث الغرور والكبرياء وشرحت كيف أنهما من الأمراض السيئة التي تؤدي إلى عواقب وخيمة. فمن أحاديث الرسول صلى الله عليه و سلم في هذا الخصوص قوله: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر.»[42] ذلك لأن الله تعالى قد سد طرق الهداية أمام من كان في قلبه ذرة من الكبر والغرور إذ قال: {سأصرِف عن آياتي الذين يتكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلاً وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلاً ذلك بأنهم كذّبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين} (الأعراف: 146). الكبر ستار يعمي العيون، والقلب الذي داخله الكبر لا يستطيع رؤية المعجزات التي يحفل بها الكون، ولا يدركها ولا يستطيع فهمها، ذلك لأنه عندما تعمى البصيرة فإن البصر الذي يأتي بمعنى الإدراك لا ينفع أبداً. العظمة والكبرياء لله وحده. وهذه الحقيقة التي تتكرر خمس مرات فوق كل مئذنة في كل يوم كيف يمكن نسبتها إلى أحد آخر؟ يقول الله تعالى في حديث قدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحداً منهما قذفته في النار.»[43] والكبر والكبرياء والعظمة صفة من صفات الله تعالى فما يعنيه اللباس والرداء بالنسبة للإنسان يعنيه الكبر والكبرياء والعظمة لله، ولكن بصفة وكيفية لا نستطيع إدراكها. فالذي يريد المشاركة مع الله تعالى في واحدة من هاتين الصفتين وبخه الله وقذفه في جهنم، فالقلب المتكبر لا يجد الإيمانُ إليه سبيلا، وبتعبير آخر فإن القلب المشغول بغير الله لا يستطيع الإيمانُ أن يتربع فيه، فهذا هو وضع الشخص المتكبر المغرور، والحديث يصف مثل هذا الشخص بأنه الذي يجر ثوبه خيلاء. 4- الـمنّـان الزمرة الثانية أو النوع الثانى من الناس هو "المنان". هذا الشخص أعطاه الله تعالى مالاً وملكاً لكي يستفيد من نعمه وينفق أيضاً على الآخرين فيجازيه الله تعالى مقابل هذا الإنفاق ألف ضعف.. غير أن هذا الشخص غافل عن هذا الأمر.. غافل ولاهٍ.. وإذا أنفق مرة فإنه يبطل هذا الإنفاق لقيامه بالمنّ على من أنفق عليه، وما علم أن هذا المال الذي أنفقه ملكٌ لله تعالى وهو عبد له.. فكان من المفروض عليه القيام بإنفاق مال الله تعالى ولكننا نراه ينحرف إلى طريق المن وكأن المال ماله.. فما أعظم هذه الغفلة وما أفظع هذا السقوط. لقد أعطاه الله تعالى مالاً وملكا، وجعل للآخرين حقاً في هذا المال. فإذا به يبخل فلا يعطي، وإذا أعطى منّ على الناس بما أعطاه، وقد كان خيراً له أن يقول معروفاً وكلاماً طيباً بدلاً من القيام بإنفاق أو صدقة يتبعها بالأذى والقرآن الكريم يقول {قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى} (البقرة: 263). و"المـنّان" بخيل في الوقت نفسه، والبخل يبعد الإنسان عن الله وعن الجنة وعن الناس الآخرين ويقربه من جهنم. يقول الرسول صلى الله عليه و سلم في حق البخيل: «البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس قريب من النار.»