| أسـس ثـلاثـة فـي الـتـبلـيـغ |
|
|
| كتب فتح الله كولن | |
| 2006.09.22 | |
|
مما لا شك أن مجيء النبي بالرسالة وقيامه بتبليغ هذه الرسالة للآخرين أمر مختلف تماماً عما يفعله الآخرون. فهم أولاً متميزون في موضوع تلقي الرسالة عن الباقين، فهم لايتشابهون مع غيرهم في هذا الموضوع. وهم أثناء قيامهم بمهمة بالتبليغ يعلموننا ما معنى التبليغ وكيف يجب أن يكون. وهذا يشكل بعدا آخر في موضوع تبليغهم. والآن دعونا نتناول هذا الموضوع بإرسائه على قواعد ثلاثة: 1- الـنظـرة الشـمولية إن الأنبياء عندما يقومون بتبليغ رسالة الله يوفون هذه المهمة بأصولها وقواعدها وطرقها الصحيحة التامة كأهل علم واختصاص في هذا الموضوع. إذ يتناولون الإنسان من جميع جوانبه كلا شاملا وغير مجزأ، ويقدمون له رسالته في إطارها الكامل دون أي نقص. ومن ثم لا يبقى أي من العقل والمنطق والقلب والأحاسيس والشعور خارج أنوار الوحي ولا يترك أو يهمل أيّ من هذا. ذلك لأن كل نبي بين يدي الوحي كالميت في يد المغسل، يقلبه الوحي ذات اليمين وذات الشمال ويوجهه أنى يريد حتى يبلغ بهم ذلك أنهم يتبعون مشيئة الله وإرادته في أصغر الأمور وأدق التفاصيل، وهذا الأمر شيء ملزِم للأنبياء، لذا نراهم يبدون حساسية شديدة تجاهه. ومن ثم فإن أي تبليغ وأي دعوة لا تتوافق مع أسلوب تبليغ الأنبياء ودعوتهم لا تنجح في مهمة الإرشاد والدعوة. مثلا إن أهمل نصيب العقل فإن التبليغ لا يعطي النتيجة المرجوة. وإن أهملت المشاعر والأحاسيس سيؤدي أيضاً إلى نفس النتيجة السلبية. ناهيك عن الذين يخرجون خارج نطاق الوحي فهم لا يصلون أبداً إلى الهدف. ولتنظروا إلى حال جميع النظم البشرية التي سارت خارج الوحي الإلهي وإلى عاقبتها والمسافة التي قطعتها هذه النظم. فهذه هي الشيوعية التي جرت وراءها الجماهير البائسة الفقيرة والمخدوعة زمناً، والتي كانت حلم كثير من البلدان الفقيرة لم تستطع إنقاذ نفسها من السقوط والانهيار مع أنها مرت بكثير من عمليات التصحيح والتبديل والتجميل. برغم أن مؤسسي هذا النظام -والنظم الأخرى - كانوا قد قدموا أنفسهم كأنبياء كذبة وجالوا وصالوا بهذه الصفة. إن الذين يصرون على تطبيق النظم البشرية سيصلون إلى النتيجة نفسها... أجل، سيعلن كل منهم -عأجلاً أم أجلاً- بأنهم كانوا مخدوعين. إن العقل والمنطق والعواطف تكون جنباً إلى جنب في دعوة النبي. فالنبي لا يفكر في استغلال عواطف الشعب للقيام بمظاهرات صاخبة في الشوارع، كما أنه ليس مفكراً نظرياً قابعاً في ركن منعزل يحرم الجماهير من الحركات والنشاطات العامة والإيجابية. وكما أن النبي لا يجعل من الجماهير كتلاً فوضوية تسد الشوارع، فهو أيضا لا يقف حائلا أمام نمو ورقي عواطف الجماهير. إنه يودع رسالات ربه إلى قلوب الناس ويذكي فيها روح العمل والنشاط ويسمو بهم إلى سماء الإنسانية ويرقى بهم إلى مصاف الملائكة. وعندما يشرح القرآن الكريم هذه المسألة يقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم: {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني} (يوسف: 108). هذه السبيل هي سبيل الأنبياء وسبيل العقل والمنطق والحكمة أيضا، وهي في الوقت نفسه لا تهمل العواطف ولا القلب ولا الوجدان، فالكل يأخذ مكانه فيها، والأنبياء وأتباعهم يدعون الناس على بصيرة إلى الحق باتباع هذه السبيل. 2- عدم انـتـظـار الأجر إن النبي لا ينتظر النبي أجرا على تبليغه؛ فهو يقوم بدعوته لكونها وظيفته ومهمته، فكل الأنبياء شعارهم: {إن أجري إلا على الله} (يونس: 72 و هود: 29).[1] 3- ترك الـنتائج لله وعندما يبلغ النبي دعوته لا يتدخل في نتائجها؛ لأنه يعلم أن وظيفته هي التبليغ، أما العاقبة وحسن القبول وتحقق النتائج فمردها إلى الله سبحانه تعالى. وبعد ذكر هذه الأسس الثلاثة سنتناول ماهية صفة التبليغ والدعوة بالنسبة للنبوة، وأي السبل والطرق والأساليب التي يجب على الدعاة في كل عهد الالتزام بها أثناء قيامهم بالدعوة. وكل ما نرجوه أن يوفقنا الله تعالى للقيام بوظيفة الدعوة كما يحب ويرضى. فالله تعالى هو الذي وهب لقلوبنا الشوق للقيام بالدعوة وهو الذي بيده التوفيق إن شاء، فنحن نثق به ونعتمد عليه. إن أي نبي لا يفكر إلا في دعوته كما قلنا، وكم من أنبياء جاهدوا طوال حياتهم ووقفوا أعمارهم كلها لدعوتهم وما آمن بهم أحد،[2] ولكنهم بقوا مع ذلك مطمئنين لأنهم أدوا وظيفتهم كما يجب، فلم يصدر من أحدهم اعتراض لحظة واحدة في حياتتهم ولم يتفوه قط بمثل هذه الأسئلة: لماذا لم أوفق في دعوتي؟ لماذا لم يؤمن بي أحد؟ لماذا انتهى عملي إلى لا شيء؟ لماذا تتابع الفشل الواحد منه تلو الآخر؟ لقد كان كل نبي يفكر في دعوته فقط وكيف يؤديها؛ لذا، فهو ينظر إلى جميع الظروف بنظر الاعتبار ويؤدي مهمته في ضوئها. أما النجاح في دعوته فليس ضمن وظيفته. فالحكم في هذا يعود إلى الله تعالى وحده، وتوضح الآية الكريمة ذلك في خطابها لرسول الله صلى الله عليه و سلم قال تعالى: {إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء} (القصص: 56). وبهذا المقياس فإن رسالة النبي تحمل صفة خاصة، فلو لم يؤمن بها أحد ما فتر النبي أبداً وما تردد أو قلق أو اضطرب، ولا سلك طريق اتهام الآخرين، بل استمر يؤدي وظيفته ومهمته، فلم يظهر الأنبياء أي فتور أو تراخ في الدعوة رغم تعرضهم لصنوف من الإهانة والتحقير. وهذا اللون من ألوان الدعوة صفة خاصة بالأنبياء وحدهم، ويستحيل أن يظهر كاملاً في غيرهم؛ لأننا نجد عند هذا الغير في العادة نوعاً من انكسار الخاطر والكدر، فمهما كان هؤلاء الدعاة ناضجين فإنهم لا يتخلصون من الرغبة في الحصول على نتيجة ما من دعوتهم. وعندما لا يحصلون على شيء يظهرون نوعاً من خيبة الأمل وانكسار الخاطر، والأنبياء وحدهم هم الذين لا يحملون مثل هذه الأحاسيس؛ لأن هذه صفة خاصة بهم. انظروا مثلاً إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم وما أصابه في أحد من حوادث أليمة فإنه مع هذا لم يتكدر خاطره ولم يصبه هم أو غم... لقد انكسرت سنه، ودخلت حلقات مغفره في وجهه، حتى أن أبا عبيدة انكسرت سنه وهو يحاول تخليص وجه رسول الله صلى الله عليه و سلم من حلقات المغفر...[3] ومع أن الدماء غطت وجهه الكريم فإنه اكتفى برفع يده داعياً: «اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون.»[4] ومن ثم عندما اقتنع قومه بنبوته بذلوا أرواحهم في سبيله. وهذه الحادثة وغيرها من الحوادث المماثلة تبين مدى سعة صدر رسول الله صلى الله عليه و سلم. فما كان الرسول صلى الله عليه و سلم وغيره من الأنبياء والرسل يقابلون الأذى بالأذى بل كانوا يتحملون الإيذاء في سبيل الله دون أي تذمر أو شكوى وهذا نبينا الله نوح عليه السلام يحكي القرآن عنه أنه قال لقومه: {قال يا قوم ليس بي ضلالة ولكني رسول رب العالمين} (الأعراف: 61). لقد قال نوح عليه السلام هذا لقومه ردا عليهم عندما اتهموه بالانحراف والضلالة إذ قالوا له {إنا لنراك في ضلال مبين} (الأعراف: 60). والاتهامات اليوم هي نفس الاتهامات السابقة... أنت منحرف... أنت رجعي... أنت تعيش في القرون المظلمة... الخ. ويستطرد نوح في خطاب قومه قائلا لهم: {أُبلِّغكم رسالات ربي وأنصح لكم وأعلم من الله ما لا تعلمون} (الأعراف: 62). أي يقول لهم إنني لست على ضلالة... بل إنني أريد أن أنصحكم وأخلصكم من الضلالات ومن الانحرافات التي تعيشون فيها، لأنني مرسل إليكم من رب العالمين نبياً ورحمة لكم أبلغكم رسالات ربي وأضيء لكم دروبكم، لأنني أعلم ما لا تعلمون. ومع مرور عصور وعصور فإن الكفر هو الكفر لا يتغير ولا يتدبل. فنرى النبي هود عليه السلام يخاطب قومه قائلا: {قال يا قوم ليس بي سفاهة ولكني رسول من رب العالمين ` أُبلِّغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين} (الأعراف: 