الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 6
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
كـان صلى الله عليه و سلم مـفـطـوراً على الـتبليـغ
الـحـرص فـي تـبليغ الـدعـوة
هـمّ الـدعـوة يـؤرِّقـه
الـرسـائـل إلـى رؤسـاء الـدول
صـلـح الحُديبية من زاوية الـدعـوة

ج-‏ الـحـرص فـي تـبليغ الـدعـوة‏

 

كان الرسول صلى الله عليه و سلم حريصاً أشد الحرص في دعوته، إذ كان لا يريد أن يبقى هناك شخص واحدلم تصل إليه دعوة الحق والحقيقة، لذا كان يتهالك في تبليغ الناس وفي دعوتهم بالأسلوب الصحيح والمناسب؛ فانظروا مثلاً إليه وهو واقف على رأس عمه أبي طالب وهو على فراش الموت يعيش دقائقه الأخيرة.

لقد قام أبو طالب برعاية وحماية رسول الله صلى الله عليه و سلم مدة تقارب أربعين عاماً. وعندما قام النبي صلى الله عليه و سلم بإعلان نبوته وجد مشركو مكة أبا طالب سداًّ بينهم وبينه لا يمكن اختراقه؛ وما كانوا يستطيعون الوصول إلى الرسول صلى الله عليه و سلم إلا على جثة أبي طالب.

لقد رضي أبو طالب أن يتجرع كل الآلام ويتحمل جميع المصاعب والشدائد في سبيل حماية رسول الله صلى الله عليه و سلم، وعلى رغم فقره وعمره المتقدم إلا أنه قد اضطر لتحمل مشاق الحصار والمقاطعة التي أعلنها مشركو قريش والتي استمرت ثلاث سنوات.

والآن أبو طالب متمدد على فراش الموت ورسول الله صلى الله عليه و سلم واقف على رأسه يقول له كلما سنحت الفرصة: «أي عم! قل لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله» غير أن أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية حالوا دون هداية وخلاص أبي طالب، وقالا له: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ولم يزالا يكلماه حتى قال آخِر ما كلَّمهم به: على ملة عبد المطلب... فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «لأستغفرَنَّ لك مالم أُنْهَ عنك.»[1] فنزلت آية منعته من الاستغفار له حيث ذكرت: {ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم} (التوبة: 113).

لقد كان أبو بكر رضي الله عنه أكثر الناس معرفة بمدى رغبة الرسول صلى الله عليه و سلم في هداية أبي طالب. فبعد فتح مكة جاء بوالده الشيخ أبي قُحافة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ليصافحه معلناً إسلامه، يقول ابن عباس رضي الله عنه:

جاء أبو بكر بأبي قُحافة وهو شيخ قد عمي فقال رسول صلى الله عليه و سلم: «ألاَ تركتَ الشيخَ حتى آتيه.» قال: "أردتُ أن يأجره الله، والذي بعثك بالحق لأنا كنتُ أشدَّ فرحاً بإسلام أبي طالب مني بإسلام أبي ألتمس بذلك قرة عينك."[2]

وكما كان الرسول صلى الله عليه و سلم يرغب في هداية عمه أبي طالب، فإنه كان يرغب أيضاً في هداية "الوحشي" قاتل عمه حمزة رضي الله عنه. والتاريخ حفظ لنا قصة هذا الموضوع.

1- دعوة وحشي

عن ابن عباس بعث رسول الله صلى الله عليه و سلم إلى وحشي بن حرب قاتل حمزة يدعوه إلى الإسلام. فأرسل إليه: "يا محمد! كيف تدعوني وأنت تزعم أن من قتل أو أشرك أو زني يلق أثاما، يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا. وأنا صنعت ذلك فهل تجد لي من رخصة." فأنزل الله عز و جل: {إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فأولئك يبدِّل الله سيئآتهم حسنات وكان الله غفوراً رحيماً} (الفرقان: 70). فقال وحشي يا محمد هذا شرط شديد إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحاً فلعلِّي لا أقدر على هذا. فأنزل الله عز و جل {إن الله لا يغفر أن يُشرَك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء} (النساء: 48). فقال وحشي: يا محمد، هذا أرى بعد مشيئة، فلا أدري يغفر لي أم لا، فهل غير هذا. فأنزل الله عز و جل {قل يا عباديَ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم} (الزمر: 53). قال وحشي: هذا نعم فأسلم.[3]