[44] 5- الجزاء من جنس العمل في هذا الحديث قاعدة من قواعد البلاغة، وهي قاعدة "لف ونشر مرتب"، ويستفاد منها ما يلي: إن قوله "ولا ينظر إليهم" يقابل قوله "المنان"، وقوله "ولا يكلمهم" يقابل "المسبل إزاره"، وقوله "ولايزكيهم" يقابل "المنفق سلعته بالحلف الكاذب"؛ ومن خلال تلك المقابلة نستطيع أن نستخرج النكتة التالية: إن هذا المنان الذي لم ينظر إلى الناس نظرة رحمة في الدنيا ولم يهتم بهم، بل إنه كان يمن عليهم بعطائه إن أعطاهم شيئاً، ومن ثم أبطل حسنته بهذا المن.. سيلقى في الآخرة جزاء من جنس عمله، وسيعامله الله تعالى بنفس هذه المعاملة فلن ينظر إليه. وذلك الذي يختال في مشيته ويجر إزاره المسبل بغرور ولا يكلم الناس إلا من طرف أنفه، عليه أن يعلم أن الله تعالى لن يكلمه يوم القيامة؛ ومن ثم فليمسك عن هذا السير وعن المضي في هذا السبيل الخطر الذي يفضي به إلى تلك العقوبة المرعبة. ثم هذا الذي تعود أن يروّج سلعته بالحلف الكاذب لكي يجر من ورائها منافع دنيوية أو يصرّف بضاعته مستهينا بهذا الحلف فإنه ينساق إلى عاقبة وخيمة حيث يتحقق في حقه وعيد "ولا يزكيهم"، والرسول صلى الله عليه و سلم رسم له هذه اللوحة بقوله "والمنفق سلعته بالحلف الكاذب"؛ فهو يكذب في حياته التجارية لكي يربح ويجر نفعا دنيوياًّ، وهو يرى بذلك أنه يستطيع غش الناس وخداعهم بالحلف الكاذب، فهؤلاء هم الزمرة الثالثة المستحقة للعذاب. فلننظر إلى جوامع كلم رسول الله صلى الله عليه و سلم. نعم، فهذا القول ديْن في أعناقنا عند قراءة كل حديث؛ لأن كل عبارة من عباراته تشير إلى أنه رسول الله حقا وصدقا، اللهم صل على سيدنا محمد بعدد أوراق الأشجار وأمواج البحار وقطرات الأمطار وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. مـ - العـفـة وبلاء الألسنة في حديث صحيح يرويه الإمام البخاري والترمذي وأحمد يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم. «من يضمَن لي ما بين لَحْيَيْه[45] وما بين رجليه أضمن له الجنة.»[46] إن القائل هذا هو رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي يعرف معرفة أكيدة وأكثر من أي شخص ما يَضمن وما لا يضمن. فإن قال إنه يضمن الجنة كان هذا ضماناً أكيداً. ومما يدل على ذلك ما جاء في رواية للبخاري عن امرأة عثمان بن مظعون عندما وقفت ترثيه: ...فقالت رحمة الله عليك أبا السائب. فشهادتي عليك: لقد أكرمك الله فقال النبي صلى الله عليه و سلم: «وما يدريك أن الله أكرمه؟» فقلت: بأبي أنت يا رسول الله فمن يكرمه الله؟ فقال: «أما هو فقد جاءه اليقين، والله إني لأرجو له الخير. والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي» قالت: فوالله لا أزكي أحداً بعده أبداً.[47] إذن، فعندما يضمن رسول الله صلى الله عليه و سلم الجنة لمن يضمن ما بين لحييه وما بين رجليه فإنه لم يضمن هذا عن هوى في نفسه، بل لا بد أن يكون هذا إخبار من الله تعالى في هذا الموضوع. وأنه لم ينطق ذلك أبداً عن هوى. ولم يُنطقه الله تعالى حسب هوى نفسه بل صانه عن مثل هذا الأمر. إذن، فما قاله كان على الدوام حقا وحقيقة، ويتحقق ما قاله عندما يأتي أوانه دون ريب؛ فإن حفظت لسانك وحفظت ما بين رجليك وعشت عفيفاً فإنني أقول لك دون أي تردد بأن الزبانية إن ألقت القبض عليك يوم القيامة وأرادت سوقك إلى جهنم فإنك تستطيع أن تصرخ بكل ما أُوتيتُ من قوة بأن رسول الله كفيلك وضامنك، فلا تلبث أن تأتيك شفاعة رسول الله وتنجدك. 