67-68). فما من شيء قد تغير بالنسبة للأنبياء أو لأقوامهم... نفس الاتهامات ونفس الأجوبة... هي هي نفسها مع تغير في بعض الكلمات وبعض الجمل. وبعد أن ذكرنا الأنبياء ضمن هذه القاعدة العامة لننقل الحديث إلى سيد الأنبياء صلى الله عليه و سلم حيث يخاطبه الله قائلا له: {يا أيها المدثر ` قم فأنذر ` وربك فكبر} (المدثّر: 1-3). {يا أيها المزمل ` قم الليل إلا قليلاً ` نصفَه أو انقُصْ منه قليلاً ` أو زِدْ عليه ورَتِّلِ القرآنَ ترتيلاً} (المزمل: 1-4). أي يا أيها المتدثر والمزمل في ثيابه، لقد مضى عهد النوم... فقم لنجدة السائرين في الظلام. قم وأنذر هذه الجماعات الضالة طريقها من عاقبة السير في هذا الطريق المعوج، ومن عاقبة الانحراف والضلالة... ثم كبر ربك تكبيرة تهتز منها الأرض والسماء؛ لكي يسمع الجميع، الإنس منهم والجن كم هو كبير ربك. يا أيها الخليل المتدثر في الليل بردائه... إن مهمة شاقة مثل مهمة النبوة في انتظارك... قم واعبد ربك... فأنت في حاجة إلى أن تشحن من قبل ربك، لأن بانتظارك وظائف كبيرة عليك أن تنجزها. فكل ما يذكر لك يجب أن تبلغه للناس، ولا يمكنك القيام بمثل هذه المهمة الصعبة إلاً بمعونة من ربك، ولا تتم هذه إلا بالعبودية له. لقد أعلن كل نبي كما فعل نبينا صلى الله عليه و سلم أنه جاء للتبليغ دون أن ينتظر أجراً من أحد، ودون أن يتعلق قلبه بأي شيء أو يرتبط بأي شخص أو يمد عينيه لأي متاع أو يفقد نقاء بصره وصفاء بصيرته. لقد استمر في مد الإنسانية بالوحي الإلهي. ولولا قيامهم بتبليغ الرسالات النورانية لبقيت الإنسانية في ظلام بهيم ولما كان هناك فرق يذكر بينهم وبين الأنعام. وقدر ابن آدم متداخل مع بعثات الأنبياء تداخلاً كبيراً، فلا تسأل أي أمة عن بعض أفعالها إن لم يبعث فيهم نبي. ولكن إن جاءها نبي وعاندت في التصديق به ولم يصيخوا سمعهم له فلا شك في كونهم محاسبين، فالقرآن الكريم يعلن البيان الإلهي {وما كنا معذِّبين حتى نبعث رسولاً} (الإسراء: 15). وبيأن آخر: {وما كان ربك مُهْلِكَ القُرَى حتى يَبعث في أُمِّها رسولاً يتلوا عليهم آياتنا وماكنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون} (القصص: 59). فالله تعالى أولا يرسل الأنبياء، فإن أصر الإنسان على الإنكار رغم قيام الأنبياء بأداء وظائفهم في التبليغ، عند ذلك يستحق هذا الإنسان العذاب من قبل الله تعالى. وهذا وارد في كل دور وفي كل عهد. فإذا كان الله تعالى معذباً بعض الناس الحاليين فهذا مرتبط بمدى قيام المؤمنين -أو عدم قيامهم- بمهمة التبليغ على وجهها الأتم. فمن استمر في عناده وتمرده رغم وصول التبليغ إليه فإنه يكون مستحقاً للعذاب. ولهذا السبب قام الأنبياء باستخدام كل أساليب وطرق الدعوة والتبليغ دون كلل ولا ملل. فنوح عليه السلام يقول بلسان القرآن: {قال رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ` فلَمْ يَزِدْهم دعائي إلا فِراراً ` وإني كلما دعوتُهم لِتَغفر لهم جَعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوْا ثيابهم وأصرُّوا واستكبروا استكباراً ` ثم إني دعوتهم جِهاراً ` ثم إني أَعلنتُ لهم وأسررتُ لهم إسراراً ` فقلتُ اسْتَغفِروا ربَّكم إنه كان غَفّاراً} (نوح: 5-10). يقول النبي نوح عليه السلام: يا رب إنني دعوت قومي ليلاً ونهاراً ودققت أبوابهم. فما زادتهم دعوتي لهم إلا ابتعاداً عني وفراراً مني... تمردوا فلم يصيخوا سمعهم لي. وحتى لا يسمعوني اخترعوا طرقاً عديدة... فتارةً يسدون آذانهم، وتارة يغطون رؤوسهم بملابسهم ويمرون وكأنهم لا يرونني. [1] انظر هذه الآيات: {ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله} (هود: 29)، {وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين} (الشعراء: 109)، {قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد} (سبأ: 47). |
| < السابق | التالى > |
|---|