وأصبح ضمن الصحابة الكرام الذين ما نذكر اسم أحدهم إلا ونكتب بعده رضي الله عنه. غير أنه كان قاتل حمزة رضي الله عنه، ولم يكن في مقدوره ولا في مقدور أحد غيره أن ينسى هذا. صحيح أنه لن يحاسب على هذا يوم القيامة، ذلك لأنه عندما ارتكب تلك الجريمة لم يكن مسلماً والإسلام يجُبُّ ما قبله، فذنوبه السابقة مغفورة له...[4] ومن ثم فقد كان محظوظاً من تلك الناحية... إلا أنه مع كل هذا كان قاتل حمزة رضي الله عنه.

حمزة الذي كان بمثابة بطل خرافي يصيد الأسود ويبقر بطونها استسلم للنبي صلى الله عليه و سلم وأعلن إسلامه، ولأنه رضع من نفس الثدي الذي رضع منه رسول الله صلى الله عليه و سلم، فقد احتلّ مرتبة أخ له من الرضاعة[5] وقد كان المسلمون يعيشون في خوف قبل إسلامه، فلما أسلم رنت جنبات جزيرة العرب بصوت المسلمين ودعوتهم... هذا هو حمزة الذي قتله الوحشي في عهد جاهليته، إذ رماه في معركة أُحد برمح فأصابه في صدره، فوقع على الأرض وهو يرسم بجسده حرف "لا..." فمنذ إسلامه وهو يقول "لا" لكل شي ما عدا الله تعالى. بعد قليل شاهده رسول الله صلى الله عليه و سلم وأحشاؤه مقطعة، فجلس عند رأسه وأجهش بالبكاء... بكى وذرف الدموع عليه... وها هو وحشي يمد يده الملطخة بدماء حمزة رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم ويبايعه، ولتنظروا إلى مفهوم التبليغ والدعوة عند الرسول صلى الله عليه و سلم فهو الآن يمسك بيد الوحشي ويهنئه لإسلامه... بل هو الذي دعاه للإسلام.

وبعد إسلام وحشي وإيمانه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «فهل تستطيع أن تغيّب وجهك عني» ذلك لأنه كلما رآه تذكر حمزة وتجددت آلامه فلا يستطيع أن يُظهِر له الرحمة الواجبة على النبي إظهارها لأصحابه فيكون نكد الحظ ويكون النبي صلى الله عليه و سلم غير قائم بواجبه.

ومثل أي صحابي آخر انقاد الوحشي لتوصية الرسول صلى الله عليه و سلم وأمره ولم يخالفه فحاول ألا يظهر أمامه وأن يكون بعيداً عنه، ولكنه في الوقت نفسه كان ينتظر كل دقيقة بل كل ثانية دعوة ثانية من رسول الله صلى الله عليه و سلم... كان يقف وراء سارية وينظر إلى النبي صلى الله عليه و سلم ويحاول أن يتصيد نظراته... ألن يأتي يوم يقول فيه لي: "آن لك أن تظهر أمامي."

وبينما كان ينتظر هذا اليوم السعيد فوجئ بالخبر المذهل... لقد توفي رسول الله صلى الله عليه و سلم وفارقنا... كان خبراً صاعقاً له... إذن، فلم يبق هناك أمل أن يدعوه أحد.

مضت أيام وحشي بعد ذلك في التكفير عن خطاياه السابقة، إلى أن اشتعلت حرب اليمامة فأسرع الوحشي والتحق بجيش خالد بن الوليد الذي أرسل إلى اليمامة، كانت هذه فرصة له يجب ألا يضيعها. فقد سبق له وأن تورط في إثم قتل أحد أبطال الإسلام الكبار ومع أن ذنبه قد غفر له، إلا أن ضمير الوحشي كان يضطرم بنار ذلك الإثم، والآن سنحت أمامه فرصة كبيرة وهي قتل مسليمة الكذّاب أعدى أعداء الإسلام. أخذ وحشي معه ذلك الرمح الصديء الذي قد قتل به حمزة رضي الله عنه واشترك به في معركة اليمامة... استمرت الحرب عدة أيام... وكانت حرباً ضروساً.

