الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 6
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
كـان صلى الله عليه و سلم مـفـطـوراً على الـتبليـغ
الـحـرص فـي تـبليغ الـدعـوة
هـمّ الـدعـوة يـؤرِّقـه
الـرسـائـل إلـى رؤسـاء الـدول
صـلـح الحُديبية من زاوية الـدعـوة
 

كـان صلى الله عليه و سلم مـفـطـوراً على الـتبليـغ‏

لقد كان التبليغ لدى سيد المرسلين فطرة وسجية. كانت نفسه تضيق عندما لا يجد قلباً طاهراً يبلّغه دعوته، مثلما نضيق نحن إن حُرِمْنا من الأكل والشرب أو عندما نحرم من تنفس الهواء. والحقيقة أنه ما كان يهتم بالأكل والشرب فقد كان يصوم أحياناً صوماً متواصلاً.[1] وكان يأكل أحياناً ما يكفي لسد رمقه فقط وإبقائه حيا.[2] فقد كان قلبه المفعم بآلام دعوته لم يدع لديه شهية للأكل. فكما تعيش الملائكة بالتسبيح كان رسولنا صلى الله عليه و سلم يعيش بالدعوة. وعندما يجد أمامه صدراً رحباً وطاهراً فرح ونشط. والقرآن الكريم يصف وضعه هذا فيقول: {لعلك باخع نفسك ألاّ يكونوا مؤمنين} (الشعراء: 3). وفي آية أخرى يقول القرآن الكريم: {فلعلك باخع نفسك على آثارهم إنْ لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً} (الكهف: 6).

أجل، فلو رأى إنساناً متمرداً على الله لا يسجد له، لتغلغل الألم في أعماق نفسه، وكان هذا الإنسان مبعث حزن عميق له. فكل إنسان خلا قلبُه من الإيمان كان مصدر حزن عاصف في قلبه... وقد كان هذا مستقراً في أعماق روحه، وعندما بعث نبياً ازداد عمقا.

ومع التسليم بكل أوامر الدين وتعليماته وسننه، نسمع هذا الجواب المليء بالمعاني من أحد تلاميذ هذا النبي ممن حمَلوا آلام وآمال الأمة الإسلامية في هذا العصر،[3] إذ قال لمن سأله عن سبب عدم زواجه:

"إنني من كثرة تفكيري وانشغالي بآلام ومشاكل الأمة الإسلامية لم أجد متسعاً من الوقت ولا فرصة للتفكير في الزواج." أجل، فهذا هو حال الأنبياء وورثة الأنبياء. وأنا أعتقد أن العالم بأسره ينتظر مثل هؤلاء الأشخاص الملتهبة قلوبهم بآلام الدعوة ومشاكلها.

وما دمنا وصلنا إلى هنا في هذا الموضوع، فإني أود ذكر مثال طالما كررته، لأن هذا المثال يكسب موضوعنا بُعدا آخر؛ فقد سكن أحد أصدقائنا الأطهار في إحدى الشقق في ألمانيا، واستطاع بروحه الطاهرة وبسلوكه النظيف -وبعون من الله تعالى- التأثير في نفوس أصحاب البيت وأصبح وسيلة لهدايتهم، فأسلم الأب أولاً ثم تبعته الزوجة ثم الأولاد وأصبح ذلك البيت قطعة من الجنة بالجو الذي أصبح سائداً فيه... وفي أحد الأيام بينما كان صاحب البيت جالساً مع هذا الصديق يتسامران إذ قال له صاحب البيت الذي بدأت أحاسيس الهداية ومشاعرها تهبّ على قلبه فتملأه سعادة:

"يا صديقي..! إنني أحبك... أحبك إلى درجة أتمنى معها أن أفتح قلبي وأضعك فيه، ذلك لأنك كنت وسيلة لهدايتي، وأكسبتني أنا وعائلتي حياة أبدية... ولكني غاضب منك في الوقت نفسه غضباً شديداً إلى درجة أنني أود لو أقوم فأضربك ضرباً مبرحا، وقد تسأل: لماذا؟ سأشرح لك الأمر... فقَبْل مجيئك بوقت قصير توفي والدي، مع أنه كان لائقاً لأن يكون مسلماً أكثر منا... كان يملك روحاً صافيةً وعاش حياة نظيفة، فلو أتيت إلى هنا قبل وفاته لكنت وسيلة لهدايته، لذا فإنني غاضب منك غضباً شديداً لتأخرك في المجيء."

إن هذا العتاب يبدو مثل أنين من أوروبا... بل من الدنيا كلها... وأنا أخشى جداًّ من أن أجر من ناصيتي وأحاسب على هذا... ذلك لأنني لم أستطع تبليغ رسالة الإسلام لهم بالمستوى اللائق.


[1] البخاري، الصوم، 20؛ مسلم، الصيام، 56
[2] البخاري، الأطعمة، 23، الرقاق، 17؛ مسلم، زهد، 20، 26
[3] المقصود هو الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي منشئ حركة طلاب النور في تركيا. (المترجم)

 


آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri