| (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) [البقرة: 213] |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.27 | |
|
يقول بعض المفسرين في تفسير (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) بان بني آدم كانوا بأجمعهم كفاراً فأرسل الله تعالى نوحاً عليه السلام ثم الأنبياء الآخرين. ولكن هذا التفسير ليس صحيحاً على الإطلاق. فقد وجد الناس منذ عهد آدم عليه السلام حتى الآن في كل عهد إمكانية الاهتداء بأحد الأنبياء واتباع طريقه والسمو بنفسه, أي وُجدت هذه الفرصة على الدوام، فمنهم من استفاد منها ومنهم من لم يستفد وبقي على حاله. ولكنه على أي حال لم يبق منذ البداية دون مرشد. ومع أن بعضهم اختلفوا بسبب الرسالات الجديدة التي أرسل بـها الأنبياء، غير أن ما جاءت به بعثة الأنبياء من الهداية أكثر بكثير من هذا الاختلاف. وحسب رأي بديع الزمان النورسي فانه لو عاشت عشر فسائل من ضمن مائة فسيلة وأصبحت أشجاراً باسقة فلا يقال بان صاحبها الزارع قد خسر. كذلك لو اهتدى عشرة من ضمن مائة من الناس وآمنوا وعاشوا وهم يدركون سبب خلقهم وغايته فهذا يكفي لكي يتخلص عموم الناس من عبثية الخلق. أجل! كان الناس الأوائل أمة واحدة بفضل الأنبياء الذين كان مجيئهم من اصل واحد ومصدر واحد ونزول رسالاتهم من سماء واحدة، وما خلفته هذه الرسالات من تأثير في وجدانهم ساقهم إلى أن يكونوا جماعة واحدة، فلم يكونوا متوحشين ولم تكن نفوسهم خالية من الدين ومن الإيمان ولم يكونوا معتدين. ثم اختلفوا لبعض الأسباب العارضة وفسدت وحدتهم. وقد قام الإنسان الأول الذي كان في الوقت نفسه النبي الأول بدور التوحيد والائتلاف مدة طويلة. ثم بدأت بعض الطباع التي ركزت في الإنسان - لأجل إيفاء بعض مصالحه وكذلك من اجل امتحانه - تبدي تأثيرها ومفعولها. فأخذت نزوات العواطف والرغبات تحل محل العقل والمنطق، وحلت الأهواء محل الهداية. وهكذا انـهزمت الوحدة والائتلاف أمام الخلاف. ولكن الله تعالى الذي فطر الإنسان في الأصل على أساس الاستقامة والصفاء، أرسل أنبياء جدداً لكي يزيل العقبات الموجودة بين قلب الإنسان والحقائق ويريه عاقبة الشر ويزرع في قلبه الأمل بالخير، ويدعوه للحذر واليقظة. ولكن بعضهم لم يستطع الخلاص من أسر الأهواء والشهوات، ولم يستطع آخرون منع أنفسهم من الاستمرار في طريق الظلم والكبرياء، وهذا أدى إلى استمرار الخلاف وتعاظمه، ولكن بطرق مختلفة وأساليب أخرى وان كانت مختلفة عن السابق. والحقيقة أن الخلافات الأولى بين الناس كانت نتيجة شحوب الحقائق في نظرهم وانقلابها إلى حقائق باهتة ثم انحلالها وحلول أشياء أخرى محلها. أما الخلافات الثانية فكان مبعثها إما الحسد أو الغلو وما يؤدي إليه من تأويلات وتفسيرات خاطئة بعد ما وضحت الحقائق وبانت جميع النقاط الغامضة بالحجة والبرهان، أو الدخول في اجتهادات سطحية مبعثها الهوى على الرغم من البراهين والحجج الإلهية. هذا مع العلم أن الله تعالى كان قد أزال جميع الثغرات في مسائل الاجتهاد بآياته البينات وسد جميع الطرق المؤدية إلى التفسيرات النابعة من الأهواء. وتستطيع إن أردت أن تعبر عن هذا بلسان الفقهاء فتقول "لا اجتهاد مع النص". أجل! فهؤلاء لم يأخذوا بالآيات التي تدعو إلى الاتفاق وتكون وسيلة له، بل هرعوا وراء الاجتهادات القائمة على الأهواء والمؤدية إلى الفرقة والخلاف، وهذا جعلهم يهوون في وديان الخلاف والشقاق والانحراف. |
| < السابق | التالى > |
|---|



