‏(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) [البقرة : 44] طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 0
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.27

مع أن هذه الآية تخاطب قسماً من بني اسرائيل بشكل مباشر، إلا أنـها تخاطب المسلمين كذلك بشكل إشاري. وما يراد هنا ‏بالأخص هو التنبيه على وجوب وجود وحدة وعدم تناقض بين ما يقال وبين ما يُفعل. أي وحدة بين القول والعمل. لذا نرى أن ‏آية أخرى تعبر عن هذا المعنى بأسلوب آخر فتقول: (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ) [الصف: 2].

أجل! الحال والقال أو القول والفعل لغة بجبهتين لنصرة الحق وتمثيله. فإن تكلمت هذه اللغة ذات الصورتين والمظهرين بإسم الحق ‏وصرخت به كان تأثيرها عظيما. لأنه يجب على الإنسان أن يطبق على نفسه أولاً ما يدعو الآخرين إليه، وألاّ يكون هناك تناقض بين ‏أقواله وأفعاله، وبين مظهره ومخبره. جاء في الأثر أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام: "عظ نفسك أولاً فإن قبلت نفسك تلك ‏الموعظة فعظ الآخرين، وإلا فاستح مني". إذن يجب أن يعيش الإنسان حسبما يؤمن به، وأن يعكس أعماق عالمه الداخلي من أفكار ‏وأحاسيس، بعد عملية تجريد نفسي. فمن لا يقوم الليل، عليه ألا يتحدث عن صلاة التهجد، وأن يستحي من هذا. ومن لا يستطيع ‏الصلاة بكل خشوع وخضوع، ولا يتصرف بأدب تجاه الله تعالى ولا يحس بالمهابة والمخافة منه، يجب ألا يتحدث عن صفات الصلاة ‏الكاملة. وإذا لم يكن مضحياً يجب ألا يتكلم كلمة واحدة عن موضوع العيش من أجل الآخرين. لأن الله تعالى ربط - لحكمة ما - ‏قوة تأثير ما يقال بطراز تصرف القائل. تأملوا كيف أن دفاع الكثيرين عن الإسلام وأجوبتهم ومنافحتهم عن الإسلام تبقى دون أي تأثير. ‏بل نرى بعض هؤلاء - لقلة اخلاصهم - يتنازلون عن كثير مما كانوا يدافعون عنه سابقاً تماشياً مع أفكار بعض المعارضين. ويشرح شيخ ‏الإسلام "مصطفى صبري أفندي" هذا بقوله: "إن أمثال هؤلاء ليسوا مخلصين فيما يقولون أو يجيبون أو يكتبون من كتب. ولو كانوا ‏مخلصين لعاشوا حسبما يقولون، ولما شاهدنا هذا التذبذب في حياتهم..." حيث لم يستطيعوا العيش في وحدة واحدة بين القول والعمل... ‏وهكذا ترددوا وتذبذبوا... وأوقعوا الذين يتبعونهم في الشك وفي الشبه.‏

لذا نرى أن مثل هذه الكتب وإن كتبت بنية خدمة الإسلام إلا أن هذه الأجوبة ورد الشبه زادت من تشوش الأفكار وأدت إلى ‏فوضى فكرية يصعب السيطرة عليها. لذا كان من المهم البحث عن طرق التأثير الفعّال. لذا كان من الضروري تحلي المرشد والمبلغ ‏بصفة الإخلاص العميق والحقيقي بجانب العلم، والعيش حسب هذا العلم ومعرفة طرق التبليغ والارشاد وفهم المخاطب ومعرفة ‏ماذا يقول وكيف يقول وأين يقول.‏

هنا يجب التذكير بشيء آخر، وهو ورود احتمال فهم خاطئ لآية (لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ). فهذه الآية لا تقول: "إياك أن ‏تذكر شيئاً لم تعشه". لأن العيش عبادة والتبليغ عبادة أخرى.‏‎ ‎فمن لم يطبق كليهما حمل ذنبين وابتعد عن قوة التأثير خطوتين ومن ‏لم يطبق أحدهما حمل ذنباً واحداً وابتعد عن التأثير خطوة واحدة. لأن قوة التاثير - كما ذكرنا - تعتمد على تطبيق ما يتم تبليغه.‏

أجل! إن أمر الآخرين بالمعروف ونـهيهم عن المنكر ونسيان تطبيق هذا على النفس تناقض صارخ.‏‎ ‎ومثل هذا التصرف ‏الخاطئ يقلل تأثير أمور إيجابية كثيرة كقوة البلاغة والبيان والعلم. وهذا هو ما تذكرهُ هذه الآية لكي لا يقع أي إنسان عاقل في ‏مثل هذا التناقض. وتريد من الإنسان أن يؤمن وأن يفكر وأن يعيش وأن يبلِّغ. وما عداه لغو وثرثرة تذهب بـهيبة المتحدث، وهذا ‏يعني أنه نسي نفسه تماماً. لذا كان على الواعظ وعلى الناصح والمرشد والمبلغ والكاتب والمبرمج أن يكون جاداً في الأعمال التي ‏يقوم بـها لكي يؤخذ مأخذ الجد ولكي لا يلقي اي ظل من الشك على المواضيع التي يتناولها ويقدمها، وألا يبقى - بتصرفاته ‏العوجاء في مجال الإرشاد - مغلوباً على أمره أمام الكلمات المنمقة للداعين إلى طريق الضلالة.
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri