|
(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَرْجِعُون) [البقرة : 18] (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [البقرة : 171] |
|
|
|
كتب فتح الله كولن
|
|
2006.09.27 |
|
إحدى الآيتين متعلقة بالمنافقين والأخرى بالكفار. وكما هو مشاهد هنا فهناك قاسم مشترك بين المنافقين وبين الكفار في موضوع التعصب وعدم التحمل وعدم اللين، وفي زاوية النظر والفكر الباطل. لذا يوصف كلا الطائفتين بأنـهم صم بكم وعمي. ولكن الأسباب بين الفريقين مختلفة حسب الآيتين. فالسبب في الآية الأولى يرجع إلى عدم رجوعهم إلى فطرتـهم الأصلية السابقة، أما السبب في الآية الأخرى فيعود إلى عدم استعمالهم لعقولهم. والعنصر المشترك الذي يجعلهم صماً بكماً وعمياً هو عدم اهتدائهم إلى الخالق جل شأنه بقراءة كتاب الكون الموضوع أمام أبصارهم وأعينهم كمعرض الهي بديع، وعدم قيامهم بتقييم هذا الكتاب حق تقييمه ولا بتدقيق الوجود والحوادث ودرسها وأخذ العبر منها، وعدم إعارة سمعهم للكتب المنـزلة ولصوت وجدانـهم وضمائرهم. ولو أنـهم قاموا بـهذا لأسرعوا كالمؤمنين إلى شهادة "لا إله إلاّ الله"، أي لكانوا قد استعملوا عقولهم ورجعوا إلى فطرهم الأصلية، وأمضوا حياتهم حسب الدستور والقانون الإلهي، وحسب أوامره ونواهيه. أجل إنـهم صم لأنـهم لا يستطيعون سماع كل شيء وهو يسبح الله تعالى بلسانه الخاص ويمجده. وهم بكم لأنهم لا يستطيعون الكلام عمَّا يحسونه في أعماق وجدانـهم ولا يستطيعون التصريح به. وهم عمي لأنـهم لا يرون الطرق والسبل الدالة على وجود الله تعالى ووحدانيته. إن جئنا إلى خلاصة الآية، نرى أنـها تصف الكافرين بأنـهم لا يعقلون، أي لا يستعملون عقولهم ولا يفكرون، والأمر كذلك لأنه لو كانوا يستطيعون التفكير، أو لو فكروا لكان في إمكانـهم العثور على الطرق المؤدية للإيمان بكل سهولة، بدليل أن هؤلاء الكافرين المعاندين والمتمردين الذين آذوا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وأصحابه في مكة سنوات طويلة وساموهم العذاب عندما عرفوا المسلمين بعد صلح الحديبية معرفة أفضل في ذلك الجو الهادئ تركوا عنادهم القديم ونظرتـهم الجامدة القديمة، وعرفوا أنـهم كانوا على خطأ كبير. لذا توجهوا نحو الحق. أجل وصول الكافرين إلى هذه النقطة الهامة مرتبط بقيامهم بالتفكير والتقييم، لذا رأينا القرآن الكريم يلخص أمرهم في هذا الخصوص فيقول بأنـهم لا يعقلون. أمـا المنافقون الذيـن ذكر القرآن في حقهم أنـهم (مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لاَ إلى هؤُلاَءِ وَلاَ إلى هؤُلاَءِ) [النساء: 143] أي مذبذبين بين الكفار وبين المؤمنين... تارة تراهم هنا وتارة تراهم هناك... يعانون من حرمان ضياء عيونـهم وضياء الشعور والإدراك لديهم. ثم أنـهم لكونـهم يحسبون أن الحياة منحصرة فقط في هذه الحياة الدنيا نراهم في حُمَّى الانكباب على لذائذ هذه الدنيا، لذا فالإيمان والكفر سواء لديهم، فأينما وجدت المتعة والحياة الناعمة المرفهة ذهبـوا إليها، وعنـدما يرون مصلحتهم في الذهـاب الى المسـجد يذهبون اليه. ولكن (وَإذَا قَامُوا إلى الصّلاَةِ قَامُوا كُسَـالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ) [النساء : 142] أي أنهم يديمون حياتهم بمعنى من المعاني في خط الإسلام ويأخذون أماكنهم خلف رسول الله صلى الله عليه و سلم ولكن بعيون عمياء لا ترى وبقلوب مظلمة، وبفكر خال من الإيمان ومن الصدق والإخلاص. أي أن خيبتهم الكبرى وسوء حظهم يكمن في عدم الإخلاص. وهكذا يستعمل القرآن الكريم في حق أمثال هؤلاء بأنـهم "لا يرجعون" أي لا يثوبون إلى الحق وإلى الحقيقة، ولا يثوبون إلى فطرة خلقهم السليمة. ومن هذا المنطلق نرى في أوصافهم الواردة في سورة المنافقون بأنـهم "لا يعلمون" و"لا يفقهون"، ولكن لا يرد في حقهم أوصاف من أمثال "لا يعقلون" أو "لا يتفكرون"، لأن هذه الأوصاف متعلقة بعدم الإيمان. |