| نافذة على أسلوب دعوة |
|
|
| كتب أسيد إحسان الصالحي | fgulen.com | |
| 2005.05.12 | |
|
يقول الله تعالى {اُدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ}(سورة النحل: 16/125). هناك العديد من الأيات البينات في القرآن الكريم ترشدنا وتضيئ لنا الطريق السليم حول الأصول والأداب التي ترشد الداعية في مسيرته الإيمانية والروحية إلى الله سبحانه وإلى أسلم الطرق في أداء واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأية الكريمة "أدع إلى سبيل ربك" تنير طريقنا وترسم لنا منهجاً من مناهج الدعوة إلى الله وهي الدعوة بـ"الحكمة" أي بالمقالة المحكمة الصحيحة الموضّحة للحق المزيحة للشبهة، و"الموعظة الحسنة" وذلك بالخطابات المقنعة والعبر النافعة والأقوال اللينة وبرهافة الكلمة وصحة اللغة وبلاغة الحديث التي لا تجعلهم يشعرون إنك تناصحهم وتنفعهم بها، فأن طريقة أسلوب الدعوة عند الرسل الكرام كلهم، سلكوا مسلك هذا الأسلوب، أي؛ بالحكمة والموعظة الحسنة فهذا الأسلوب هو الطريقة المثلى لنشر دين الله الحنيف فلا ينحاز الداعية أو يضل عن حقيقة المقصود بعدم مراعاة أدابها وأحكامها. إن أسلوب الدعوة واستراتيجيتها والقيام بوظيفة التبليغ والإرشاد تتلخص في عدة أسطر مهمة للأستاذ محمد فتح الله من كتابه طرق الإرشاد في الفكر والحياة بقوله: "إن من لا يعرف مجريات عصره كمن يعيش في دهليز مظلم، عبثاً يحاول أن يبلّغ شيئاً عن الدين والإيمان إلى الآخرين، فعجلات الزمن والحوادث ستفقده التأثير إن عاجلاً أو آجلاً. ومن هنا فعلى المؤمن أن يفهّم ويبلّغ ما ينبغي أن يُفهّم بأسلوب ملائم ومنسجم والمستوى الفكري والعلمي والثقافي لعصره، ولعلي أجزم أن مرشداً وداعية -في يومنا هذا- إذا ما تمكن من تطبيق هذه النقطة المذكورة يسبق الأولياء والأقطاب في الآخرة، إذ يقف خلف الأنبياء عليهم السلام. نعم إن هذه النقطة سامية وجليلة إلى هذا الحد. علماً أن التمسك بها وتنفيذها صعب أيضاً مثلما أنها ضرورية جداً.(طرق الإرشاد، ص115) فعندما تُبنى فكرة الدعوة وأسلوبها على النهج النبوي السامي الجليل نجد أنها تتضمن وقبل كل شيء خطاب العقل بالبراهين والأدلة، وتحريك سواكن الوجدان واللطائف، والتأثير على النفوس بتبصيرها بحسن عاقبتها أو بسوء مصيرها بالتحليل الجيد والتفكير الإيماني والمعرفة الإلهية. فانتشار الأديان السماوية قبل البعثة النبوية الشريفة في جميع أرجاء العالم، وانتشار قيم ومبادئ الدين الإسلامي الحنيف في كل بقعة من بقاع الكرة الأرضية ليس إلاّ بالأسلوب القيّم للدعوة بالحكمة والبيان فقد بادر في أداء هذه الخدمة الجليلة الكثير من فضلاء المسلمين وعلمائهم من أهل الحمية والغيرة منهم، فأقاموا هذا الركن العظيم وأدّوا ما عليهم من فريضة التبليغ والإرشاد تجاه المجتمعات والأقوام باختلاف ألسنتها وألوانها وصمدوا أمام الكثير من العقبات وتصدوا للكثير من التيارات الإلحادية والكفرية لأهل الضلالة، فأعطوها حقها ورَعَوها حق رعايتها وساروا على الجادة الكبرى بدعوتهم إلى الحق عن طريق الحكمة والبيان وأمرِهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فأزالوا بذلك التفريق والتمزيق والتشتت بين المسلمين والأديان السماوية الأخرى وأحلّوا محلها الحوار والتسامح والمحبة والأخوة والوئام. ففي الأية الكريمة التي ذكرناها، إرشاد لأهل الدعوة بأن يسيروا على منهجين صحيحين في أسلوب دعوتهم: الحكمة والموعظة الحسنة. فالحكمة؛ هي الخطاب للعقل بالاستدلال بالبراهين الساطعة لمعرفة الخالق ومشاهدة أسمائه الحسنى في الكون وانكشاف الحقائق الإيمانية بما يقوم به الداعية بالتفكر الإيماني الرفيع في آلاء الله سبحانه. أما الطريق الثانية فهي الموعظة الحسنة؛ والمقصود منها التأثير في النفس ومخاطبة وجدان الشخص المقابل والنفوذ إلى القلوب والعوالم المعنوية للمخاطب. فهدفهما ومبتغاهما واحد. أما إذا أردنا أن نلقي نظرة على فعال أجدادنا الذين قاموا بهذه الوظيفة ونقلب صفحة من صفحات تاريخنا الإسلامي نشاهد الكثير من المجددين والمرشدين والعلماء الدعاة العاملين والأفراد المخلصين سلكوا هذا المسلك واقتدوا بمرشدهم الحقيقي وبالأسوة الحسنة وهو الاسترشاد بسيرة ونهج الرسول صلى الله عليه وسلم وكيفية قيامه بتبليغ رسالته وما كان يخططه لإصلاح المجتمع والاستراتيجية الإصلاحية التي سار عليه قائد الأمة