‏(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ‏...) ‏[البقرة: 150] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

‏(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ ‏حُجّـَةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) [البقرة: 150]

بعد وصول الرسول صلى الله عليه و سلم المدينة وتشريفه لها، قضى 16 أو 17 شهراً وهو يتوجه في صلاته نحو المسجد ‏الأقصى. وكانت الكعبة في تلك الأيام مملوءة بالأصنام والأوثان طبعاً. ولما كان الرسول صلى الله عليه و سلم قد أرسل بدين ‏التوحيد وعدم إبداء أي اهتمام نحو الاصنام، لذا مُنع فترة معينة من التوجه في صلاته نحو الكعبة لكي يُظهر موقفه القطعي والأكيد ‏نحو الأصنام.‏

والحقيقة أن هناك علاقة وثيقة بين الحقيقة الاحمدية وبين حقيقة الكعبة وكان الرسول صلى الله عليه و سلم يشعر - حسب ‏فطرته التي فطره الله عليها منذ الأزل - بـهذا، ويود التوجه نحو الكعبة ويحن إلى هذا، وهذا التوجه والحنين شرحه القرآن الكريم: ‏‏(قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهكَ فِي السّمَاء).‏

أما هدف الرسول صلى الله عليه و سلم من تقليب وجهه في السماء فهو رغبته أن يضع الله تعالى حكماً جديداً في موضوع ‏تحويل القبلة. أجل! كان ينتظر نبأَ من السماء لذا نرى أن الآية في عقبها تبلغه البشارة (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرضَاهَا). والظاهر انه من ‏الصعب فهم هذه الحقيقة. ولا يفهمها إلا شخص كالرسول صلى الله عليه و سلم الذي كان يدرك هذه العلاقة الوثيقة بينه وبين ‏الكعبة حق الإدراك بفطرته.‏

أجل! كانت لحقيقة الكعبة علاقة وثيقة به. ولكن كانت مسألة التوحيد التي هي سبب بعثته أهم بكثير جداً من قدسية الكعبة ‏ومن كونـها قبلة للصلاة. لذا توجه الرسول صلى الله عليه و سلم في مكة في صلاته نحو المسجد الأقصى واستمر على هذا مدة ‏اخرى في المدينة كذلك.‏

أما يهود المدينة فانـهم بدأوا يدعون- انطلاقاً من كون قبلة المسلمين نحو المسجد الأقصى - بأنـهم هم الأصل وأن المسلمين ‏تابعون لهم لكي يجعلوا من هذا الموضوع حجة لدينهم. ولو شاء الرسول صلى الله عليه و سلم لحول القبلة إلى الكعبة عند أول ‏وصوله إلى المدينة.‏

ولكنه لم يكن يتصرف بمشيئته وبرغبته، بل كان على الدوام متعلقاً بالله مخلصاً له في كل شأن من شؤونه ينتظر الأوامر منه، ‏مرجحاً هذه الأوامر على رغبات قلبه، فقد كان إنسان الذروة يستشرف أبعدَ الأفاق الانسانية إلاَّ أنه لم ينسَ كونه عبداً رسولاً ‏يأتمر بأمر الله تعالى.‏

كما أن الرسول صلى الله عليه و سلم قام - بتوجهه في الصلاة شطر المسجد الأقصى - بإشعال نور الهداية في قلوب العديد ‏من اليهود أمثال عبد الله بن سلام. ويحتمل أن صفة الرسول هذه كانت مذكورة في كتبهم. على أي حال فقد كان هناك بعض ‏اليهود الذين اهتدوا إلى الإسلام. وبعد ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً من هذا التوجه شطر المسجد الأقصى تم المقصود، ولم ‏يبق في يد هؤلاء الناس أي دليل يستطيعون استعماله ضد المسلمين. أي لم يعد بمقدور المشركين القول: "انتم تتوجهون نحو الكعبة ‏المملوءة بأصنامنا، إذن فان ديننا هو الأصل!" ولا بمقدور اليهود القول: "انتم تتجهون إلى قبلتنا، إذن فديننا هو الأصل". في مثل ‏هذا الجو جاء الأمر الإلهي بالتوجه شطر المسجد الحرام فحقق الوصال بين ذات الرسول صلى الله عليه و سلم وذات الكعبة ‏المشرفة.‏

وهناك إشارات في العهد القديم فيما يتعلق باشعيا عليه السلام تومئ إلى أن الأحداث ستجري كما جرت، لان بعض اليهود ‏كانوا يقولون بناءً على هذه الإشارات: "إن قبلة النبي القادم ستكون إلى مكة. أما محمد فلا يزال متوجهاً في صلاته نحو بيت ‏المقدس". وهذا يلقي الضوء على بعض جوانب هذا الموضوع.‏

‏(وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُم) أي أن توجهكم في الصلاة شطر المسجد الأقصى كان نعمة، ولكن النعمة الأصلية الكبرى كانت في ‏لقاء الأحبة. أي إلتقاء الرسول صلى الله عليه و سلم - الممثل للأمة الإسلامية - إلتقائه الكعبة، ومن هناك العروج فيما بعد إلى ‏سدرة المنتهى ليحظى بالنعمة الإلهية وجهاً لوجه، وهذا يمكن فقط بالتوجه شطر الكعبة. وهكذا يكون الله تعالى قد أتم نعمته، وهو ‏شرف اختص به الله هذه الأمة التي اسبغ عليها رحمته.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri