| الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.22 | |
|
الصفحة 4 من 6 د- هـمّ الـدعـوة يـؤرِّقـه ما عرفت عينا النبي صلى الله عليه و سلم النوم المريح منذ إعلان نبوته، لأنه كان يشارك الإنسانية كلها آلامها ويشاطرها أحزانها، وهذا لا يصح إسناده إلا للنبي صلى الله عليه و سلم الذي أنفق حياته كلها في الدعوة والتبليغ. لقد كان يذهب في السنوات الأولى من مرحلة الدعوة في مكة من سوق إلى سوق ومن حارة إلى حارة، ليدعو الناس في الأسواق إلى الدين الحق ويتعرض في هذا السبيل إلى صنوف الأذى، فقد يقذف بالحجارة أو يهال التراب على رأسه... وما كان يعبأ بذلك، بل كان يمضي قُدُماً في سبيل دعوته؛ وبينما كانت الملائكة تستحي من النظر إلى وجهه المبارك، كان مشركو مكة الغلاظ يبصقون عليه. وبينما كانت الغيوم تحجب عن وجهه حرارة الشمس أحياناً كان الكفار يقابلونه بأحطّ أنواع التحقير والإهانة. فها هو عندما نزلت آية {وأَنْذِرْ عشيرتَكَ الأقربين} (الشعراء: 214) يجمع جميع أقربائه من أفخاذ وبطون القبائل ويقول لهم: «أرأيتم إنْ أخبرتكم أنّ خَيْلاً تَخرج من سَفْح هذا الجبل، أكنتم مصدِّقيّ؟» قالو ما جرّبنا عليك كذبا، قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.» وعندما قال لهم هذا خيم الصمت على الجميع وبدوا وكأنهم قطع من حجارة، ولم يجيبوه بكلمة واحدة فانبرى أبو لهب يقول -ويا ليته ما تكلم- للنبي صلى الله عليه و سلم: تباًّ لك! ما جمعتنا إلا لهذا؟..[1] وانتهى الموقف على هذا وانصرف الجميع. وقد أنفقت السيدة خديجة رضي الله عنها معظم ثروتها في المآدب التي كان النبي صلى الله عليه و سلم يصنعها ويدعو لها أشراف مكة لكي تتيسر له فرصة تبليغهم ودعوتهم إلى دين الحق... ولكنها لم تأت بنتيجة... يصف علي بن أبي طالب رضي الله عنه مجلساً من هذه المجالس فيقول ما معناه: دعا رسول الله صلى الله عليه و سلم أشراف مكة إلى بيته فاكلوا الطعام. ثم بدأ رسول الله صلى الله عليه و سلم بالحديث فقال إنه رسول الله، وإنهم أقرب الناس إليه لذا، يجب أن يكونوا عوناً له. وفي ختام كلامه قال: «فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي؟» قال: فلم يقم إليه أحد قال: فقمت إليه، وكنت أصغر القوم، قال: فقال: «أجلسْ»، قال: ثلاث مرّات، كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: «أجلسْ» حتى كان الثالثة ضرب بيده على يدي.[2] وهكذا مرت الأعوام ورسول الله صلى الله عليه و سلم لا يعرف الكلل ولا الملل بل يستمر في دعوته وفي تبليغه، ولم يعره أقرباؤه أذناً صاغية أبداً. فبدأ بالبحث عمن يستجيب له من الناس البعداء عنه... غير أن العثور على أناس ذوي قلوب حية ليس بالشيء الهين. فقد رجموه بالحجارة في الطائف.[3] وطرد من أكثر الخيام التي زارها في الأسواق المقامة.[4] ولكن إصراره في الدعوة كان يجذبه إلى عالم المفاجآت. فقد ساقه القدر إلى العَقَبة حيث التقى ببعض الأشخاص الطاهرين. في هذه العقبة الأولى تعرف على اثني عشر نفراً، وزاد عدد هؤلاء في العقبة الثانية في السنة الثانية إلى بضع وسبعين نفراً. فأبلغهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بعض الأمور، فإن كانوا مؤمنين به فعليهم الإيمان به ضمن هذه الشروط. وقبل هؤلاء كل ما قاله رسول الله صلى الله عليه و سلم دون أي تردد. وهنا طلب العباس رضي الله عنه منهم أن يفكروا ملياً قبل إعطاء القرار، إذ شرح لهم أن قبولهم هذا يعني أنهم سيقفون أمام العرب أجمع، فلم ينكص أحد على عقبيه، وبايعوا النبي صلى الله عليه و سلم على أن يفدوه بأرواحهم، فأرسل معهم النبي صلى الله عليه و سلم مصعب بن عمير ليعلمهم دينهم.([5] كان مصعب رضي الله عنه الابنَ الوحيد لأغنى عائلة في مكة، وكان في السابعة عشر من عمره عندما أسلم... كان هذا الفتى من قبل إذا مر من أزقة مكة لوحت له الفتيات بمناديلهن من النوافذ، فقد كان أنيق الملبس.[6] ولكنه ما إن دخل الإسلام حتى نبذته عائلته، وعندما ذهب إلي المدينة لم يكن يملك سوى ملابسه، وعاش هناك فقيراً، حتى أنه عند استشهاده في معركة أُحد -وقد تقطعت أوصاله- لم يجدوا ما يكفنونه به رضي الله عنه.[7] ما إن وصل هذا التلميذ الجليل -تلميذ رسول الله صلى الله عليه و سلم- إلى المدنية حتى شرع في الدعوة والتبليغ، فلم يبق في المدينة باب لم يطرقه... وكان إخلاصه للدعوة وتفانيه في سبيلها يجعل كلامه يدخل إلى القلوب ويأسر الأرواح. فيسرع مستمعه للدخول إلى الإسلام ونبذ الكفر... لقد أحدث مجيئه إلى يثرب موجة شديدة وهزة عنيفة، فكأنه كان نبع نور صاف يتسرب إلى القلوب فيملكها. أسكنه أسعد بن زُرَارَة رضي الله عنه في بيته، ومع أن صلاة الجمعة لم تكن قد فرضت بعد، ولم يشرف النبي صلى الله عليه و سلم يثرب بمجيئه بعد، إلا أن أسعد بن زُرَارَة رضي الله عنه كان يجمع المؤمنين ويصلي بهم صلاة الجمعة.[8] ولم يبق في يثرب رجل ذو شأن إلا أتى إلى بيته واستمع إلى مصعب رضي الله عنه. لقد كان بعضهم يأتي وهو محنق، ولكنه يغادر البيت وهو قرير النفس... كان سعد بن معاذ من بين هؤلاء، فقد أقسم مغضباً أنه لن يسمح لأحد بإحداث الفتنة في يثرب بعدما حُدّث أن مصعباً يريد إحداث فتنة فيها، لذا شعر بأن عليه أن يقف في وجه هذه الفتنة ويخمدها. ودخل سعد إلى بيت مصعب رضي الله عنه فرآه وهو يحدث بصوته العذب الرخيم... لم يملك نفسه سعد فقال كلاماً خشناً لمصعب رضي الله عنه، فقال له مصعب رضي الله عنه: "أوَ تقعد فتسمع، فإن رضيت أمراً ورغبتَ فيه قبلتَه، وإن كرهتَه عَزَلْنا عنك ما تكره." فجلس سعد وقد سكن غضبه وبدأ يستمع إليه، وأحس بأنه ينتقل إلى عالم آخر لم يعهده من قبل... عالم ترفرف فيه أجنحة الملائكة... ولم يطل به الأمر فقد أسرع بنطق الشهادتين من أعماق قلبه ودخل في صفوف المسلمين.[9] وكما هز إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه مكة، كذلك هز إسلام سعد بن معاذ يثرب، فقد انتشر هذا الخبر المذهل فيها وفي القبائل المجاورة لها. وهكذا فكما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم مشغولاً بنشر الدعوة، كان أصحابه المخلصون الصادقون يبذلون ما في طاقتهم لنشر الإسلام والحق في أحسن شكل وأجمل صورة... كان العالم كله في انتظار هؤلاء ليرفعوا المشاعل التي تضيء أرجاءه، ولم يكن إرسال مصعب إلى يثرب وطلحة إلى دومة الجندل والبراء وخالد -بعد سنوات- إلى اليمن إلا ثمرة الرغبة نفسها... رغبة تبليغ الدعوة ونشرها في العالم. وإذا لم يوفق أحد هؤلاء الصحابة في دعوته في مكانه الذي أرسل إليه، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوم بإرسال غيره ليحل محله، وكان هذا التغيير يأتي دائماً بنتائج إيجابية. فمثلاً عندما أرسل خالد بن الوليد إلى اليمن لم يوفق خالد هناك توفيقاً يذكر، فأرسل علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى هناك ونقل خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى "نَجْران" حيث يوجد فيها النصارى. يخبرنا البراء بن عازب عن هذه الحادثة فيقول: إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوه، ثم إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بعث علي بن أبي طالب إلى أن يقول: ...فكنت فيمن عقب مع علي فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا ثم تقدم فصلى بنا علي ثم صَفَّنا صفاًّ واحداً ثم تقدم بين أيدينا قرأ عليهم كتاب رسول الله صلى الله عليه و سلم فأسلمت همدان جميعا.[10] أجل، لقد وفق علي بن أبي طالب رضي الله عنه في اليمن، ذلك لكونه يملك تاريخاً طويلاً مع رسول الله صلى الله عليه و سلم ولأنه والد الحسن والحسين رضي الله عنه ورئيس السلسلة الذهبية لجميع الأقطاب والمقربين والأولياء والأصفياء الذين سيظهرون حتى يوم القيامة. ولايزال الحق والحقيقة حتى اليوم تحت أجنحة حمايتهم. فتح علي رضي الله عنه قلوب أهل اليمن بكلماته التي كانت تذيب القلوب، وعندما تم فتح مكة جاء هؤلاء والتحقوا بالإسلام.[11] [1] البخاري، تفسير سورة (111) 1؛ مسلم، الإيمان، 355 [2] «المسند» للإمام أحمد 1/159 [3] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/60 [4] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/63 [5] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/73 [6] «رجال حول الرسول» لخالد محمد خالد ص39 [7] البخاري، الجنائز، 28 [8] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/77 [9] «السيرة النبوية» لابن هشام 2/79 [10] «البداية والنهاية» لابن كثير 5/121 [11] «البداية والنهاية» لابن كثير 5/120
|
|
| آخر تحديث ( 2006.09.22 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|