الإسلامية عليه أفضل الصلاة والتسليم لبناء مستقبل زاهر ناهض للمسلمين. فقد سلك أكثر علماء ودعاة المسلمين مسلك أو طريقة الموعظة الحسنة ممتزجاً (متعانقاً) بالحكمة والبيان الصحيح واعتلوا على منابر الخطابة والموعظة ابتغاء إقناع النفوس وتحويلها من نفوس أمارة بالسوء إلى نفوس مطمئة راضية ومرضية فامسكوا بزمام الوجدان وعقلوه بمعاقل السعادة الأبدية والحياة السرمدية. لنلقِ نظرة خاطفة ولمسة خفيفة على أسلوب الدعوة عند الأستاذ محمد فتح الله وهو من أحد هؤلاء الدعاة الذين سلكوا في طريق تبليغهم ودعوتهم مسلك الرسول الحبيب صلى الله عليه وسلم انطلاقاً من تنفيذ أمر الأية الكريمة (أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة)، باشر بالدعوة وتبليغ الناس وذلك باعتلائه المنابر ومنصات الوعظ في كثير من الأماكن، فخطب ونصح ووعظ وعظاً جعل القلوب تنجذب إليه وتصغي إليه بكل شغف لنصائحه القيّمة التي تأسر الألباب ويشد فكرها بل ربما لا تملك العيون دمعها فتذرف عند سماع الكلمات الصادقة والعبارات البليغة بنبرات شجية وصوت حزين. فيسلّم الناس أفئدتهم له وينسجمون مع موضوع الموعظة، فيغسلون أدرانهم بدموع الخشية وحب الرسول وآله وصحبه الكرام عندها تستيقظ القلوب الواهية الغافلة من سباتها على شمس ساطعة للحق متجهة نحو الهدف المرسوم له في التبليغ والإرشاد بإيصاله أو نفوذه إلى القلوب الوجلة. نود أن نذكر هنا بوعظ الرسول صلى الله عليه وسلم بالحديث الشريف عن الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ - رضي الله عنه - موعظةَ النبي صلى الله عليه وسلم البليغة وما تركته من تأثير بيّن على نفوسهم حيث قَالَ: "وَعَظَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَوْماً بَعْدَ صَلاةِ الْغَدَاةِ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقُلُوبُ" (رواه الترمذي، كتاب العلم رقم 2600). نستطيع أن نلخص هنا بعض الجوانب من أسلوب الدعوة عند الأستاذ فتح الله: - علمه بلغة وأخلاق وعادات وسلوك من يراد دعوتهم، فيخاطب الناس بلسانهم وبالأسلوب والمستوى الفكري الذي يفهمون وبأدلة عقلية ونصائح حسنة، فيخاطبهم بأسلوب بلاغي يسهل للجميع فهمه وإدراكه. - وقوفه على ما ينتسب إليه الناس من المذاهب والتقاليد الدينية والعلوم والفنون الدنيوية، عندها استطاع إزالة الشبهات من قلوبهم وأن يحل مشكلاتهم فيخاطبهم على قدر عقولهم. - التلطف في القول. والرفق في التعامل من قوله تعالى (وجادلهم بالتي هي أحسن) فهناك الكثير من الأيات الكريمة تبين هذا الموقف وتؤكد عليه. فيمزج في أسلوب دعوته مرارة أحقية الحق بحلاوة الرفق واللطف فيصقل خشونة التكليف بصقال القول اللين اللطيف ببلاغ قرآني جميل (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك)(آل عمران: 159) فالدعاة إلى الله اهتدوا لهذا الهدي الناجح وساروا على هذا النهج القويم بالقول اللين اللطيف والصبر وسعة الصدر فهي مزية سامية وخلق رفيع عند الدعاة. - أمله بالنجاح والرجاء بالفلاح، مهما عظمت المصاعب وانتابت النوائب فلا يأس ولا قنوط، وكأنه يرى ويشاهد المستقبل الزاهر للمسلمين. فيستخدم لغة الخطاب الديني المشترك، من تشويق الناس لنصب جسور ومعابر للأخوة ورفع راية الصدق والسمو إلى الأخلاص لله سبحانه وجعل دقائق الحياة كلها في روح جهادية دعوية ابتغاء إعلاء كلمة الله. حاصل الكلام: إن الأخلاق السامية الرفيعة والأعمال الفاضلة الجليلة مزية لا بدّ أن يتصف بها كل شخص يقوم بوظيفة إعلاء كلمة الله فهي تربية وخُلُقٌ جميل ونافع، فحياة الداعية تتزين بزينة معاني القرآن الكريم وبمعاشرته الناس وتعايشه مع الأخرين ونفوذه إلى الحياة الاجتماعية بالانفتاح والانكشاف والاختلاط إنما هي بحسن الخلق والقدوة الجيدة والأسوة الحسنة لا بمجرد القول! بل بتنفيذ ما أمره الله به وسنَّ رسوله الحبيب صلى الله عليه وسلم، وإدراك مدارك العصر ومتطلباته وأفكاره وتياراته وأن ينقي حياته ومعيشته من أدران الغفلة والاخطاء وأن يكون شديد الحساسية تجاه إيمان الناس وضعفهم، عند ذلك يستطيع الداعية التأثير والنفوذ إلى نفوس وقلوب الآخرين. اللّهم وفِقنا لِما به أمرتنا، وأعنّا على ما به كلّفتنا، وأغننا عن كل شيء بفضلك ورحمتك يا أرحم الراحمين آمين. |
|
| آخر تحديث ( 2006.09.28 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|