1- الكلام نعمة لسان الإنسان عضو مهم، وله قيمة كبيرة لأنه مظهر لنعمة البيان، ولكن إن استعمل هذا العضو المبارك في السوء انقلب إلى أكثر الأعضاء ضرراً وفساداً وجرّ صاحبه إلى الهلاك. بهذا اللسان نفسه يسبح الإنسان ربه، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويتلو القرآن الكريم الترجمان الأزلي لكتاب الكون ويفسره للآخرين، ويقوم به أحياناً بهداية الملحدين إلى الإيمان فيكون قد حقق عملا أفضل من كل ما طلعت عليه الشمس وغربت، فيسمو بمثل هذا إلى أعلى عليين. ولكن هذا الفم نفسه قد يُودِي بالإنسان إلى الهلاك أيضاً. فاللسان هو السبيل إلى جميع أنواع الكفر والضلالة. فالذين يشتمون الله ورسوله يفعلون هذا الشيء القبيح المقزز للنفس بألسنتهم، كما أن الكذب والغيبة والافتراء تكون باللسان فيسقط الإنسان إلى هوة الكذب التي سقط فيها مسيلمة الكذاب. إذن، فرسول الله صلى الله عليه و سلم يقول كلمة واحدة ويشير بالتحذير إلى عضو واحد فيطوي في كلمته هذه المعاني التي ذكرناها باختصار ومئات المعاني الأخرى. فكأنه يقول لنا استعملوا أفواهكم في سبيل الخير لكي أضمن دخولكم الجنة. ولا يقول لنا سُدّوا أفواهكم واقعدوا في زاوية، بل استعملوها في مجال الخير والمعروف. 2- أدب الحديث لا يصرّح الرسول صلى الله عليه و سلم بذكر العورة بل يكني عنها بقوله "ما بين رجليه"؛ وهذا مظهر من مظاهر أدبه الرفيع. فقد كان دأبه هذا الأدب السامي والرفيع الخاص به حتى وهو يحدثنا عن أمور طبيعية وفطرية بل إنه عندما يتناول مواضع غير محببة إلى النفس يصورها بصورة تبدو كلوحات محببة. لقد كانت نفسه مرآة لكل الأخلاق الرفيعة والسجايا السامية والجمال الدائم. فانظر مثلا إليه يتحدث عن عضو يخجل الناس من ذكره فيلمح إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم بأسلوبه الجميل فيقول: "ما بين رجليه"؛ نعم إن أثر الجميل جميل كذلك. 3- ما بين رجليه ما بين الرجلين مهم جداً. إذ كان وسيلة لخروج آدم من الجنة بعدما ذاق الفاكهة المحرمة. ولأن شرح وتحليل الآيات حول إخراج آدم من الجنة خارج موضوعنا فإننا لن نتناوله هنا، إلا أننا سنكتفي هنا بإشارة موجزة إلى أهمية "ما بين الرجلين"؛ فبه بقاء النسل وحفظ النسب، كما يؤدي الزنا والفحش إلى خراب النسل، وذلك بسبب اختلاط الأنساب عند سوء استعماله وانهدام كل الأمور التي يجب على النظم القانونية حمايتها. مَن أبُ مَن؟ من يترك ميراثه لمن؟ من يطالب بحقه مِن مَن؟ كيف يمكن صيانة العائلة والأمة؟ كل هذه الأسئلة وأشبهاهها مرتبطة بعفةِ ما بين الرجلين. فبينما يستطيع الأفراد العفيفون والمجتمعات المتكونة منهم من الحفاظ على بنيتهم الداخلية حتى يوم القيامة، لا يستطيع الأفراد الساقطون في مستنقع الزنا والفحش ولا المجتمعات المتكونة منهم من إبقاء وجودهم أكثر من نسل واحد. وكما في المواضيع الأخرى فان دائرة الحلال هنا أيضاً دائرة واسعة تكفي للنفس فلا تكون هناك حاجة للتوجه نحو الحرام إذ يمكن إشباع تلك الرغبة الموجودة في الإنسان بأفضل شكل في دائرة الحلال لذلك يقول الرسول صلى الله عليه و سلم: «تناكحوا تكثُروا فإني أباهي بكم الأمم.»