وعندما بدت أمارات الهزيمة حاول مسليمة الكذاب الخروج والهروب من القلعة فلمحه أحد الحراس من الصحابة الكرام فصاح بالوحشي: ها هو عدو الله.

وما إن سمع الوحشي هذا حتي هز رمحه الصديء وأرسله إلى صدر مسيلمة الكذاب -كما كان أرسله من قبل إلى صدر حمزة رضي الله عنه- فاخترق الرمح صدر مسليمة فهوى إلى الأرض من فوق فرسه... ما إن رأى الوحشي هذا حتى انكب على الأرض يسجد شكراً لله...[6] وانهمرت الدموع من عينيه، لقدكان وكأنه يخاطب روح رسول الله صلى الله عليه و سلم ويقول له: أأستطيع أن آتي الآن يا رسول الله..؟

نحن لا نعلم ماذا أجابه رسول الله... ولكن من المحتمل أن روحانية الرسول صلى الله عليه و سلم التي حضرت إلى معركة اليمامة قد رقت لدعاء وحشي وانكساره وباركته لرجولته وشجاعته وقالت له: "تستطيع من الآن فصاعداً أن تظهر لي" هذا ما لا نعرفه، لأنها قضية بُعد آخر، ولكن غايتنا من سرد هذه الحادثة هي شرح ماهية الدعوة والتبليغ عند رسول الله صلى الله عليه و سلم.

أجل، فنحن نرى هنا شفقته ورحمته لقاتل بطل كبير وحبيب أثير لديه مثل عمه حمزة الذي كان يجله مثل والده ويحبه مثل أخيه. ولكي يدعو وحشي إلى الإسلام جرب طرقاً عديدة، واستطاع أن يجعل من مثل هذا الشخص صحابياًّ، فلو لم تكن الدعوة والتبليغ جارية منه مجرى الدم وموجودة في فطرته، وقطعة من روحه أفكان من الممكن مشاهدة مثل هذا الإصرار في دعوة شخص مثل وحشي للإسلام؟ كلا... ولكن إصراره وتهالكه يدلان على أن الدعوة والتبليغ عند النبي صفة من صفاته، لذا فلم يكن من الممكن أن يسلك إلا هذا الدرب.

2- دعوة عكرمة

كانت عداوة عكرمة للإسلام أكثر من عداوة الوحشي. إذ كان عدواًّ للإسلام نفسه، أي كانت عداوته عن سابق إرادة وتصميم. والبيت الذي نشأ فيه عكرمة كان بيت عداء للإسلام؛ وأفراده كلهم فطروا على عداوة الإسلام؛ فرب البيت كان أبو جهل، وقد سرى جهله إلى سائر أفراد البيت فأصبح مباءة للجهل وللظلام المعنوي، فمن أسلم من أفراده تعرض لأذى لا يوصف.

كان عكرمة في عدائه للإسلام وكأنه يتسابق مع والده، فما من أمر اشترك فيه والده ضد الإسلام إلا واشترك فيه عكرمة فقد أعماه الكفر والضلالة. ومع أن المسلمين فتحوا مكة وأسلم أهلها، إلا أن عكرمة بقى معانداً في خصومته للإسلام وقاتل المسلمين بسيفه، ثم هرب إلى اليمن.

