| الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.22 | |
|
الصفحة 5 من 6 هـ- الـرسـائـل إلـى رؤسـاء الـدول بينما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم يرسل أهل الكفاءات والقابليات إلى هنا وهناك للقيام بوظيفة إرشاد الناس إلى الإسلام كان يقوم بإرسال الرسائل إلى رؤساء وملوك الدول يدعوهم فيها إلى الإسلام، الذي هو الدين الحق... وكان هذا بُعدا آخر في مضمار الدعوة والتبليغ. 1- النجاشي كان النجاشي حاكم الحبشة... لم يكن صحابياً لأنه لم ير الرسول صلى الله عليه و سلم، ولكنه كان شخصاً كبير القدر، أرسل إليه رسول الله صلى الله عليه و سلم رسالة بيد عمرو بن أمية جاء فيها: «من محمد رسول الله إلى النجاشي أَصْحَمَة ملك الحبشة: سلام عليك فإني أحمد إليك الله الملك القدوس المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة الطيبة الحصينة... وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له.»[1] في خطاب رسول الله صلى الله عليه و سلم للنجاشي نرى أنه سلم عليه "سلام عليك" إذن، فقد كان يأمل منه خيراً وكأنه كان يرى بعين الغيب أنه سيهتدي؛ ثم إن الأسلوب الذي استعمله الرسول صلى الله عليه و سلم أسلوب رائع جداًّ، إذ نراه يتناول موضوع خطاب النجاشي من زاوية مريم عليها السلام لأنه يعرف مدى توقير النجاشي وحبه لها. ونحن أيضاً نوقر مريم عليها السلام لأنها ولدت نبياً كريماً وكانت مظهراً للإلهام الإلهي. والشيء الذي يلفت النظر أن النجاشي كان نصرانيا، لذا عندما خاطبه الرسول صلى الله عليه و سلم ذكر الآيات القرآنية المتعلقة بالمسيح عليه السلام. فكان هذا أسلم طريق وأفضله للدخول إلى قلب النجاشي... وهكذا كان. عند ورود الرسالة نزل النجاشي من عرشه... أخذ الرسالة وقبلها ووضعها على رأسه، وبعد قراءتها أعلن إسلامه وأمر كاتبه بكتابة الجواب في هذه الرسالة: "إلى محمد رسول الله من النجاشي: أشهد أنك رسول الله... فإني لا أملك إلا نفسي وإن شئتَ أن آتيك فعلتُ. يا رسول الله، فإني أشهد أنما تقول حق."[2] كان النجاشي مؤمناً واعياً، فقد قال لأحد خلصائه يوماً: "ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أحمل نعليه."[3]) بعد مرور فترة من الزمن قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لأصحابه وهو يدخل المسجد: «إن أخاً لكم قد مات فقوموا فصلوا عليه.»[4]) وقد اختلف الفقهاء في موضوع صلاة الغائب، فأصحاب المذاهب -عدا مذهب أبي حنيفة- يجوزون هذه الصلاة، ويقول علماء المذهب الحنفي بأن تابوت النجاشي حضر أمام رسول الله صلى الله عليه و سلم بمعجزة إلهية وأنه صلى صلاة الحاضر. وهذا موضوع فقهي لا نريد الدخول إلى تفاصيله هنا.[5] 2- هـرقـل أرسل الرسول صلى الله عليه و سلم رسالته الثانية إلى هرقل إمبراطور الروم بيد دِحْيَة الْكَلْبِي، وكانت الرسالة تقول: «بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى. أما بعد فإني أدعوك بدِعاية الإسلام، أسلِمْ تَسْلَمْ يؤتك الله أجرك مرتين. فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. {ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} (آل عمران: 64).»[6] أثرت كلمات هذه الرسالة على هرقل، وكان أبو سفيان موجوداً آنذاك في بلده... وجرى الحوار التالي بينه وبين أبي سفيان: - كيف نسبه فيكم؟ هذا هو الحوار الذي جرى بين هرقل وبين أبي سفيان الذي لم يكن قد أسلم بعد، ولم يستطع أن يقول شيئاً ضد الرسول صلى الله عليه و سلم سوى إبداء التردد في الجملة الأخيرة. وكرر هرقل ذكر أجوبة أبي سفيان واعتبرها دليلاً على صدق نبوة الرسول صلى الله عليه و سلم، ثم أخذ رأى صاحب له برومية، وكان عالماً مثله، فكان رأيه مثل ما رأى. وفي رواية أنه قال لأبي سفيان: "فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدميّ هاتين" وقد حدث هذا فعلاً كما نعلم.[7] وعندما وجد عظماء الروم ميل هرقل إلى الإسلام ثاروا وغضبوا، فلما رأى هرقل منهم ذلك أيس منهم وقال لهم: "إني قلت مقالتي آنفاً أختبر بها شدتكم على دينكم، فقد رأيتُ، فسجدوا له ورضوا عنه."[8] أما صاحبه في رومية فقد أسلم وبايع النبي غيابياً.[9] 3- والآخرون أرسل الرسول صلى الله عليه و سلم رسائل أخرى إلى جهات مختلفة وإلى أشخاص آخرين، فكان منهم من اهتدى وقبل الإسلام ومنهم من تصرف باحترام تجاه رسول الله وإن لم يسلم كالمقوقس عظيم القبط، إذ أرسل له الرسول صلى الله عليه و سلم حاطب بن أبي بلتعة. ومع أن المقوقس لم يسلم إلا أنه أكرم وفادة حاطب طوال إقامته هناك وأرسل معه هدايا عديدة للرسول صلى الله عليه و سلم، وكانت أُمّنا مارية ضمن هذه الهدايا حيث ولدت له إبراهيم، وكان من ضمن هذه الهدايا بغلة[10] بيضاء اسمها "دُلْدُل" كانت الأولى التي يراها العرب. أما كسرى فقد مز ق رسالة النبي صلى الله عليه و سلم وألقاها إلى الأرض، فمزق الله ملكه، ولم تلبث فارس أن تمزقت إرباً إرباً.[11] قام رسول الله صلى الله عليه و سلم بدعوة الحكام ورؤساء الدول ورؤساء مختلف القبائل... أي بتبليغ العالم كله بدعوته؛ كان كل يوم يمر يزداد نفوذه على القلوب، كان كأنه يملك جاذبية قدسية وسرية تجذب إليه -بخيوط سرية وغير مرئية- القلوب وتشرح له الصدور... وكل فرد أو مجتمع انجذب إليه أصبح يسمو إلى عالم النور. وبعد أن أقرمقعده في القلوب على هذا النحو أصبحت محاربته والاستمرار في عدائه وخصومته عملاً يائساً مثل محاولة طمس نور الشمس وحجبه بغربال. ولم يلبث الجميع أن أدركوا هذا... أدركوا مدى عقم الوقوف في وجهه وصد دعوته، فألقوا أسلحتهم وطلبوا العفو والغفران منه. [1] «البداية والنهاية» لابن كثير 3/104 [2] «البداية والنهاية» لابن كثير 3/105 [3] «دلائل النبوة» للبيهقي 2/300 [4] مسلم، الجنائز، 66-67؛ البخاري، الجنائز، 4، 65 [5] «كتاب الفقه على المذاهب الأربعة» للجزيري 1/522 [6] البخاري، بدء الوحي، 6؛ مسلم، الجهاد، 74 [7] البخاري، بدء الوحي، 6؛ مسلم، الجهاد، 74 [8] البخاري، بدء الوحي، 6، تفسير سورة (3) 4 [9] «مجمع الزوائد» للهيثمي 8/236، 237؛ «الإصابة» لابن حجر 2/216 [10] «البداية والنهاية» لابن كثير 5/324 ([11] البخاري، العلم، 7؛ «المسند» للإمام أحمد 1/243
|
|
| آخر تحديث ( 2006.09.22 ) |
| < السابق | التالى > |
|---|