[48] فالرسول صلى الله عليه و سلم سوف يباهي بأمته الأمم الأخرى، وستكثر أمته إلى درجة أن الأمم الأخرى ستبقي بجانبها شيئاً لا يذكر. وتكاثر أمته بهذه النسبة يرجع إلى ما بين الرجلين. فالذين لهم أنساب والذين لا يملكون أنساباً سيظهرون عن هذا الطريق، إذن، فما بين الرجلين منبت خصب يؤدي إلى هذين الضدين. والإنسان الذي يفتش عن الطريق الحلال في هذا الموضوع يكتسب ثواب القيام بالواجب. وعندما شرح النبي صلى الله عليه و سلم هذا الأمر لأصحابه تعجبوا واندهشوا: كيف يمكن هذا؟ فتبسم النبي صلى الله عليه و سلم وقال: «أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر.»[49] ذلك لأن ترك الحرام واجب، إذن، فمباشرة المرأة عن طريق الحلال يكسب الإنسان ثواب القيام بالواجب. وهذا الموضوع الذي قد يستحي من بحثه بعضهم مع أنه طريق ولجه حتى الأنبياء، فلو حُرِم آدم عليه السلام من هذه الرغبة فكيف إذن، كان يأتي فخر الكائنات سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم إلى الوجود. إذن، فإن الغاية الأصيلة من تلك الفاكهة المحرمة هي مجيء النبي صلى الله عليه و سلم، وقد سمعتُ من أحد وُعَّاظِنا المتحمسين يقول: "لو علم آدم عليه السلام العلاقة الموجودة بين مدّ يده إلى تلك الفاكهة المحرمة ومجيء محمد صلى الله عليه و سلم إلى الدنيا. لم يكتف بمد يده بل قلع تلك الشجرة بجذورها." 4- الولاية العمودية أرجو أن أسترعي انتباهكم هنا إلى موضوع مهم جدا، فالرسول كما ذكرنا قد ضمن الجنة لمن ضمن ما بين لحييه وما بين رجليه. ونحن نعرف قدر الذين بشرهم الرسول صلى الله عليه و سلم بالجنة، إذن، فهناك خارج هؤلاء أشخاص استطاعوا الوصول إلى الجنة بما حصلوا من مقام وقرب. وحصولهم على هذا يعني أن ضمان ما بين اللحيين وما بين الرجلين أمر صعب وغير سهل، ذلك لأن الشهوة عندما تسيطر على الجسم كله وتأخذ بزمام النفس وتهز الروح وتحل الإرادة وتضعفها، عندها تكون نفس المرء مفتوحة لكل أنواع السوء.. في مثل هذه اللحظة تكون السيطرة على النفس من أجل مخافة الله وفي سبيله مهمة جدا، إلى درجة أنها تكون وسيلة إلى السمو العمودي للإنسان. والذي يوفق إلى هذا يستحق دون شك ضمان رسول الله صلى الله عليه و سلم له دخول الجنة. أجل، إنني أقول بإصرار بأن من يستطيع لجم فوران نفسه وهيجانها وضبطها ومنعها من الولوج إلى الآثام ومقاومتها على الدوام بصبر لا ينفد.. مثل هذا الشخص قد يحصل في لحظة واحدة على فيوضات لا يحصل عليها شخص قضى سنوات من عمره في تكية، أو شخص يصلي كل ليلة مئات الركعات.. يحصل على هذه الفيوضات وعلى رتبة عالية قد تصل إلى رتبة الولاية.. ولا يذهبن بأحد الظن بأننا نهوِّن من شأن صلاة النوافل أو من صوم النوافل.. فهذه النوافل وسائل مهمة في التقرب إلى الله وستبقى كذلك، إنما نريد التذكير بوسيلة أخرى تساعد على ارتفاع الإنسان نحو الكمالات. لنفرض أن الله تعالى أودع فينا قوة خمسة أو عشرة أشخاص وجهَّزَنا بكل ما يلزم الإنسانَ للوصول إلى أوج الكمال الإنساني ولكنه صاننا أيضاً من كل