وكانت أم حكيم بنت الحارث بن هشام زوجتُه وبنتُ عمه امرأةً عاقلةً وكانت قد أسلمت، فذهبت إلى اليمن بدافع الوفاء لزوجها وأقنعته بالرجوع إلى بلده. ولكن عكرمة كان يستحي من مقابلة الرسول صلى الله عليه و سلم، ذلك لأنه لم يدع خصومة إلا أبداها له، ولم يدع أذى إلا عمله، فإن كان المطلوب نثر الأشواك في طريقه كان هو في رأس القائمين بذلك، وإن كان المطلوب نثر التراب على رأسه صلى الله عليه و سلم كان هو في مقدمة الناثرين. غير أن رسول الله صلى الله عليه و سلم كما كان حريصاً على إسلام الوحشي كان حريصاً على إسلام عكرمة. وعندما دخل عليه عكرمة رحب به النبي صلى الله عليه و سلم قائلاً له: «مرحباً بالراكب المهاجر، مرحباً بالراكب المهاجر مرحباً بالراكب المهاجر.» صحيح أن الهجرة انتهت بالمعنى الإسلامي بفتح مكة، إلا أن النبي صلى الله عليه و سلم قال هذا إشارة إلى قدومه من بلد بعيد. كان هذا الترحيب كافياً لإذابة جليد العداوة في قلب عكرمة. وبعد أن نطق بالشهادتين قال للنبي صلى الله عليه و سلم وهو مطأطأ الرأس حياء: "يا رسول الله! استغفر لي كل عداوة عاديتكها أو موكب أوضعت فيه أريد فيه إظهار الشرك."

فرفع رسول الله صلى الله عليه و سلم يديه بالدعاء: «اللهم اغفر لعكرمة كل عداوة عادانيها أو موكب أوضع فيه يريد أن يَصُدّ عن سبيلك.» فما أن سمع عكرمة هذا الدعاء حتى استولى عليه انفعال شديد... إذ ما كان يتوقع مثل هذا الاستقبال وهذا الترحيب فقال للنبي صلى الله عليه و سلم وهو في أوج الانفعال:

"أما والله يا رسول الله لا أدع نفقة كنت أنفقتها في الصد عن سبيل الله إلا أنفقت ضِعفها في سبيل الله، ولا قاتلت قتالاً في الصد عن سبيل الله إلا أبليت ضعفه في سبيل الله."

وبَرَّ عكرمة بوعده، وفي معركة اليرموك جاد بنفسه واستشهد فيها. اشترك عكرمة في معركة اليرموك مصاحباً معه زوجته وأطفاله وعندما جرح جرحاً بليغاً حملوه إلى خيمة. فبدأت زوجته وأطفاله يبكون فقال عكرمة لزوجته: "لا تبك! لن أموت قبل أن أرى النصر" كان هذا كرامة له... بعد قليل دخل الخيمة عمه الحارث بن هشام قائلاً: "أبشروا! لقد نصرَنا الله تعالى" فحمد عكرمة الله تعالى وقال قبل أن يجود بنفسه: {توفني مسلماً وألحقني بالصالحين} (يوسف: 101).[7]

أجل، لقد كان رسول الله صلى الله عليه و سلم حريصاً على هداية الناس، فقد كان يمثل في الدعوة وفي التبليغ قمة لا يمكن بلوغها. إذ مد يده للآلاف ولمئات الآلاف ليقودهم إلى عالم النور والهداية، ولكنه لم يكن يعرف الاكتفاء، لذا نراه يمد يد الشفقة والرحمة حتى لألدّ أعدائه فيبرهن بذلك كيف أن صفة الدعوة والتبليغ لدى الأنبياء قمة سامقة وذروة شاهقة لا يمكن بلوغها.


[1] البخاري، الجنائز، 80؛ مسلم، الإيمان، 24؛ النسائي، الجنائز، 102؛ «البداية والنهاية» لابن كثير 3/153
[2] «الإصابة» لابن حجر 4/116؛ «المسند» للإمام أحمد 3/160؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 4/48
[3] «مجمع الزوائد» للهيثمي 7/-101
[4] انظر الحديث: «إن الإسلام يَجُبّ ما كان قبله.» («المسند» للإمام أحمد 4/199)
[5] «الإصابة» لابن حجر 1/353؛ «أسد الغابة» لابن الأثير 2/51
[6] البخاري، المغازي، 23؛ «المسند» للإمام أحمد 3/501؛ «السيرة النبوية» لابن هشام 3/76-77
[7] «أسد الغابة» لابن الأثير 4/70-73؛ «الإصابة» لابن حجر 2/496، 497

 



آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri