الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم طباعة ارسال لصديق
التقييم العام: / 6
سىءممتاز 
كتب فتح الله كولن   
2006.09.22
فهرست الصفحات
الـتـبلـيغ عند رسولنا صلى الله عليه و سلم
كـان صلى الله عليه و سلم مـفـطـوراً على الـتبليـغ
الـحـرص فـي تـبليغ الـدعـوة
هـمّ الـدعـوة يـؤرِّقـه
الـرسـائـل إلـى رؤسـاء الـدول
صـلـح الحُديبية من زاوية الـدعـوة

و- صـلـح الحُديبية من زاوية الـدعـوة

يشكل صلح الحُديبية بُعداً آخر في مجال فرص الدعوة والتبليغ، فقبول رسول الله صلى الله عليه و سلم الشروط القاسية للصلح قوبل في بداية الأمر من قبل بعض الصحابة أمثال عمر بن الخطاب رضي الله عنه -الذي لا يشك أحد في قوة ارتباطه بالرسول صلى الله عليه و سلم وتعلقه به- بردود فعل سلبية وباعتراض، وبدا لفترة قلقة أن فرصة الصلح ستضيع.

ولكن الذي حدث هو أن المسلمين استطاعوا في السنة التالية الدخول إلى مكة بكل حرية... هذا الدخول الذي أصبح موضوع حديث أهل مكة لسنة كاملة، مما فتح مغاليق كثير من القلوب للإسلام شيئاً فشيئا، فأسلم كثير من الشخصيات المهمة في مكة بمحض إرادتهم أمثال خالد بن الوليد وعمرو بن العاص.[1] وقد لعب دخول هؤلاء إلى الإسلام بمحض إرادتهم ودون أن ينخدش كبرياؤهم دوراً مهماً من زاوية الخدمات الكبرى التي أدّوها فيما بعد للإسلام.

كما أن إظهار الصحابة شدة تعلقهم برسول الله صلى الله عليه و سلم في أثناء البيعة ما غاب عن أنظار الوفد المكيّ، مما يَسّر تفتح القلوب للإسلام.

ز- الـدعـوة الـفـردية

عندما كان رسول الله صلى الله عليه و سلم في ذروة الصعود والانتصار لم يهمل العلاقات الفردية، بل أولاها اهتماماً كبيرا؛ فمع أنه كان يعلم أن أهل مكة جميعاً سيطلبون منه الصفح والغفران قريباً وسيستسلمون له إلا أنه مع هذا لم يهمل الترحيب الكبير لمقدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وإسلامهما بين يديه. فأرسل بعض أصحابه لاستقبال هذين الشخصين العبقريين. وعندما أقبل عليه خالد بن الوليد وسلم عليه بالنبوة ونطق بالشهادتين قال له رسول الله صلى الله عليه و سلم:

«الحمد لله الذي هداك! قد كنتُ أرى لك عقلاً رجوتُ أن لا يُسلِمك إلا إلى خَيْر.»[2]

كان كلام رسول الله هذا من أبلغ آيات الفخر لرجل في ذلك الموقف النفسي. ومن يدري ماذا فعلت هذه الكلمات بروح خالد ودورها في إشعال جذوة الإيمان في قلبه.

أما عمرو بن العاص فقد أمسك بيد رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يريد أن يدعها وهو يقول له: يا رسول الله أبايعك على أن تغفر لي ما تقدم من ذنبي. فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم: «إن الإسلام يَجُبّ ما كان قبله والهجرة تجُبّ ما كان قبلها.»[3]

أجل، كان رسول الله صلى الله عليه و سلم قد أخذ بمقاليد القلوب، ولكنه كان يوظف هذا ويستخدمه في صالح الدعوة وفي صالح التبليغ، فأقبل عليه الناس يدخلون في دين الله أفواجا، ومن تلك الأمواج وصلتنا موجة في هذه الأيام؛ وأنا أومن بأن الرسالة المقدسة لرسولنا صلى الله عليه و سلم ستبقى وستستمر حتى قيام الساعة.