ما يؤدي إلى الإثم.. ولكن المهم هنا هو قدرة الشخص على المحافظة على نفسه مع وجود الدوافع إلى الإثم في فطرته. أجل، فالمَثَل يقول "بحسب المغرم المغنم"، أي على حسب المشاق يكون الأجر والغنيمة، وكذلك بحسب المخاطر يكون العلو والسمو. فكلما زاد جو الخطر الذي تعمل فيه، وكلما تحملت مسؤولية في مجالات الخطر كلما زادت مكافأتك. لنوضح أكثر: إن الله تعالى وضع مثلا بعض الصفات المضرة في فطرتك كالغضب والحقد والنفور والشهوة.. الخ، ولكن إن لم تستطع أيٌّ من هذه الصفات المضرة أن تتحكم فيك في أيّ وقت، بل على العكس من ذلك كنتَ قادراً على الدوام بإرادتك القوية على التحكم فيها، وعشت رجل إرادة وروح مؤدياً الفروض والسنن متبعاً طريق القلب والروح دون أن تتصيَّدك المظاهر البراقة الجذابة الداعية إلى طريق جهنم، كما استطعتَ تحمُّل مصاعب سلوك طريق الجنة إذا بك تَرى نفسك وقد حشرت مع الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين. وأنا أعتقد بأن هذا هو السر في نظرة العطف لرسول الله صلى الله عليه و سلم لهذه الجماعة المسلمة التي تمثل حركة البعث الإسلامي الجديد التي تعتصم بالإسلام وتتمسك به في مثل هذا العصر العاصف بالفتن والذي أصبحت فيه الأسواق والشوارع والميادين وكل المظاهر الاجتماعية الأخرى تموج بالفتن وتبتلع الإنسان وتذيبه في جوفها؛ لذا، فإن الشخص الذي يصر على أسنانه ويرفض أن يذوب في مثل هذا المجتمع ويحافظ على كيانه وعلى هويته يستحق أن يكون في معية الصحابة يوم القيامة؛ والصحابة هم رفقاء النبي صلى الله عليه و سلم وأصدقاؤه، أما هؤلاء فإخوته، ذلك لأن النبي صلى الله عليه و سلم قد اشتاق إلى هؤلاء الناس المؤمنين به والذين سيأتون بعده بعدة عصور وأرسل لهم سلامه وتحياته وأشواقه.[50] أجل، فرسول الله صلى الله عليه و سلم يخاطب إنسان جميع العصور ولاسيما إنسان هذا العصر ويقول لهم «من يضمَن لي ما بين لَحْيَيْه وما بين رجليه أضمن له الجنة»، وهذا القول موجه إلى الأشخاص المشتاقين إلى الجنة والمشتاقين إلى لقاء رسول الله صلى الله عليه و سلم أشد الشوق. وسيقوم هؤلاء -بإذن الله- بالتصرف بشكل ملائم وموافق لبشارة الرسول صلى الله عليه و سلم وينجحوا فى هذا الأمر إن شاء الله. وهكذا يشرح رسول الله صلى الله عليه و سلم الطرق الموصلة إلى الجنة بأوجز وأبلغ عبارة ويرسم لوحة للفرد المثالي وللمجتمع المثالي. وإن حَشْد كل هذه الحقيقة الكبيرة في مثل هذه العبارة الوجيزة لا يمكن إيضاحه إلا بكونه صلى الله عليه و سلم صاحب فطنة كبيرة.. أجل، فهو سلطان الكلام.. وكلامه كله من جوامع الكلم. وفي حديث آخر يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات.» قالوا: بلى يا رسول الله. قال: «إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخُطا إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط فذلكم الرباط.»[51] لنقف ونمعن النظر في عقد لآليء هذا الحديث حسب قدرتنا. فالرسول صلى الله عليه و سلم يبين الطرق التي تنقذ الإنسان من الأخطاء التي تؤدي به إلى أودية جهنم. يقوم الرسول صلى الله عليه و سلم بتنبيه مستمعيه من بدء كلامه باستعمال كلمة "ألا"؛ لأن الأمور التي سترِد في الحديث أمور تستوجب الانتباه. إذ أن تنفيذها يتطلب الانتباه واليقظة. فهناك تصرفات يستطيع الإنسان إتيانها حتى وهو نائم؛ فمثلاً يتجنب الإنسان الوقوع في إثم الزنى أو في إثم الغيبة لكونه نائماً. ولكن التصرفات التي نحن بصددها الآن أعمال تتطلب اليقظة، ولا يستطيع إتيانها إلا المتيقظون. لذا، تم إيراد كلمة "ألا" في بداية الحديث. وكلمة "الخطايا" تجلب انتباه المستمعين؛ لأن كل إنسان يخطئ، ومن يزعم أنه لا يخطئ فهو من أكبر المخطئين؛ فالعصمة وعدم الوقوع في الخطأ من صفات الأنبياء والنبي صلى الله عليه و سلم يقول في حديثه: «كل بني آدم خطّاءٌ، وخير الخطائين التوابون.»[52] ولكن رسول الله صلى الله عليه و سلم يريد أن يرشد الإنسان إلى حلول للخلاص من الأخطاء التي ستسوقه إلى أودية جهنم. إن الخلاص من الأخطاء فحسب لا يكفي؛ لأن على الإنسان أن يرقى ويسمو درجات وأن يقطع بعض الأشواط في سبيل ذلك. إلا أننا يمكن أن نقول إن محو خطايا الإنسان يعد بذاته ارتفاعا؛ فإذا ما قام ببعض أعماله الأخرى قد يصل إلى شواهق أخرى. وهكذا فبهذه الأعمال الإيجابية يتقدم إلى الأمام على الدوام، وأنا أعتقد أن هذا هو معنى السير في درجات المعرفة الإلهية. وإن أول هذه الأعمال هو إسباغ الوضوء على المكاره وضوءاً تام الأركان والسنن دون عيوب أو قصور.. الوضوء في البرد وفي الشتاء وفي الثلج، وفي ظروف يبدو أن الوضوء فيها غير ممكن. والثاني قضاء العمر في طريق المسجد.. مثل هذا العمر يكون مثل بذرة تتحول في الآخرة إلى شجرة باسقة ضخمة تعطي ثمار الجنة.. إذن، فهذا هو العمل الثاني: التوجه إلى المساجد البعيدة وعدم الانقطاع عن المساجد. 1- الهدف: الصلاة والعمل الثالث هو انتظار الصلاة القادمة في شوق بعد الانتهاء من الصلاة، وهذ -كما جاء في حديث آخر- يعنى تعلق القلب بالمسجد.[53] الصلاة هي راحة الروح ونزهة القلب. إن لكل إنسان رغبة شديدة في شيء ما، أما رغبة الرسول صلى الله عليه و سلم الشديدة فقد كانت في الصلاة.[54] لذا، كان يقول لبلال: «يا بلال! أرحنا بالصلاة.»[55] ويشير إلى هذا بقوله: «وجُعل قُرّة عيني في الصلاة.»[56] وأنا أظن بأن الشوق الذي سيغمرنا ونحن ندخل الجنة هو الشوق الذي كان يحسه الرسول صلى الله عليه و سلم في كل مرة وهو يقوم للصلاة، لذا فإنه كان بعد كل صلاة ينتظر الصلاة الأخرى بكل شوق. مع أن هذا الحديث يتناول أمورا ثلاثة، إلا أننا إن دققنا النظر نجد أن جميعها تدور حول محور واحد هو الصلاة؛ فالصلاة عامل مهم في حياة الإنسان، وهي معراج المؤمن، وهذه الصلاة التي تمتد وتسمو إلى مدارج المعارف أفضل منبِّه للإنسان للحقائق الإنسانية. الصلاة عماد الدين،[57] وهي التي تقود سفينة الدين؛ ولو لا وجودها لما استطاع الدين البقاء طويلاً. وبما أن الصلاة عملية تنبيه لذا، يجب أداؤها بحيث تؤدي وظيفة التنبيه هذه. فعلى الإنسان أن يصلي وقد أفرغ قلبه من أمور الدنيا ومشاغلها. ولهذا السبب لا تقبل صلاة من يدافعه الأخبثان.[58] أجل، فعندما يكون عقل الإنسان مشغولاً بمثل هذه الأمور عليه ألا يقوم للصلاة؛ لأن عقل الإنسان يكون آنذاك مشغولاً بشيئين. وفي مثل هذه الأوضاع تضيع أمور كثيرة في معظم الأحيان، كما أن القيام للصلاة بهذه الكيفية يعد إهانة للصلاة. ذلك لأنها ليست من الأمور البسيطة التي يمكن أداؤها كيفما كان. فالصلاة موجودة لكي تقوم بإنارة حياتنا ولا يصح الخروج منها بسرعة وبأي شكل من الأشكال. 2- التهيؤ للصلاة من جهة أخرى فإن كل الترتيبات المتخذة لأداء صلاة بحضور قلب تكسب الإنسان الثواب، مثلها في ذلك مثل الصلاة. لذا، يجب على الإنسان أن يطرح عنه جميع مشاغله قبل أن يدخل ساحة العبادة، وأن يدخلها بشعور العبادة وحدها وأن يخلص نفسه من جميع المشاغل والمؤثرات الأخرى. في هذه الحالة يكتسب الإنسان في فترة الاستعداد للصلاة أجراً وثواباً، لأن نية هذا الإنسان كانت معقودة لأداء صلاة باطمئنان وحضور قلب، ونية المؤمن خير من عمله.[59] أليس من العجيب أن الآخرين عندما يذهبون للخلاء يقومون فقط بدفع حاجة طبيعية، بينما المؤمن عندما يذهب إلى الخلاء وهو يتهيأ للوضوء و للصلاة فإنه عندما يدفع حاجته يؤجر على ذلك أيضاً. والحقيقة أن دفع الحاجة ثم التوضؤ لأداء الصلاة أمور مهمة لتهيئة الإنسان روحيا للصلاة. ومهما قيل في تفسير التهيؤ للصلاة بالوضوء من أن الوضوء يعادل الكهربائية الستاتيكية المتراكمة في الجسم في أثناء غسل ودلك الأعضاء، أو أي تفسير آخر فإن النتيجة لا تتغير. وفي الواقع فإن المؤمن عندما يتوضأ لا يخطر بباله مثل هذه الحكم أو التفاسير. فهو يفكر فقط في السبب الذي يتوضأ من أجله وهو الصلاة. والتهيؤ للوضوء هو التنبيه الأول، أما الوضوء فهو التنبيه الثاني وسماع الأذان هو التنبيه الثالث للصلاة. والحقيقة أنه في أثناء الوضوء، وفى ختامه يسنّ له الشرب من ماء الوضوء وقراءة بعض الأدعية؛ وهذا كله يدفعه إلى عالم ما وراء الطبيعة، فإذا أتبع هذا بصلاة السنة فإنه يكون قد تهيأ تماماً لصلاة الفرض. أجل، كل شيء فى جو الصلاة يذكرنا بالصلاة بدءاً من الأذان المرتفع من فوق المآذن الذي يمس قلوبنا ويذكرنا بعظمة الله.. فنقوم ونسرع إلى المسجد تلبية لنداء الأذان، وعندما تنتهي آخر كلمة في الأذان نحس وكأن قلوبنا وأرواحنا قد ذابت معها، ثم نذهب إلى المسجد ونصلي النافلة، وهي بمثابة فتح أبواب صلاة الفرض.. ذلك لأننا نتوجه إلى الله في صلاة النافلة وكأن كل فرد منا نقول لله تعالى: يا رب!. إنني أريد أن أتوجه إليك وحدك.. أن أجد مثيل ما أبحث عنه... أن أراك وأن أسمعك.. وأن أعيش بك وحدك، ذلك لأن النظر إلى ما سواك، ومشاهدة غيرك والانشغال بسواك جهد ضائع وعمل خاسر، بينما أرغب أن أبتعد عن الأمور الفارغة وأتوجه إلى الأمور المهمة المثمرة. وهكذا فإن صلاة النافلة تكون وسيلة مهمة في الاقتراب من باب الله والتهيؤ لصلاة الفرض بوعي كامل وتركيز كاف. الوضوء يؤدي دوره.. والأذان كذلك.. والخطوة الثالثة التي تؤديها هي صلاة النافلة.. في هذه الأثناء يقوم مؤذن جميل الصوت متوجها إلى الله ويقيم الصلاة.. هنا يكون الانفعال قد بلغ مداه واشتعلت العواطف والتهبت المشاعر. إن لم تلتهب هنا العواطف؛ ولم يتم التوجه الكامل لله تعالى ولم يحن الإنسان إلى محرابه فمعنى ذلك أن هناك نقصاً |