وحسبما نقرأ في الصحف فإن آلافاً من الأورويين يسلمون، والدنيا بأجمعها مقبلة على الإسلام... أجل، أن أوروبا حامل بالإسلام وستلد يوماً ما، وأما العالم الإسلامي فهو في آلام المخاض وسيلد قريباً. ثم انظر إلى شرق العالم حيث كان الفكر المنافق والملحد متحكماً وسائداً؛ فعلى الرغم من مرور أكثر من نصف قرن على سياسة التذويب ومسخ الشخصية فإن البلدان الإسلامية فيها مثل تُرْكِسْتان وكازاخستان وأَذْرَبِيجان وأوزبكستان وداغستان وقرغيزيا (Kirghizia) لم تفقد شيئاً يذكر من روحها ومن فكرها، وهي مقبلة بتلهف على عالمها الروحي والفكري الخاص بها. وفي القريب سيرتفع الأذان المحمدي في قلب موسكو وسيقبل فيها الناس أفواجاً أفواجاً على الإسلام، فلن يدع ممثلو دعوة النبي صلى الله عليه و سلم أي بقعة من بقاع الدنيا دون إيصال صوت الدعوة إليها، وهم إذ يفعلون هذا يتخذون المحبة لهم أسلوبا والحنان صفة.

ح- اسـتـحـقـاق رعاية الله وعـنايته

يقول الله تعالى لرسوله صلى الله عليه و سلم: {يا أيها الرسول بلِّغْ ما أُنزِل إليك من ربك وإن لم تَفْعل فما بلَّغتَ رسالته واللهُ يَعصِمك من الناس إنّ الله لا يهدي القوم الكافرين} (المائدة: 67).

ما خاطب الله تعالى أي نبي من أنبيائه بمثل هذا الخطاب، فعند خطابه لأنبياءه السابقين كان يخاطبهم بأسمائهم المجردة. أما هذا الخطاب بصيغة التعظيم فهو خاص برسوله محمد صلى الله عليه و سلم.

فالرسول هو الشخص الذي يحمل رسالة من الحق سبحانه و تعالى، ويبلغ أخبار عالم الغيب إلى الناس. وخطاب الله تعالى له بهذه الصفة تشريف له من جهة، وتذكير لنا بسمو منزلته عنده من جهة أخرى. فهو يعلن شرف نبوته، والنبي صلى الله عليه و سلم يبلغنا رسالة نبوته وهو سيظل تحت ظل هذا الشرف وهذه المرتبة الرفيعة. أي يقول لنا بأن النبي الذي يخاطبكم وتخاطبونه شخص -إن جاز التعبير- يوقّره الله تعالى ويحترمه فلا يخاطبه باسمه: "يا محمد... يا محمد..." بل يخاطبه بـ{يا أيها الرسول}.. أي يا أيها الذي يحيي القلوب والنفوس بالوحي الإلهي... ويا أيها النبي الذي يهرع لنجدة الإنسانية وإنقاذها... وبهذا فقد سما به الله تعالى إلى ذروة نورانية، وشرفه بالرسالة والنبوة وجعله أهلاً لأن يخاطبه مباشرة؛ لذا، نرى أن بعض المحققين يرون أن الله كلمه مباشرة في ليلة المعراج. فكما أن سائر الوحي تم من وراء حجب -وإن كان من قبل الله تعالى- كذلك فقد تم هذا في المعراج ولكن من دون حجاب.[4]

فهذا هو نبينا محمد المصطفى عليه الصلاة والتسليم، وهذه هي المرتبة التي وضعه فيها ربه وقال له: بَلِّغ ما أنزل إليك من ربك، ولا تجعل أي شيء عائقاً أمامك من خوف أو قلق أو أي مانع آخر كالجوع أو العطش أو حب الجاه والمنصب في الدنيا.

ونحن نشهد أن الرسول صلى الله عليه و سلم لم يعقْه أي عائق بل قام بتبليغ الرسالة وأداء الأمانة حق الأداء... لقد انفرج أمامه باب الرسالة، فقام بفتح الباب على مصراعيه بصورة لم يسبقه بها أحد من قبله، وعلى ضوء ذلك يمكننا أن نفهم قوله تعالى: {فكان قاب قوسين أو أدنى} (النجم: 9) من هذه الزاوية، إذ أنه تخطى جميع الحدود حتى وصل إلى حد يصفه فيها أمير الشعراء فيقول:

حتى بلغتَ سماء لا يُطار لها
على جناح، ولا يُسعَى على قدم
وقـيل: كـل نبيٍّ عـنـد رتـبتـه
ويــا محمـد هـذا الـعـرش فاسـتَلِـم

وهذا يعني تجاوز عالم الإمكان وتخطيه. وبهذه المناسبة أتذكر "اوغست كومت (August Comte)" أحد مؤسسي المدرسة "الوضعية (Positivism)" والذي قضى حياته في معاداة الدين، لأنه كان يرى أن أي شيء لا يدخل إلى ميدان التجربة العلمية فهو هراء وكلام لا معنى له. غير أن هناك حادثة متعلقة به ذكرت في أحد كتب التاريخ وهو كتاب "تاريخ مراد"، فقد ذهب "كومت" إلى الأندلس وعندما رأى الآثار والفنون الإسلامية الرائعة هناك ذهل وبقي مدة يتأملها بإعجاب كبير ثم بدأ يسأل هناك من بعض الأشخاص عن الإسلام، وعندما أخبروه أن محمداً صلى الله عليه و سلم كان أمياً ذهل بل صعق ولم يصدق هذا القول وذهب إلى روما وقابل البابا التاسع وسأله عن هذا الأمر مستحلفاً إياه أن يقول له الصدق، وعندما أكّد له البابا صحة ما قيل له لم يملك نفسه إلا أن يقول: "إن محمداً ليس بإله... ولكنه ليس بشراً أيضاً"

ألم يقل شاعرنا البوصيري:

فمَبْلَغُ العِلم فيه أنه بَشَرٌ
وأنه خيُر خَلق الله كلِّهِمِ

أجل، كان إنساناً له أب وأم وله جانبه المادي، ولكن لا يمكن فهمه ولا إيضاحه من جانبه المادي أبداً... فهو طائر في سماء النبوة، ولكن حديثنا عنه يدور على الدوام عن البيضة التي خرج منها... بينما وصل في المعراج إلى موضع نعجز عن إدراك ماهيته، لأن هذا خارج الإدراك البشري وخارج شعوره.

إن التبليغ ضروري إلى درجة أن الله تعالى وظف له أحب خلقه إليه وأحاطه علما بمدى ضرورة القيام به وحذره من التقصير في أي جانب منه.

ومن ثم فإن التبليغ والدعوة هما من أهم واجباتنا نحن الذين ننتسب إلى أمته. ويجب ألا ننسى أن خلاص البشرية لا يتم أبداً إلا بدعوته وبأنفاسه، ثم بأنفاس متبعيه والسائرين في دربه.



[1] «البداية والنهاية» لابن كثير 4/269-273
[2] «البداية والنهاية» لابن كثير 4/273؛ «كنز العمال» للهندي 13/374
[3] «البداية والنهاية» لابن كثير 4/271؛ «المسند» للإمام أحمد 4/199
[4] انظر: البخاري، الصلاة، 1؛ مسلم، الإيمان، 259؛ «تفسير القرآن العظيم» لابن كثير 7/424

آخر تحديث ( 2006.09.22 )
 
< السابق   التالى >
Fethullah Gülen Web Siteleri